قراءة مغايرة لما بعد السيستاني؟ إشكالية توريث السلالة لمرجعية “الابن” في مواجهة تقاليد العرف التاريخي لحوزة النجف؟ حوارنا مع بعض طلاب حوزة النجف !

صباح البغدادي

مقدمة :

في البداية، لا بد من توضيح مسألةٍ جوهرية للقارئ، حتى لا ينزلق النقاش إلى مساراتٍ انفعالية أو تأويلاتٍ تتجاوز الغاية الأساسية من هذا الطرح . فالمقاربة هنا لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تحاول قراءة الظواهر والتحولات المحتملة داخل بنية المرجعية الدينية التقليدية في النجف، بوصفها مؤسسةً تاريخية ذات تأثير ديني وسياسي واجتماعي عابر للحدود. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش لا يقوم على تبنّي مواقف مسبقة أو إصدار أحكام قطعية، بل يسعى إلى مقاربة الموضوع بعقلانية وهدوء، انطلاقًا من حقّ النقاش الفكري في القضايا العامة التي تمسّ مستقبل المؤسسة الدينية وتحولاتها المحتملة في المرحلة المقبلة. ولذا ومن هذا المنطلق فانني لستُ فقيهًا ولا أنتمي إلى المؤسسة الدينية بالمعنى التقليدي، وعلى الرغم أنني خضتُ في تسعينيات القرن الماضي تجربةً دراسية “محدودة” في إحدى حوزات السيدة زينب بدمشق، ضمن مرحلة المقدمات أو التمهيديات التي لم تتجاوز عامين ومن باب العلم بالشيئ ولا الجهل به . غير أن قِصر تلك التجربة لا يقلّل من أثرها المعرفي؛ إذ شكّلت، بالنسبة إليّ، نافذةً مبكرة على البنية الفكرية للحوزة، وأساليب اشتغالها في الجدل والاستدلال وإنتاج الرأي، بما أتاح لي الاقتراب من هذا العالم لا بوصفه فضاءً مغلقًا على رجاله، بل باعتباره ظاهرةً دينية ـ اجتماعية قابلة للقراءة والتحليل والنقاش.ومن هذا المنطلق، يبدو من المشروع تناولُ الأسئلة المرتبطة بمستقبل المرجعية الشيعية العليا بوصفها جزءًا من النقاش العام، بعيدًا عن الاصطفافات المسبقة أو الأحكام الجاهزة. فالمؤسسة الدينية في النجف، بما تمثله من ثقلٍ روحي وتاريخي وسياسي، تقف اليوم أمام تحولات عميقة قد تعيد تعريف مفاهيم الشرعية الدينية وآليات انتقال الزعامة المرجعية في مرحلة ما بعد السيد ” السيستاني ـ أطال الله في عمره ” ـ حيث لا تبدو المعادلات التقليدية بالضرورة قادرة وحدها على تفسير شكل المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، سوف نحاول قدر الامكان لهذا التحليل الاكاديمي مقاربة المشهد ” الديني ـ السياسي” للمرجعية النجفية من زاوية استشرافية، عبر التساؤل عمّن يمتلك قابلية البروز بوصفه مرجعًا أعلى في المستقبل ؟ وبمعنى آخر أكثر استدلال وضوحآ : فهل ستبقى المرجعية أسيرة الأعراف التاريخية التي حكمت حوزة النجف منذ عصر شيخ ” الطائفة الطوسي “، أم أن الحوزة النجف ستكون اليوم أمام تحوّل غير مسبوق يفتح الباب أمام نوعٍ من الامتداد العائلي الوراثي أو ما يعرف بـ “السلالة العائلية الدينية” في انتقال المرجعية؟ وهل يمكن أن يشهد الواقع الشيعي بروز أسماء جديدة من خارج التداول التقليدي للأسماء المطروحة اليوم، بما يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة السلطة الدينية وتوازناتها داخل حوزة النجف أو حتى حوزة قم ؟.

إنَّ أيَّ فكرةٍ تُطرح همسًا في الزوايا الضيقة، خلف الجدران السميكة والأبواب المغلقة للحوزات الدينية في النجف او غيرها ، سرعان ما تتحول مع مرور الزمن — شئنا أم أبينا — إلى مادةٍ خصبة للتأويل، ثم إلى سردياتٍ تتناسل منها نظريات المؤامرة. فالأفكار حين تُحاصر بالصمت وتُحجب عن فضاء النقاش العام، تكتسب هالةً غامضة تدفع الرأي العام إلى ملء الفراغ بالتخمين والريبة والشك وحتى التخوين ، لا بالمعرفة والتحليل الأكاديمي وبعيدا عن المواقف المسبقة , وهذا ما لمسناه شخصيا و بصورةٍ واضحة من خلال الرسائل المتبادلة والنقاشات الهادئة والبنّاءة مع عددٍ من طلاب حوزة النجف الأفاضل، عقب تعقبهم وردودهم على مقالنا المنشور سابقًا (1) . إذ بدا جليًا لنا أن كثيرًا من القضايا التي يجري تداولها داخل الأوساط الحوزوية تبقى أسيرة التداول الضيق، الأمر الذي يمنحها مع الوقت طابعًا ملتبسًا يتجاوز حقيقتها الفعلية. ومن هنا، فإننا نعتقد أن فتح هذه الملفات للنقاش العلني الرصين لا يهدف إلى الإثارة أو الاصطفاف مع شخص بحد ذاته دون غيره ، بل إلى تفكيك الغموض المحيط بها قبل أن تتحول إلى يقينيات متخيلة في الوعي الجمعي الشعبي. ولا سيما في هذا الظرف الحساس الذي يمرّ به العراق، بالتزامن مع التحولات الإقليمية العميقة وإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازن في الشرق الأوسط، حيث تصبح الأسئلة المتعلقة بمستقبل المرجعية الدينية النجفية جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي الأوسع، لا مجرد شأنٍ داخلي يخص الحوزة وحدها. فالنفس البشرية، بطبيعتها، تميل إلى إنتاج الروايات الموازية كلما غاب الوضوح، وتحويل الأفكار المحبوسة في الظل إلى فرضياتٍ كبرى تفسّر المجهول الخافي عن أعين الرأي العام. ولذلك، فإن النقاش المفتوح والعقلاني يظلّ أقل كلفةً على المجتمعات من ترك الأسئلة الكبرى رهينة الهمس واللمز والتكهنات والتأويل وحتى التخوين.

وحسب ما توافر لنا خلال الفترة الماضية , من نقاشاتٍ وحوارات مع عددٍ من طلاب الحوزة النجفية ممّن يمكن وصفهم بالتيار المنفتح أو المتنور داخل البيئة الحوزوية النجفية وهي مستمرة لغاية هذه اللحظة ، فإن اسم السيد “محمد رضا السيستاني” لا يُطرح بوصفه احتمالًا مستبعدًا في سياق الحديث عن مستقبل المرجعية الشيعية في النجف بعد رحيل والده علي السيستاني — أطال الله في عمره. بل إن الانطباع الذي يتكوّن لدى بعض من احتكّوا بدائرته العلمية أو تابعوا أسلوبه في إدارة النقاش وإلقاء الدرس، يوحي بأنه لا ينظر إلى مجرد تداول هذه الفكرة بوصفها أمرًا محرّمًا أو خارجًا عن حدود البحث، حتى وإن لم يصدر عنه أي تصريح علني مباشر بهذا الشأن. وربما لا تكمن أهمية المسألة في إثبات القبول أو النفي بقدر ما تكمن في طبيعة المناخ الفكري الذي تُدار فيه هذه الأسئلة داخل الحوزة النجفية . فثمة من يرى أن السيد ” محمد رضا ” يتعامل مع الأفكار الجدلية ـ ومنها فكرة تولّيه موقع المرجعية مستقبلًا ـ بوصفها قضايا قابلة للنقاش العلمي والتحليل، لا موضوعات ينبغي دفنها تحت وطأة الهمس والتلميح وكأن الاقتراب منها يمثّل خرقًا للمحرّمات التقليدية. ومن هنا، تبرز لنا إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المجال الحوزوي نفسه: فهل ينبغي أن تبقى الأسئلة المرتبطة بمستقبل المرجعية حكرًا على دوائر ضيقة تعتقد أنها وحدها تمتلك مفاتيح الفهم والقرار، أم أن من حقّ الفضاء الفكري والثقافي الأوسع أن يناقش هذه التحولات بهدوءٍ وثقة ومنهجية علمية؟ فالأفكار، مهما بدت صادمة أو مخالفة للمألوف والعرف التاريخي لحوزة النجف ، لا تُختبر بالعزل والإقصاء والتهميش ، بل بقدرتها على الصمود أمام النقد الفكري والتحليل البناء . بل إن بعض التصورات التي تبدو للوهلة الأولى خارجة عن العرف التقليدي، قد تكتسب قدرًا أعلى من العقلانية والمنطق متى ما أُخرجت من دائرة الهمس والانفعال إلى فضاء النقاش الأكاديمي الرصين، حيث تصبح المسألة أقرب إلى دراسة اكاديمية معرفية لتحولات السلطة الدينية وآليات إنتاج الشرعية داخل النجف، لا مجرد سجال شخصي أو عاطفي تحكمه الانطباعات والمواقف المسبقة.

ففي سوسيولوجيا الصمت، والهمس، واللمز، تتشكّل البيئة الأكثر خصوبة لنموّ سرديات الشكّ وتكاثر نظريات المؤامرة  . ولطالما كانت النجف الأشرف، ببيوتاتها القديمة وأزقتها الضيقة و صرامتها التقليدية، تُدير شؤونها الكبرى بعيدًا عن ضجيج الإعلام ومنصات النقاش العلني. ذلك “الغموض النبيل” الذي وفّر للحوزة العلمية على مدى قرون مساحةً من الهيبة والاستقلال،ولكننا اليوم نعيش زمن وأجواء مختلفة ومعكوسة لاننا يبدو لنا اليوم أمام اختبارٍ تاريخي غير مسبوق في عصر المعلومات التقنية المفتوحة والانكشاف الرقمي، حيث لم يعد ممكنًا إبقاء الأسئلة الكبرى حبيسة الجدران السميكة أو التداول النخبوي الضيق.

إن استمرار النقاشات المرتبطة بمستقبل المرجعية العليا، أو ما يُعرف ضمنيًا بـ«خلافة المرجع الأعلى»، داخل دوائر مغلقة، يحوّلها تدريجيًا من مسارٍ طبيعي لتطور مؤسسة دينية عريقة إلى مادةٍ خام لإنتاج التأويلات والشكوك والفرضيات المتضاربة. وفي بيئة مضطربة ومعقدة كالعراق، تتداخل فيها العوامل الدينية والسياسية والإقليمية، يصبح الفراغ المعلوماتي مجالًا مفتوحًا أمام الخيال الجمعي كي ينسج رواياته الخاصة، خصوصًا عندما تتعلق المسألة بموقع يمتلك هذا الثقل الرمزي والروحي داخل العالم الشيعي حول العالم .

ومن هنا، فإن طرح هذا الملف في إطارٍ أكاديمي وعلني لا ينبغي النظر إليه بوصفه استفزازًا للمؤسسة الدينية أو تجاوزًا على قدسيتها، بل باعتباره محاولةً لتفكيك الضبابية التي تسمح بتحول القضايا العامة إلى أساطير سياسية أو سرديات مؤامراتية. فالنقاش الرصين لا ينتقص من هيبة المرجعية، بل قد يساهم في إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع الحديث، القائم على تداول المعرفة والانفتاح وتعدد وجهات النظر. وفي هذا السياق، يبرز اسم لنا السيد “محمد رضا السيستاني” شئنا ام ابينا بوصفه أحد الأسماء التي تحيط بها تساؤلات المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب قربه من المرجع الأعلى السيد “السيستاني” بل أيضًا نتيجة حضوره داخل الدائرة العلمية والإدارية المحيطة بالمؤسسة المرجعية. وببساطةٍ شديدة، ودخولًا إلى صلب الموضوع، فإن ما نعتقده شخصيًا هو أن الضوء يبقى العدوّ الأول للمؤامرة؛ فالأفكار التي تبقى حبيسة الظلّ تكتسب مع الزمن هالةً من الغموض والرهبة، بينما تفقد كثيرًا من سطوتها بمجرد إخراجها إلى فضاء النقاش العلني. فعندما تُطرح أي فكرة على طاولة الحوار المفتوح، فإنها تخضع تلقائيًا لمنطق النقد والتحليل والتفنيد، وتتحول من “سرٍّ مقلق” أو “مشروعٍ خفي” إلى مجرد وجهة نظر قابلة للأخذ والرد.

ومن هنا، فإن مناقشة مستقبل المرجعية في النجف، أو احتمال بروز أسماء بعينها في مرحلة ما بعد سماحة السيد ” السيستاني” لا ينبغي أن تُفهم بوصفها محاولةً لصناعة وقائع أو فرض تصورات مسبقة، بل باعتبارها تمرينًا فكريًا مشروعًا لفهم التحولات المحتملة داخل واحدة من أعرق المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي. فالمؤسسات الكبرى لا تُضعفها الأسئلة، بل قد يمنحها النقاش العقلاني قدرًا أعلى من الوضوح والمناعة، لأن الغموض الطويل غالبًا ما يفتح الباب أمام التأويلات أكثر مما يحمي الحقائق ومنها على سبيل المثال وليس الحصر وقد تتجلّى هذه المعاني بصورةٍ أوضح من خلال جملةٍ من العوامل النفسية والاجتماعية التي تجعل البيئات المغلقة حاضنةً طبيعية لتكاثر الشكوك والسرديات المؤامراتية، ومن أبرزها:

أولًا: غياب الشفافية بوصفه مولّدًا للخيال الجمعي :
فعندما يُحجب النقاش عن المجال العام، يتكوّن فراغٌ معلوماتي سرعان ما تملؤه التأويلات الشخصية والتوقعات المتضاربة. فالعقل البشري بطبيعته لا يحتمل الفراغ طويلًا؛ وإذا لم يجد تفسيرًا معلنًا وواضحًا، يبدأ تلقائيًا في صناعة رواية تربط الأحداث والخيوط المبعثرة ببعضها، وغالبًا ما تكون هذه الرواية ذات طابع درامي أو تآمري.

ثانيًا: الارتباط النفسي بين السرية والريبة والشك :
إذ ترسّخ في الوعي الجمعي، عبر التجارب التاريخية والسياسية، أن ما يُعلن على الملأ يُنظر إليه بوصفه مشروعًا أو مشروعًا للعموم، بينما ما يُدار خلف الأبواب المغلقة يثير الشكوك حول دوافعه وغاياته. ومن هنا، فإن مجرد وجود “غرف مغلقة” أو نقاشات محصورة بالنخبة يمنح الانطباع بأن ثمة أمرًا يُدار بعيدًا عن أعين الآخرين، حتى وإن لم يكن الأمر كذلك بالضرورة.

ثالثًا: خطورة المعلومات المجتزأة والتسريبات :
فالأفكار التي تخرج من البيئات المغلقة لا تصل عادةً بصورتها الكاملة، بل تتسرّب على هيئة همسات أو روايات ناقصة أو إشارات مبهمة. وهذه الشذرات المجتزأة تتحول إلى المادة الخام المثالية لنموّ نظريات المؤامرة، لأنها تمنح كل متلقٍ مساحةً واسعة لإعادة تفسيرها وفق مخاوفه أو قناعاته أو موقفه المسبق.

رابعًا: تشكّل ثنائية “النخبة” و”العامة” :
النقاشات المغلقة تُنتج مع الوقت شعورًا بوجود فجوة بين من “يملكون القرار والمعرفة” داخل المؤسسة، وبين الجمهور الذي ينتظر النتائج من الخارج. وهذه الثنائية تولّد إحساسًا بالإقصاء لدى كثيرين، فيلجأ بعضهم إلى تبنّي السرديات التآمرية بوصفها محاولة لفهم ما يجري خلف الجدران، أو كآلية دفاع نفسي تجاه ما يشعرون أنه يُدار بعيدًا عنهم.

خامسًا: التحيّز التأكيدي وصدى الأفكار المغلقة :
فالأحاديث الهمسية تدور غالبًا داخل دوائر متشابهة في التفكير والانطباعات، ما يؤدي إلى خلق “غرفة صدى” تتكرر فيها القناعات ذاتها دون اختبار حقيقي أمام النقد الموضوعي. ومع الزمن، تتضخم الفكرة داخل هذا الوسط المغلق، وتفقد توازنها الواقعي، لتتحول من احتمال قابل للنقاش إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة أو الأسطورة السياسية.

ولهذا، فإن إخراج القضايا الحساسة من دائرة الهمس إلى فضاء النقاش العلني لا يعني بالضرورة تبنّيها أو التسليم بها والترويج لشخص معين ، بل قد يكون الوسيلة الأكثر عقلانية لتجريدها من هالتها الغامضة، وإعادتها إلى حجمها الطبيعي بوصفها أفكارًا قابلة للتحليل والنقد، لا أسرارًا عصيّة على الفهم.

 فإن الجدل الدائر حول اسم ” الابن” لا ينطلق فقط من كونه نجل المرجع الشيعي الأعلى ، بل يرتبط أيضًا بجملةٍ من المعطيات العلمية والإدارية التي جعلت حضوره داخل المؤسسة المرجعية أكثر وضوحًا وتأثيرًا خلال السنوات الماضية. فعلى المستوى العلمي، يُنظر إلى السيد “محمد رضا” داخل الأوساط الحوزوية بوصفه أحد الوجوه العلمية المتقدمة في النجف، حيث يدير أبحاثًا تخصصية في مرحلة “البحث الخارج”، ويتمتع بحضورٍ علمي معتبر بين طلبة العلوم الدينية، الأمر الذي يجعل اسمه حاضرًا ـ ولو ضمنيًا ـ في أي نقاش يتصل بمستقبل المرجعية العليا. وأما على المستوى الإداري والسياسي، فإن إشرافه المباشر على مكتب والده أكسبه خبرةً عميقة في إدارة الملفات الحساسة والمعقدة، سواء في ما يتعلق بعلاقة المرجعية بالدولة العراقية، أو بتوازناتها الإقليمية والدولية، أو بمنهج النجف التقليدي القائم على الحفاظ على استقلال المؤسسة الدينية عن مراكز النفوذ السياسي. ولذلك، يرى بعض هؤلاء الطلاب الافاضل , بأن جزءًا مهمًا من الاستراتيجية التي انتهجتها المرجعية العليا خلال العقود الأخيرة قد جرى صياغته أو إدارته ضمن الدائرة التي يشرف عليها السيد محمد رضا نفسه. ومع ذلك، فإن النقطة الأكثر حساسية في هذا الجدل تكمن في أن مدرسة النجف التقليدية، وكما يُفهم من منهج السيد “السيستاني”، تبدو شديدة التحفّظ تجاه أي تصور قد يُفسَّر بوصفه “توريثًا” للمرجعية، وذلك حفاظًا على هيبة المؤسسة الدينية وإبعادها عن أي شبهة عائلية أو سلالية . فالعرف الحوزوي التاريخي لحوزة النجف قام، نظريًا على الأقل، على معيار “الأعلمية” و ” الاجتهاد “والكفاءة العلمية، لا على الامتداد العائلي أو القرب الشخصي من المرجع السابق. ولهذا، غالبًا ما يُستشهد داخل الأوساط النجفية بحالة السيد “محمد تقي الخوئي”، نجل المرجع الراحل “أبو القاسم الخوئي”، والذي رغم مكانته العلمية واجتهاده وحضوره الوازن داخل الحوزة، لم يتصدَّ للمرجعية العليا بصورةٍ تُفهم على أنها امتداد وراثي عائلي مباشر، في محاولةٍ للحفاظ على التقاليد المستقرة للحوزة النجفية، والتي تقوم على أن المرجعية تُكتسب عبر الاعتراف العلمي والحضور الفقهي العام، لا عبر رابطة النسب أو الإرث العائلي. وفي سياق استشراف مرحلة ما بعد المرجع الأعلى الشيعي حاليآ ، تُطرح داخل بعض الدوائر البحثية والحوزوية جملة من السيناريوهات المحتملة، التي تحاول قراءة توازنات النجف المستقبلية بعيدًا عن اليقينيات المسبقة، و بالاعتماد على طبيعة البنية التقليدية للمرجعية وآليات تشكّلها التاريخية ومنها :

أولًا: سيناريو “التوزّع المرحلي للمرجعية” :
يرى هذا التصور أن المرحلة الأولى بعد غياب المرجع الأعلى قد لا تشهد انتقالًا سلسًا إلى مرجع واحد متفرد بالزعامة، بل قد تمرّ بمرحلة انتقالية تتوزع فيها المرجعية بين عدد من كبار الفقهاء الموجودين في النجف، مثل السيد إسحاق الفياض والسيد بشير النجفي، حيث يستمر نموذج “تعدد المرجعيات” مؤقتًا إلى حين بروز شخصية تحظى بإجماع أوسع داخل الحوزة والشارع الشيعي وهذا السيناريو يستند إلى سوابق تاريخية في الحوزة النجفية، حيث لم يكن الانتقال دائمًا لحظيًا أو مركزيًا، بل مرّ في أكثر من محطة بنوع من التعدد أو التوازن بين أكثر من مرجع.

ثانيًا: سيناريو “الدعم غير المباشر لمرجعية تقليدية”:
وهناك طرح آخر، أكثر حذرًا، يشير إلى إمكانية أن تتجه الدائرة القريبة من المرجعية الحالية إلى دعم استقرار المؤسسة عبر تعزيز موقع أحد الفقهاء الكبار المعروفين داخل الحوزة، مثل السيد محمد باقر الأيرواني أو السيد حسن الجواهري، بما يضمن استمرار خطّ الاستقرار المؤسسي وتفادي أي فراغ حاد في مركز الثقل الديني، دون أن يكون هناك تصدٍّ مباشر أو مبكر من قبل شخصيات من الدائرة القريبة من المرجع الحالي. وفي هذا الإطار، تُطرح أحيانًا فكرة أن بعض الأدوار الإدارية أو العلمية داخل مؤسسة المرجعية قد تُسهم في ترجيح كفة الاستمرارية المؤسساتية أكثر من الذهاب نحو انتقال مفاجئ أو غير متدرج.

ثالثًا: سيناريو البروز التدريجي لشخصية جامعة :
إلى جانب ذلك، يبقى السيناريو التقليدي الأكثر حضورًا في الأدبيات الحوزوية، وهو بروز شخصية جديدة تحظى تدريجيًا بالقبول العلمي والفقهي، وتنجح في بناء حالة من “الالتفاف المرجعي” حولها، بما يعيد إنتاج نموذج المرجعية الواحدة أو شبه الجامعة، وفق معايير الأعلمية والقبول العام داخل الحوزة، بعيدًا عن الحسابات الإدارية أو العائلية أو المرحلية.

وفي جميع هذه السيناريوهات، يبقى لنا العامل الحاسم هو طبيعة التوازن الدقيق داخل الحوزة النجفية بين الشرعية العلمية (الأعلمية)، والقبول الحوزوي العام، واستمرارية المؤسسة، وهي عناصر غالبًا ما تتداخل أكثر مما تنفصل في لحظات الانتقال الكبرى , لان مرجعية النجف تاريخيًا لا تعمل بمنطق “الاستقلال المطلق “ولا حتى  “التبعية السياسية”، بل بمنطق أدق يمكن وصفه بـ إدارة المسافة. أي أنها تتفاعل مع الواقع السياسي لكنها تحاول إبقاء شرعيتها داخل معيارها الداخلي (الأعلمية، والاجتهاد ,القبول الحوزوي، الامتداد العلمي)، ولا ضمن توازنات الخارج . لذلك، من الصعب القول إن الاستقلال السياسي سيكون “العامل الحاسم” في اختيار المرجع القادم، لكنه سيكون عاملًا مُرجِّحًا ضمن شبكة عوامل تشمل معها : الوزن العلمي، القبول الحوزوي، والقدرة على إدارة موقع المرجعية .  

 ولذا فأن عدم وجود رسالة عملية منشورة للسيد “محمد رضا ” لا يعني بالضرورة عدم أهلية أو عدم نية التصدي، بل يعني ببساطة أن الشخص لم يدخل بعد طور الإعلان العام للمرجعية. وكثير من الفقهاء الكبار تاريخيًا تأخروا في نشر رسائلهم أو لم يكونوا في واجهة “التقليد العام” إلا بعد حصول انتقال فعلي في موقع المرجعية والسيناريو الذي يفترض أن “الشارع مع الوكلاء والقوى السياسة” يمكن أن ينتجوا مرجعًا خارج مسار أهل الخبرة والعلم ، وما نعتقده نحن بانه يصطدم بجدارين تاريخيين متمثل:

  1. جدار الحوزة العلمي (الأعلمية والاجتهاد والاعتراف الفقهي)
  2. جدار البنية التقليدية للنجف التي قاومت دائمًا تحويل المرجعية إلى منصب وراثي أو سياسي ؟

ولهذا، فإن بعض التوجهات اليوم والتي يطرحها بعض رجال الدين الشيوخ “الوكلاء” ليست فقط من “حب الناس” بحد ذاته، بل من تحويل معيار الشرعية من علمي تدريجي إلى تعبوي شعبي لحظي، لأن ذلك يغيّر طبيعة المؤسسة نفسها، لا مجرد اسم المرجع القادم. و القوى بأن هناك من “القوى السياسية” قد تدعم خيارًا شعبيًا لضمان مصالحها، فهو ممكن كفرضية سياسية عامة، ولكنه في الوقت نفسه لا يغير حقيقة أن المرجعية في النجف لم تُحسم تاريخيًا بتوازنات السلطة، بل بوزنها داخل الحقل العلمي الحوزوي أولًا، ثم بقبولها الاجتماعي لاحقًا . صحيح أنه يمكن للشارع أن يرفع رمزية شخصية معينة دون غيره من المراجع، ويمكن للسياسة أن تحاول التأثير، ولكن داخل منطق حوزة النجف التقليدي، لا يتحول أي من ذلك إلى “مرجعية شيعية عليا” ما لم يمر عبر بوابة الأعلمية والاجتهاد والاعتراف الحوزوي الواسع، وهذا ما يجعل سيناريو “الشرعية الشعبية” مقابل “شرعية الحوزة” أقرب منه إلى صراع سرديات يتبناه بعض رجال الدين الوكلاء ، لا إلى آلية حقيقية لانتقال المرجعية. لان في البنية التقليدية للحوزة في النجف، وكما نراها قد تجسدت تاريخيًا عند المرجع السيد “السيستاني” فلم تكن في حينها توجد آلية “تفويض شعبي” أو “بيعة جماهيرية” نتجت مرجعًا أعلى. لان المرجعية لا تُصنّع عبر الشارع، بل تتكوّن عبر اعتراف تدريجي داخل طبقة “أهل الخبرة والعلم ” من المجتهدين، ثم يتوسع هذا الاعتراف ليصبح تقليدًا عامًا. أي أن المصدر النهائي للشرعية الفقهية يبقى داخليًا (حوزويًا)، لا جماهيريًا. وأما ما يسميه بعض ” الوكلاء” بـ“شرعية الشارع” فهي في الواقع في التجربة النجفية الحديثة لا تُنتج مرجعًا، بل تمنحه وزنًا اجتماعيًا إضافيًا بعد تشكّله أصلًا داخل الحوزة. 

 واليوم نحن نرى بأن “أنسنة المرجعية وتجديد الخطاب الديني لأنها نعتبرها نقطة اصبحت أكثر واقعية وحتمية وبالفعل اليوم المرجعية في النجف تواجه تحديًا متصاعدًا يتعلق بـ التحولات الثقافية لدى الجيل الشاب والفضاء الرقمي المفتوح وتراجع احتكار المعرفة الدينية التقليدية ؟ ولكن من المهم التمييز بين:

  • تجديد الخطاب الديني (وهو ممكن وحدث تاريخيًا بأشكال مختلفة)
  • وبين تحويل آلية إنتاج المرجعية نفسها إلى نموذج إعلامي مفتوح (وهذا يتعارض مع بنية الحوزة التقليدية)

والمرجع قد يصبح مع هذا التطور في فكر الجيل الشاب , كفاعل ثقافي وفكري لا مجرد فقهي تقليدي فقط , وهذه الفكرة قابلة للنقاش أكاديميًا، لأن المرجعية تاريخيًا لم تكن فقط فقهية بمعنى ضيق، بل لعبت أدوارًا اجتماعية وسياسية وأخلاقية ولكن توسيعها إلى “مواجهة الإلحاد الرقمي والحداثة السائلة” يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلة لا تُحلّ فقط بالخطاب، بل تتعلق ببنية التعليم الديني نفسه وطريقة إنتاج المعرفة داخل الحوزة النجف. وفي المحصلة، يمكن النظر إلى هذا النوع من النقاش بوصفه محاولة للاقتراب من منطقة شديدة الحساسية في الاجتماع الديني والسياسي العراقي، حيث تتداخل المرجعية بوصفها مؤسسة علمية عريقة مع كونها فاعلًا رمزيًا مؤثرًا في المجال العام. غير أن القيمة الأهم في مثل هذه الحوارات لا تكمن في الوصول إلى نتائج نهائية أو حسم السيناريوهات المستقبلية، بل في فتح مساحة تفكير عقلاني تُنزع عنها قداسة الغموض وسلطة التأويل غير المنضبط.

إن مستقبل المرجعية في النجف، بما يحمله من أسئلة تتعلق بالاستمرارية، والتحول، وإعادة إنتاج الشرعية الدينية، لا ينبغي أن يبقى حكرًا على دوائر ضيقة، ولا أن يُترك في الوقت ذاته لفراغات تفسيرية تغذي السرديات المتخيلة ونظريات المؤامرة. بل إن الاقتراب الأكاديمي منه يقتضي إدخاله في دائرة التحليل العلمي الهادئ، حيث تتجاوز أدوات علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الدينية، مع خبرة الحوزة نفسها، في حوار معرفي متعدد المرجعيات والأفكار والرؤى , ومن هنا، فإن مسؤولية هذا النقاش لا تقع على رجال الدين وحدهم، كما لا يمكن اختزالها في الخطاب الإعلامي أو الانطباعات الشعبية، بل تتطلب انخراط النخب الأكاديمية والثقافية التي تمتلك أدوات التفكيك والتحليل، القادرة على قراءة البنى العميقة دون الوقوع في فخ التبسيط أو الاستقطاب. فكلما اتسعت دائرة الحوار، تقلصت مساحة الغموض، وانحسر المجال أمام القراءات المؤامراتية التي تنشأ غالبًا في فراغ المعرفة لا في وفرة المعلومات.

إن “أنسنة” النقاش حول المرجعية لا تعني تقليل هيبتها أو الانتقاص من قدسيتها، بل تعني إعادة وضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي بوصفها مؤسسة بشرية ذات تطور مستمر، تستمد قوتها من قدرتها على التفاعل مع التحولات لا الانغلاق دونها. وفي هذا الإطار، يصبح الضوء—أي المعرفة العلنية والنقاش المفتوح—ليس تهديدًا للمؤسسة، بل شرطًا من شروط حمايتها من التشظي التأويلي وسوء الفهم.

وبذلك، فإن الخاتمة الطبيعية لهذا المسار الفكري ليست في ترجيح اسمٍ أو سيناريو بعينه، بل في ترسيخ فكرة أن مستقبل المرجعية، بما يحمله من تعقيد، يجب أن يُفهم ويُناقش ضمن فضاء معرفي مشترك، يوازن بين احترام البنية الحوزوية التقليدية وبين متطلبات العصر الحديث، بما يضمن أن تبقى هذه المؤسسة فاعلة ومؤثرة، وفي الوقت ذاته مفهومة ومتصلة بالواقع الذي تخاطبه وأن النجف قد تكون، للمرة الأولى منذ قرون، أمام اختبارٍ يعيد تعريف العلاقة بين “الأعلمية والاجتهاد”” و فكرة ” توريث السلالة الدينية” وضمن واقعٍ مختلف كليًا عن المراحل السابقة؟ومن هذا المنطلق، فإن إعادة طرح مسألة مستقبل المرجعية في النجف، بما في ذلك ما يُتداول من احتمالات تتعلق بالامتداد أو التوريث أو إعادة تشكل مركز الثقل داخل المؤسسة، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه خروجًا على التقاليد الحوزوية، بل كمحاولة لفهم دينامياتها من الداخل والخارج معًا، وبما ينسجم مع التحولات الفكرية والإعلامية التي يشهدها العالم اليوم.

وفي الختام، نتمنى أن نكون قد حاولنا قدر الإمكان، وبما تسمح به معرفتنا وحدود أدواتنا التحليلية، الإضاءة على هذا الموضوع وطرحه في فضاءٍ أوسع للنقاش، بحيث لا يبقى محصورًا داخل دوائر ضيقة أو تداولات غير مكتملة، بل يُعرض على أصحاب الرأي والاختصاص في المجالين الديني والأكاديمي على حد سواء.

فالغاية ليست ترسيخ تصورٍ بعينه، ولا الدفع باتجاه نتيجة مسبقة لشخص بعينه ، بقدر ما هي الإسهام في نقل النقاش من منطقة “الهمس المغلق” إلى فضاء ” التحليل المفتوح”، حيث تخضع الأفكار لمعايير النقد العلمي، وتُفكك ضمن أدوات معرفية واضحة، بدل أن تتحول مع مرور الوقت إلى سرديات ملتبسة أو تأويلات مؤامراتية تنشأ عادةً في فراغ المعرفة لا في وفرتها. وإن مجرد كون الفكرة قد طُرحت وتداولها بعض طلاب الحوزة أو المهتمين بالشأن الديني يعني أنها أصبحت جزءًا من المجال التداولي للفكر، لا يمكن تجاهله، وإنما يستدعي تفكيكًا هادئًا ومسؤولًا. ومن هنا تأتي لنا أهمية “القول العلني” بوصفه أداةً للحد من الغموض، لا وسيلةً لإثارة الجدل، لأن الفكرة حين تُقال وتُناقش تفقد قابليتها للتحول إلى أسطورة، وتستعيد مكانها الطبيعي كموضوع قابل للأخذ والرد. وبذلك، فإن هذا الطرح لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يسعى إلى فتح بابٍ لها، في أفقٍ معرفي أوسع يشارك فيه “الفقيه والمجتهد” كما يشارك فيه “الباحث”، ويُسهم فيه “الأكاديمي” وكما يشارك فيه المهتم بالشأن العام، وصولًا إلى فهمٍ أكثر توازنًا لمستقبل مؤسسةٍ دينيةٍ محورية، بعيدًا عن التبسيط أو التهويل أو الانغلاق خلف الجدران ولان تاريخيًا، يفتح غياب أي مرجع ديني كبير في النجف مساحةً طبيعية لإعادة طرح سؤال مستقبل المرجعية وآليات انتقالها، وهو ما يتكرر في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الحوزة . غير أن هذا النقاش يبقى محكومًا بحساسية عالية داخل البنية النجفية، نظرًا لارتباط شرعية المرجعية بمبدأ “الأعلمية” بوصفه معيارًا تأسيسيًا في تحديد موقع المرجع الأعلى، أكثر من أي اعتبار آخر اجتماعي أو سياسي أو عائلي. ولذلك، فإن أي تصور يُفهم على أنه خروج عن هذا المبدأ، أو محاولة لاستبداله بمنطق الامتداد غير العلمي، يواجه عادةً قدرًا كبيرًا من التحفظ داخل الوسط الحوزوي، باعتبار أن ذلك قد يمسّ البنية المعرفية التي قامت عليها المرجعية تاريخيًا، لا مجرد تفاصيلها الإدارية أو التنظيمية. 

ويبقى لنا ان “ننوه” للراي العام والقارئ الكريم بان الهدف من هذا الطرح هو الإسهام في النقاش العام بما يخدم الصالح العام، ومن دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وترك المساحة مفتوحة أمام المختصين وأهل الشأن لمواصلة هذا البحث ضمن أطره الأكاديمية والمعرفية.

ولا يسعني في الختام إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير للنقاش البنّاء الذي دار مع عددٍ من طلاب الحوزة المتنورين، رغم معرفتهم المسبقة بتوجهاتي الفكرية والسياسية، وبالأخص موقفي النقدي من العملية السياسية برمتها بعد عام 2003  وإن ما طُرح من أفكار وتصورات من قبلنا في هذا السياق لا ينبغي أن يبقى حبيس الجدران أو التداول المغلق، بل يستحق أن يُنقل إلى فضاء النقاش العلني الرصين، بما يتيح له أن يُفهم ويُناقش ضمن إطار أكاديمي ومعرفي مفتوح . وأؤكد هنا شخصيآ بأن هذا الطرح أعلاه لا يُقصد به الترويج لأي خيار بعينه او شخص بحد ذاته دون غيره ، بقدر ما هو دعوة إلى توسيع دائرة النقاش، وإخراج الأفكار من نطاق الهمس إلى مجال البحث العلمي المسؤول، بما يخدم الصالح العام ويمنع تحولها إلى تأويلات مغلقة أو قراءات غير دقيقة قد يحاول البعض تبنيها أو الترويج لها لان وفي هذا السياق، فإن المقارنة مع نماذج أخرى في العالم الإسلامي، بما في ذلك التجربة الإيرانية التي حدثت مؤخرآ وبعد عملية أغتيال المرشد وولي الفقيه السيد ” الخامنئي” ، وانتقاله إلى الابن  السيد “مجتبى ” ويمكن تطبيقه في العراق ؟ ولكن يجب أن تُفهم ضمن اختلاف البنية المؤسسية والشرعية بين النظامين، إذ تختلف طبيعة “المرجعية الدينية التقليدية” في النجف عن “الموقع السياسي–الدستوري” في الجمهورية الإيرانية، من حيث آليات الاختيار ومصادر الشرعية وحدود الوظيفة وبذلك، يصبح من الضروري التذكير بان التعامل مع هذه الطروحات بوصفها مواد تحليلية مفتوحة للنقاش الأكاديمي، لا كمعطيات نهائية أو سيناريوهات مؤكدة، وذلك لتفادي الانزلاق نحو التبسيط أو إعادة إنتاج قراءات غير دقيقة لطبيعة الحوزة النجفية وآليات اشتغالها التاريخية.