الدكتور تميم
من أكثر الأخطاء التاريخية شيوعا في قراءة تاريخ العراق الحديث هو تحميل النظام الملكي العراقي مسؤولية تأسيس الإقطاع وكأن العراق قبل عام 1921 كان مجتمعا مثاليا بلا سلطة عشائرية أو تملك واسع للأراضي والحقيقة التاريخية الموثقة تقول إن جذور الإقطاع في العراق تعود إلى العهد العثماني لا إلى الدولة العراقية الحديثة ولا إلى الملك فيصل الأول
فالدولة العثمانية وخصوصا في أواخر القرن التاسع عشر اعتمدت سياسة واضحة تقوم على منح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لشيوخ العشائر مقابل حفظ الأمن في الأرياف ومن هنا ظهر ما يعرف بالطابو الأسود العثماني الذي منحته الإدارة العثمانية لكبار الشيوخ والإقطاعيين فتحولت آلاف الدونمات إلى ملكيات واسعة بيد قلة قليلة قبل ولادة المملكة العراقية بسنوات طويلة
وعندما تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ورثت واقعا اجتماعيا واقتصاديا معقدا تشكل عبر قرون من الحكم العثماني ولم يكن بالإمكان نسف البنية العشائرية بين ليلة وضحاها خصوصا أن العراق كان خارجا من حروب وانهيار إداري وفقر وأمية واسعة
لكن ما يتغافل عنه عمدا أن النظام الملكي لم يؤسس الإقطاع بل أسس الدولة الحديثة ففي عهد الملك فيصل الأول بدأت الوزارات والجيش والمدارس والكليات والإرساليات العلمية ومشاريع الري والسدود والطرق والموانئ والسكك الحديدية والقضاء المدني والتعليم الحديث ومن رحم تلك الدولة خرج أبناء الفلاحين أنفسهم ليصبحوا ضباطا وقادة طيران وأطباء ومهندسين ونحاتين وأساتذة جامعات وشخصيات صنعت تاريخ العراق الحديث
…
كما أن تصوير شيوخ العشائر جميعا على أنهم مجرد طبقة قاسية وظالمة فيه قدر كبير من التعميم غير المنصف فالعشائر العراقية كانت ولا تزال تقوم على قيم اجتماعية متجذرة مثل الكرم والنخوة وحماية الناس وحل النزاعات وكثير من شيوخ العشائر كانوا يمثلون مرجعية اجتماعية تحظى بالاحترام بين أبناء مناطقهم حتى يومنا هذا ولا يزال العراقيون في كثير من المناطق يأخذون بكلمة الشيخ ويحتكمون إليه في الإصلاح وحل المشاكل الاجتماعية
…
إن الملكية العراقية لم تكن نظاما مثاليا بلا أخطاء لكنها أيضا لم تكن النظام الذي اخترع الإقطاع أو أسس الظلم الاجتماعي في العراق بل ورثت تركة عثمانية ثقيلة وحاولت ضمن ظروف ذلك الزمان بناء دولة حديثة ومؤسسات مدنية في مجتمع أنهكته قرون التخلف والصراعات
…
والأهم من ذلك أن الخطاب الذي يختزل تاريخ العراق الملكي بكلمة إقطاع يتجاهل حقيقة جوهرية وهي أن العراق في العهد الملكي شهد ولادة الطبقة الوسطى العراقية وظهور الصحافة الحرة والحياة النيابية والبعثات الدراسية والنهضة الثقافية والفنية وتوسع التعليم بصورة غير مسبوقة مقارنة بما كان عليه العراق في أواخر العهد العثماني