د. فاضل حسن شريف
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” ﴿البقرة 113﴾ “وقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ” ﴿البقرة 113﴾. قال صاحب مجمع البيان نقلا عن ابن عباس ان نصارى نجران تنازعوا مع اليهود عند رسول اللَّه صلى الله عليه واله، فقال رجل من اليهود للنصارى: ما أنتم على شيء، فأجابه رجل من النصارى: ليست اليهود على شيء، فنزلت هذه الآية، تسجّل قول كل من الفريقين في حق الآخر. الدين المصلحة عند اليهود والنصارى: وبالمناسبة، فان المعروف عن الدين المسيحي انه ينص صراحة على ان اليهود وأولادهم من بعدهم يتحملون مسؤولية صلب (الإله). ومع ذلك فان بابا روما بذل جهد المستميت عام 1965 لتبرئة يهود الجيل الحالي والأجيال السابقة من تبعة صلب المسيح، وعقد من أجل ذلك أربعة مؤتمرات، واصطدم مع الكنيسة الشرقية، وبلغت تكاليف المؤتمرات 20 مليون دولار، والهدف الأول والأخير سياسي بحت، وهو تقوية (دولة إسرائيل)، وتدعيم مركزها في فلسطين، وسياستها في العالم.. وعلى الأصح تقوية الاستعمار، وتدعيم قواعده في الشرق بعامة، والبلاد العربية بخاصة.. وان دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الدين عند بعضهم، منافع مادية، وكفى. “وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ” ﴿البقرة 113﴾. أي ان اليهود عندهم التوراة، وهي تبشر بعيسى، وتعترف بنبوته.. وأيضا النصارى عندهم الإنجيل يعترف بموسى وتوراته. وعلى هذا يكون اليهود والنصارى في حكم الطائفة الواحدة، لأن دينهم واحد، وكل من التوراة والإنجيل جزء متمم للآخر، ومع ذلك فقد كفّر بعضهم بعضا.
ويستطرد الشيخ محمد جواد مغنية قائلا: أيضا المسلمون يكفر بعضهم بعضا: وإذا كان اليهود بحكم الطائفة الواحدة، لأن التوراة تعترف بعيسى، والإنجيل يعترف بموسى، فبالأولى أن تكون السنة والشيعة طائفة واحدة حقيقة وواقعا، لأن كتابهم واحد، وهو القرآن، لا قرآنان، ونبيهم واحد، وهو محمد، لا محمدان، فكيف إذن كفّر بعض من الفريقين إخوانهم في الدين؟. ولو نظرنا إلى هذه الآية “وقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ” (البقرة 113) لو نظرنا إليها بالمعنى الذي بيناه، واتفق عليه جميع المفسرين، ثم قسنا من يرمي بالكفر أخاه المسلم لو نظرنا إلى الآية، وقسنا هذا بمقياسها لكان أسوأ حالا ألف مرة من اليهود والنصارى. لقد كفّر اليهود النصارى، وكفّر النصارى اليهود، “وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ” ﴿البقرة 113﴾ أي التوراة والإنجيل.. فكيف بالمسلم يكفّر أخاه المسلم، وهو يتلو القرآن؟. فليتق اللَّه الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقلوبهم عمي عن معانيه ومراميه.
قوله جل جلاله “كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ” ﴿البقرة 113﴾. المراد بالذين لا يعلمون في هذه الآية مشركو العرب، حيث قالوا تماما كما قال اليهود والنصارى: انهم وحدهم يدخلون الجنة دون المسلمين والناس أجمعين. وأجاب القرآن أولا: ما أجاب به اليهود والنصارى من ان الحق لا يتقيد بالأشخاص، ولا بالأسماء والألقاب، وان دخول الجنة منوط بالايمان والعمل الصالح. ثانيا: ان اللَّه سبحانه يعلم المحق من المبطل، وانه سيجزي كلا بأعماله. “فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” ﴿البقرة 113﴾. كل يعزز دينه: وتسأل: ان كلا من أهل الأديان والأحزاب يدعي انه هو المحق، وغيره المبطل، تماما كما ادعت اليهود والنصارى ومشركو العرب، فكيف يتهيأ لنا ان نعرف الكاذب من الصادق؟. وقبل الجواب نمهد بالإشارة إلى هذه الحقيقة، وهي: كل من يدعي الحق لا بد أن يكون واحدا من اثنين، اما ان يجزم مسبقا منذ البداية برأيه، ويصر عليه، ولا يحتمل فيه الخطأ، ولا يصغي إلى بينة العكس أيا كان نوعها، واما أن يكون مجردا للحق يبحث عنه ويمحص وينقب جهده، حتى إذا رأى ما اعتقد انه الدليل اعتمده عازما على ان الحق إذا تبين في الجانب الآخر تبعه وعدل عن رأيه، لأنه ينشد الحكمة أينما كانت وتكون.. ولا بد أن نفصل بين هذين لأن الأول لا سبيل إلى اقناعه بالحجة ومنطق العقل، بل لا دواء له الا الاعراض عنه، والثاني يسهل معه التفاهم، وكلنا يعلم ان هناك قضايا واضحة بذاتها لا يختلف فيها اثنان، مثل الرخاء سعادة وهناء، والفقر بلاء وشقاء، والحب خير من البغض، والتعاون أفضل من التنازع، والسلم أعود من الحرب، والعلم نور، والجهل ظلام، والعدل حق، والجور باطل، وان الشيء الواحد لا يتصف بصفة ونقيضها، وما إلى ذلك من الحقائق الانسانية البديهية. إذا تمهد هذا، وكنا على علم منه، ثم ادعى مدع انه هو المحق دون سواه قسنا قوله بتلك الحقائق المتسالم عليها، وتحاكمنا إليها، فان اتفق معها فهو حق، وان ناقضها، واستدعى قوله الضرر والشر فهو باطل.. وبهذا يتبين معنا ان قول من قال: (كل يعزز دينه يا ليت شعري ما الصحيح؟). ان هذا القول لئيم وخطير، يهدف إلى إشاعة الفوضى والجهل، ولو صدق لوجب أقفال المعاهد والمعابد والمحاكم، حيث لا قيم عقلية، ولا قانونية، ولا أخلاقية. والذي يهون الخطب ان قول: (يا ليت شعري ما الصحيح) كلام شعري جاء من وحي العاطفة التي تستمد منطقها من اللا منطق.. وصدق اللَّه العظيم حيث يقول: “وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)” (الشعراء 224-226).