اراء حرة /صحراء النجف والانبار وعواصفها العسكرية والسياسية بين اطرافالصراع الدولي والاقليمي

عماد ياسين الزهيري

١. تُعدّ المناطق الصحراوية والجبلية والفارغة من السكان من أكثر البيئات تعقيداً في العمل العسكري والأمني لأنها تمنح الجماعات المعادية سواء كانت قوات خارجية أو تنظيمات إرهابية أو جماعات متمردة مساحة واسعة للمناورة والتخفي وإقامة خطوط إمداد ومخابئ بعيدة عن الرقابة المباشرة وفي العراق تشكل الصحراء الغربية وصحراء النجف، والمناطق الصحراوية على حدود سوريا والاردن والسعودية ، تحدياً دائماً للدولة بسبب اتساع المساحة وقلة الكثافة السكانية وصعوبة السيطرة المستمرة عليها بالقوات التقليدية وحدها إن السيطرة الناجحة على هذه المناطق لا تعتمد على الانتشار العددي الكبير فقط، بل تقوم على مبدأ ((السيطرة الذكية قليلة الكلفة عالية الفاعلية))عبر الدمج بين الجهد الاستخباري والتحرك التعبوي المرن واستخدام وسائل الرصد الحديثة وتنسيق العمل بين الجيش وقطعات الحدود والأجهزة الأمنية المختلفة.

٢. تكتسب صحراء الأنبار والنجف أهمية استثنائية في أي صراع إقليمي واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لأنها تمثل (فراغاً عملياتياً)واسعاً يسمح بالحركة والمراقبة والتموضع والمناورة بعيداً عن الكثافة السكانية والرقابة المدنية المباشرة. ولهذا أصبحت هذه المناطق محور اهتمام استخباري وعسكري متزايد خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً مع الحرب الجارية والتصعيد الإقليمي الحالي ويمكن اجمال تأثيرها كما يأتي .

أ. القيمة الاستراتيجية .تقع صحراء الأنبار في قلب الممر البري الرابط بين العراق وسوريا والأردن والسعودية، وتمثل عملياً عقدة اتصال جغرافية بين المشرق والخليج وبلاد الشام. أما صحراء النجف فتمنح عمقاً عملياتياً قريباً من وسط العراق، وتوفر مساحات واسعة لإنشاء قواعد مؤقتة أو ممرات جوية وبرية غير ظاهرة بسهولة واستراتيجياً تمتلك هذه الصحارى عدة مزايا كثيرة أهمها .

اولا. مساحات شاسعة قليلة السكان.

ثانيا. صعوبة السيطرة الكاملة عليها بالقوات التقليدية.

ثالثا. إمكانية إنشاء مواقع مؤقتة للرصد أو الإسناد.

رابعا .قرب نسبي من الحدود السورية وخطوط الإمداد الإيرانية.

خامسا.سهولة استخدام الطيران والمسيّرات فيها بسبب انفتاح الأرض.

ولهذا تُعد الأنبار تحديداً منطقة حاسمة في الصراع على (الممر البري الإيراني)الممتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. وقد أشارت تقارير مراكز أبحاث غربية إلى أن السيطرة على غرب العراق تعني عملياً القدرة على مراقبة أو تعطيل هذا الممر الحيوي. 

ب. الأهمية الاستخبارية. استخبارياً تمنح صحراء الأنبار والنجف ميزات كبيرة لأي طرف يمتلك تفوقاً تقنياً وجوياً فالأرض المفتوحة تسمح بمراقبة التحركات لمسافات بعيدة، وتسهّل استخدام ما يلي .

اولا. الطائرات المسيّرة بعيدة المدى.

ثانيا. الرادارات الأرضية.

ثالثا. الاستطلاع الإلكتروني.

رابعا. فرق الاستطلاع الخاصة.

خامسا. محطات التنصت والرصد.

ج. الأهمية التعبوية والعسكرية .تعبوياً تمنح صحراء الأنبار والنجف أفضلية كبيرة للقوات ذات التفوق الجوي والتقني، لأنها تسمح بالمناورة السريعة والانتشار الواسع دون عوائق حضرية وفي العقيدة العسكرية الأمريكية، تُعد الصحارى المفتوحة بيئة مثالية (العمليات الخاصة ،الضربات الجوية الدقيقة ،حرب المطاردة ،الإسناد الجوي القريب، المناورة المدرعة السريعة)ولهذا استخدمت الولايات المتحدة هذه المناطق سابقاً في (حرب الخليج 1991، غزو العراق 2003،الحرب ضد تنظيم داعش)حتى الخبراء العسكريون الذين تحدثوا لوسائل إعلام غربية أشاروا إلى أن الصحراء الغربية العراقية مثالية لإنشاء مواقع عمليات مؤقتة” بسبب اتساعها وقلة سكانها. 

وفي المقابل، استفاد تنظيم داعش سابقاً من نفس البيئة الصحراوية لبناء خطوط حركة ومخابئ وممرات بين الأنبار وحمرين والحدود السورية. وقد أكدت دراسات عسكرية أمريكية أن التنظيم اعتمد على (المناورة عبر الصحارى الواسعة)للحفاظ على مرونته العملياتية وهذا يعني أن من يسيطر استخبارياً وجوياً على الصحراء يمتلك قدرة عالية على (قطع الإمدادات ،رصد التحركات ، تنفيذ الكمائن الجوية ،حرمان الخصم من العمق والمناورة.

د.التقارير الحديثة كشفت أن القوات الإسرائيلية استخدمت بالفعل مناطق صحراوية عراقية كنقاط دعم سرية خلال الحرب مع إيران. فقد نشرت صحيفة The Wall Street Journal تقريراً يفيد بإنشاء قاعدة سرية في الصحراء العراقية لدعم العمليات الجوية ضد إيران، تضم قوات خاصة وفرق إنقاذ وإسناد جوي مع معرفة مسبقة من الولايات المتحدة كما أكدت تقارير أخرى أن منطقة النجف الصحراوية استُخدمت كموقع لقاعدة مؤقتة قرب مدرج قديم للطائرات خلال العمليات الجوية وهذا يكشف أن الصحراء العراقية ليست مجرد فراغ جغرافي بل أصبحت بيئة مناسبة ل

((تمركز وحدات خاصة، إخفاء قواعد مؤقتة.

،تشغيل طائرات ومسيّرات ،تنفيذ عمليات إنقاذ وإخلاء ، مراقبة التحركات الإيرانية أو الفصائل المسلحة)  ومن الناحية المقابلة، ترى إيران أن هذه المناطق تمثل تهديداً مباشراً لأنها قد تتحول إلى منصات مراقبة أو انطلاق لعمليات تستهدف عمقها أو خطوط إمداد حلفائها

٣. لماذا تشكل الأنبار أهمية خاصة.

الأنبار تحديداً تُعد أخطر منطقة في الحسابات الاستراتيجية لعدة أسباب.

أ. قربها من سوريا والأردن مع اسباب خاصة .

اولا. وجود طرق صحراوية طويلة يصعب ضبطها بالكامل.

ثانيا. إمكانية استخدامها ممراً لوجستياً أو استخبارياً.

ثالثا. وجود قواعد عسكرية عراقية وأمريكية سابقة فيها.

رابعا. إمكانية استخدامها كنقطة فصل أو قطع للممر الإيراني السوري اللبناني البري.

ب. كانت الأنبار تاريخياً ساحة صراع بين القوات الأمريكية خلال العشرون سنة المنصرمة مع (تنظيم داعش ، الفصائل المسلحة ، شبكات التهريب ، تواجد أجهزة الاستخبارات الإقليمية)وتشير تقارير أمنية إلى أن أي تصعيد إقليمي كبير سيدفع الأطراف المختلفة لمحاولة السيطرة الاستخبارية على غرب العراق أولاً، لأنه يمثل (بوابة الحركة)بين إيران وسوريا والبحر المتوسط. 

٤. الخلاصة الاستراتيجية. يمكن القول إن صحراء الأنبار والنجف أصبحتا في الحرب الحالية.

أ. منصة مراقبة متقدمة.

ب. عمقاً عملياتياً للقوات الخاصة.

ج.ممراً محتملاً للإمداد والتحرك.

د. ساحة تنافس استخباري إقليمي ودولي.

هـ. منطقة حاسمة في معركة السيطرة على الممرات البرية بين إيران وبلاد الشام.

وفي الحروب الحديثة، لم تعد قيمة الأرض تُقاس فقط بالسكان أو الموارد، بل بقدرتها على منح(حرية الحركة ، وإخفاء القوات والسيطرة على الممرات والتفوق الاستخباري) ولهذا فإن من يفرض سيطرته الجوية والاستخبارية على صحارى العراق الغربية يمتلك أفضلية استراتيجية كبيرة في أي مواجهة طويلة الأمد .

٥. ماهو الدور المتوقع لقطعات الجيش والحدود للتعامل مع هذه الصحراء استخباريا
    وتعبويا .

أ. يكمن دور قطعات الجيش استخباريا وتعبوياً

في منع العدو من تحويل المناطق النائية إلى قواعد ارتكاز أو ممرات آمنة ويتحقق ذلك عبر إنشاء أحزمة أمنية متدرجة تعتمد على قواعد عمليات صغيرة ومتحركة بدلاً من المعسكرات الكبيرة المكلفة فالقواعد الصغيرة تمنح سرعة استجابة أعلى وتقلل من احتمالية الاستهداف، وتسمح بتغطية مساحات أوسع و استخبارياً يجب أن يعتمد الجيش على بناء شبكة معلومات ميدانية تضم المخاتير والرعاة وسائقي الطرق والصيادين وسكان القرى القريبة، لأن الإنسان يبقى أهم مصدر للمعلومة في البيئات المفتوحة. كما ينبغي تكثيف عمليات الاستطلاع البري والجوي، وتحليل أنماط الحركة المشبوهة، ومراقبة مصادر المياه والطرق الصحراوية والمسالك الجبلية التي غالباً ما تستخدمها الجماعات المسلحة أما تعبوياً، فإن أفضل أسلوب هو اعتماد قوات خفيفة الحركة مدربة على حرب الصحراء والجبال، تمتلك قدرة على المناورة السريعة والقتال الليلي والعمل المستقل لفترات طويلة. ويُفضّل استخدام الكمائن المتحركة والدوريات غير المنتظمة زمنياً، لأن الروتين يمنح العدو فرصة لدراسة تحركات القوات واستغلال الثغرات كما أن تنفيذ عمليات إنزال جوي محدودة أو تطويق سريع لمناطق الاشتباه أثبت فعاليته في حرمان الجماعات الإرهابية من حرية الحركة، خاصة عندما يكون مدعوماً بمعلومات استخبارية دقيقة وسرعة في التنفيذ.

ب.دور قطعات الحدود استخبارياً وتعبوياً

تمثل قوات الحدود خط الدفاع الأول ضد تسلل العناصر المعادية وتهريب الأسلحة والمعدات. وفي العراق، حيث تمتد الحدود لمسافات طويلة مع تضاريس متنوعة، فإن نجاح قوات الحدود يعتمد على الجمع بين التحصين الميداني والمرونة الاستخبارية كما ينبغي إنشاء منظومة مراقبة حدودية تعتمد على نقاط مراقبة ثابتة مدعومة بدوريات متحركة، مع التركيز على الممرات التقليدية المعروفة للتهريب والتسلل. كما أن الربط المباشر بين قطعات الحدود والقيادات العسكرية والاستخبارية يختصر زمن الاستجابة ويمنع ضياع المعلومات واستخبارياً، يجب اختراق شبكات التهريب والتعاون مع العشائر الحدودية لكشف التحركات غير الطبيعية. فغالباً ما تعتمد الجماعات المسلحة على مهربين أو أدلاء محليين، وبالتالي فإن ضرب هذه الشبكات يعطل جزءاً مهماً من قدرة العدو على الحركة.

أما تعبوياً فمن المهم اعتماد مبدأ (المطاردة العميقة)أي عدم الاكتفاء بمنع التسلل عند الشريط الحدودي فقط، بل ملاحقة العناصر المتسللة داخل العمق الصحراوي أو الجبلي قبل أن تتمكن من إعادة التنظيم أو الاختفاء.

ج.،وسائل المراقبة والرصد الحديثة.

لقد غيّرت التكنولوجيا الحديثة طبيعة السيطرة على المناطق الواسعة، وأصبح بالإمكان تقليل الكلفة البشرية عبر استخدام وسائل الرصد الذكية. ومن أهم هذه الوسائل الطائرات المسيّرة، والكاميرات الحرارية، والرادارات الأرضية، وأجهزة الاستشعار المخفية.

كما ان الطائرات المسيّرة تمنح قدرة مراقبة مستمرة للمناطق النائية، وتساعد في كشف التحركات الليلية ورصد العجلات والأفراد في الصحراء والجبال. كما أن الكاميرات الحرارية قادرة على اكتشاف الأجسام البشرية حتى في الظروف الجوية الصعبة أما الرادارات الأرضية وأجهزة الاستشعار، فتُستخدم لرصد الاهتزازات أو الحركة في المسالك المهمة، وترسل إنذاراً فورياً إلى مراكز القيادة ويمكن نشر هذه الوسائل في المناطق ذات الخطورة العالية لتقليل الحاجة إلى الانتشار البشري الكثيف.

ومن الضروري أيضاً إنشاء مركز قيادة وسيطرة موحد يربط الجيش وقطعات الحدود والأجهزة الاستخبارية، بحيث يتم تحليل المعلومات فورياً واتخاذ القرار بسرعة، لأن التأخير يمنح الجماعات المعادية فرصة للهروب أو إعادة التموضع.

٦. للاستفادة من التجارب الناجحة

أثبتت عدة تجارب إقليمية ودولية أن السيطرة على المناطق الوعرة لا تتحقق بالقوة العسكرية فقط بل عبر الدمج بين الأمن والتنمية ففي بعض الدول أدى إنشاء طرق ومراكز خدمية ومشاريع صغيرة في المناطق النائية إلى تقليل قدرة الجماعات المسلحة على إيجاد حواضن أو بيئات مناسبة للاختباء كما أن التجارب الحديثة في مكافحة الإرهاب أظهرت أن الضربات الدقيقة المبنية على معلومات استخبارية أفضل بكثير من العمليات الواسعة المكلفة مادياً وبشرياً. فالعدو غير النظامي يعتمد على الحركة والتخفي، ولذلك فإن استنزافه بالمراقبة المستمرة والضغط المتواصل أكثر فاعلية من احتلال الأرض بعدد ضخم من القوات.

وفي العراق، يمكن اعتماد مبدأ (السيطرة بالنار والمعلومة والحركة)أي الجمع بين المراقبة المستمرة، والضربات السريعة، والانتشار المرن، مع منع العدو من بناء ملاذات آمنة أو خطوط إمداد مستقرة.

٧. ختاماً. فإن حماية المناطق الصحراوية والجبلية والفارغة من السكان تتطلب عقيدة أمنية وعسكرية مرنة تعتمد على الذكاء الاستخباري أكثر من الاعتماد على الحشود التقليدية. فالمعادلة الناجحة في العراق تقوم على التنسيق بين الجيش وقطعات الحدود، والاستفادة القصوى من التكنولوجيا الحديثة، وبناء شبكة معلومات محلية فعالة، مع تقليل الكلفة والجهد عبر الانتشار الذكي والقوات المتحركة. وعندما تُحرم الجماعات المعادية من حرية الحركة والاختباء والإمداد، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير والتهديد، مهما كانت طبيعة الأرض التي تتحصن به واعتقد ان عملية صناعة القرار بردود الفعل هي علة مستوطنة في طريقة تفكرينا ولتجاوزها يتطلب الكثير من التخطيط المبني على التنبوء العلمي لاستشراف المستقبل مع مزج المعلومات الاستخبارية  والحقائق بخبرة ميدانية في مجال القيادة التعبوية والعملياتية لتقديم مشورة لصناع القرار على المستوى الاستراتيجي وقد تكون الحركة التي نفذتها القوات الامريكية والاسرائيلية في صحراء النجف والانبار درس قاسي لنا لنتعلم منها ما يحفظ كرامتنا وسيادتنا وتجاوز طريقة التفكير التقليدية والاستعانة بوسائل وادوات اكثر حداثة ونفع في مثل هكذا تحديات ومعاضل تواجهنا بشكل مستمر في ملفنا العسكري والامني

         وحفظ الله العراق وشعبه وجيشه ووحدته

الفريق قوات خاصة الركن الدكتورعماد ياسين سيد سلمان الزهيري12 / 5 / 2025