احذروا الهرمنيوطيقا( متاهات التأويل وأزمة المعنى المعاصر)

بقلم: حسين شكران العقيلي
​في عالم تتقاذفه أمواج الحداثة وما بعد الحداثة، برزت مفاهيم فلسفية حاولت إعادة صياغة علاقتنا بالنص، سواء كان نصاً دينياً، قانونياً، أو أدبياً. ومن أخطر هذه المفاهيم التي تستوجب الوقوف عندها بعين فاحصة وناقدة هي (الهرمنيوطيقا) إن الحذر من الهرمنيوطيقا ليس دعوة للانغلاق الفكري، بل هو صرخة لضبط الانفلات التأويلي الذي كاد أن يطيح بقدسية الثوابت ووضوح المقاصد.
​تبدأ القصة من عتبة المصطلح ذاته؛ فالهرمنيوطيقا (Hermeneutics) في أصلها اللغوي كلمة مشتقة من اليونانية، وترتبط بالإله (هيرميس) رسول الآلهة الذي كان ينقل الرسائل ويفسرها للبشر.
أما في الاصطلاح الفلسفي المعاصر، فهي (فن التأويل) أو (نظرية فهم النصوص) وهي المنهجية التي تدرس عمليات الفهم وكيفية استخراج المعاني من الرموز اللغوية.
ورغم أن ظاهرها يبدو معرفياً بحتاً، إلا أن جوهرها الحداثي يحمل بذور (نسبية المعنى-، حيث ينتقل مركز الثقل من “مراد المؤلف” إلى (أفق القارئ) .
​إن مكمن الخطر في هذا المنهج يتجلى حين يُسلط على النص القرآني؛ فالهرمنيوطيقا تمنح القارئ سلطة مطلقة لتفسير الآيات وفق فهمه الشخصي، وبيئته المعاصرة، وخلفياته الفكرية الخاصة، دون أدنى اعتبار للضوابط العلمية أو التفسيرات الدينية الرصينة التي خطّتها أيدي علمائنا الأخيار.
إن هذا الإقصاء للموروث التفسيري الرصين الذي تراكم عبر القرون بجهود جهابذة العلم واللغة، يفتح الباب أمام فوضى لا تنتهي؛ حيث يصبح القرآن نصاً بلا “حقيقة مركزية”، وتغدو معانيه رهينة لمزاجية القارئ وإسقاطاته النفسية والسياسية، بعيداً عن أصول الاستنباط وقواعد اللغة ومقاصد الشريعة.
​لقد تجلى هذا الانزلاق بوضوح في طروحات فكرية معاصرة، لعل أبرزها ما تضمنته كتب مثل (الصراطات المستقيمة والتأويل) . في هذه المؤلفات، نلمس محاولة صريحة لتعميم (النسبية) على الحقيقة الدينية والاجتماعية.
ففكرة (تعدد الصراطات) تقوم في جوهرها على هرمنيوطيقا ترى أن الحق ليس واحداً، بل هو وجوه متعددة بعدد الناظرين إليه. هذا الطرح، وإن بدا متسامحاً في ظاهره، إلا أنه يفرغ العقيدة من جوهرها اليقيني ويحولها إلى مجرد وجهات نظر تحتمل التغيير والتبديل، مما يؤدي بالضرورة إلى سيولة قيمية واجتماعية تهدد تماسك البناء الأخلاقي للمجتمع.
​وفي كتاب (التأويل) ، نجد أن المنهج الهرمنيوطيقي يُستخدم كأداة لتفكيك النصوص التاريخية والشرعية بدعوى (أنسنة) الفهم. إن المقارنة بين هذا النهج وبين علوم الاستنباط الرصينة تكشف لنا فجوة عميقة؛ فالتأويل المنضبط الذي أسس له علماؤنا يسعى للوصول إلى مراد الله عز وجل من خلال أدوات لغوية وشرعية صارمة، بينما الهرمنيوطيقا المنفلتة تسعى لخلق حقيقة جديدة يفرضها الواقع الراهن على النص القديم. إنها عملية (استنطاق قسري) تجعل النص يقول ما لم يقله، وتلبسه أثواباً لا تناسبه، وتجعل من الفهم الشخصي المحدود نداً لعلوم الأمة الثابتة.
​إن الحذر الذي ننشده ينبع من إدراكنا بأن تمييع المعاني في النصوص القانونية والشرعية يؤدي إلى فوضى مؤسساتية واجتماعية. فالقانون الذي لا يملك معنى ثابتاً، والنص الديني الذي يخضع لمزاجية التأويل التاريخي بعيداً عن إرث العلماء، لا يمكنهما بناء حضارة مستقرة. إننا بحاجة اليوم إلى العودة لمركزية (الحقيقة) لا مركزية (التفسير العبي) وإلى احترام سيادة النص بصفته كياناً مستقلاً له سياقه اللغوي والمقاصدي، بعيداً عن ألاعيب السفسطة التي تلبس لبوس الفلسفة الهرمنيوطيقية وتتنكر لجهود الأسلاف من العلماء الربانيين.
​ختاماً، إن الهرمنيوطيقا حين تتحول من أداة للفهم إلى غاية لتقويض الثوابت وتجاوز المرجعية العلمية للأمة، تصبح فخاً فكرياً يجب التحذير منه. إن الأمانة العلمية والمسؤولية الأخلاقية تحتم علينا الحفاظ على نقاء اليقين في مواجهة ضبابية التأويل، كي لا نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام نصوص بلا أرواح، وحقائق بلا ملامح، وتفسيرات بلا مرجعية.