عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب

رياض سعد

*مقدمة

بحّت أصوات الأحرار والإعلاميين والعراقيين من كثرة الشكوى وتقديم التظلّمات، فما من يوم يمر، أو أسبوع يمضي، أو شهر ينصرم، إلا وتتناول وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حادثة اعتداء هنا أو هناك، أو انتهاكًا لحقوق الإنسان في مراكز الشرطة ودوائر وزارة الداخلية وأقبية الأجهزة الأمنية… ؛  لقد تحوّلت هذه الظاهرة إلى معضلة مزمنة تنخر جسد الدولة العراقية، وتقوّض ثقة المواطن بمؤسسات إنفاذ القانون التي يفترض أن تكون حاميةً لحقوقه، لا منتهكةً لها.

*قراءة في شواهد وشكاوى المواطنين والمحامين والناشطين المدنيين

تتصاعد في العراق الأصوات المطالبة بضبط أداء الأجهزة الأمنية والشرطة ، وسط مشاهد متكررة لاعتداءات عناصر الشرطة على المواطنين، بل وعلى المحامين أنفسهم الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن الحقوق والحريات… ؛ وما كان يُروى سابقاً  – في بدايات انبثاق العملية السياسية الجديدة – كحوادث فردية صار اليوم ظاهرة تستدعي وقفة جادة، قبل أن تنفجر في وجوه الجميع بعواقب لا تحمد عقباها.

* فساد بعض عناصر الشرطة في العراق بين العنف والإفلات من العقاب

من المفترض أن تكون المؤسسة الأمنية في أي دولة عنوانًا لحماية الإنسان وصون كرامته وحفظ النظام العام، وأن يكون رجل الشرطة ممثلًا للقانون وهيبة الدولة وعدالتها… ؛  غير أن المشكلة تبدأ حين تنقلب المعادلة، فيتحول بعض من أُوكلت إليهم مهمة حماية المواطنين إلى مصدر خوف وقلق وانتهاك لحقوق الإنسان، عبر ممارسات عنيفة أو تجاوزات قانونية أو اعتداءات جسدية ونفسية، باتت تتكرر بصورة أثارت استياء العراقيين وقلقهم العميق.

لقد أصبحت ظاهرة الاعتداءات التي يرتكبها بعض عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية ضد المواطنين واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد العلاقة بين المجتمع والدولة، لأنها تضرب جوهر الثقة بالمؤسسات، وتحوّل القانون من وسيلة لحماية الناس إلى أداة تخويف وترهيب في نظر الكثيرين.

* حادثة المحامي سلطان الفتلاوي… نموذج صارخ

ومن أبرز الحوادث التي أثارت الرأي العام العراقي مؤخرًا، قضية الاعتداء على المحامي العراقي سلطان الفتلاوي داخل مركز شرطة الأميرات في النجف، وهي حادثة كشفت حجم التوتر المتصاعد بين بعض الأجهزة الأمنية والكوادر القانونية والحقوقية.

ففي  شهر نيسان من العام الجاري , تعرّض المحامي سلطان الفتلاوي للاعتداء الجسدي داخل مركز شرطة الأميرات في النجف، وبالتحديد في مساء يوم  الجمعة الموافق 24 / 4 ، إثر توجهه إلى المركز للدفاع عن موكليه المحتجزين في قضية حادث سير… ؛ وأسفرت الحادثة عن تحرك نقابي واسع شمل نحو 200 محامٍ، وإجراءات رسمية عاجلة من وزارة الداخلية، في حين لا يزال المحامون ينتظرون التنفيذ الفعلي للتعهدات المُعلنة.

ووفق الرواية التي نقلتها وسائل الإعلام، فإن المحامي كان يؤدي واجبه المهني بصورة قانونية، بعد حضوره للدفاع عن موكليه، إلا أن الأمور تطورت إلى احتكاك ثم اعتداء جسدي وإهانات لفظية وتمزيق لملابسه داخل مركز الشرطة نفسه.

وقد جاء في شهادته:

«سُحبت بالقوة أمام موكلي مع توجيه الإهانات لي ولعائلتي، ثم ضُربت داخل ساحة المركز ومُزّقت ملابسي».

كما أشار إلى محاولة منعه من توثيق ما جرى، إذ قال:

«قالوا لي احذف التسجيل ونحل الموضوع… كانوا يخشون التوثيق أكثر من الحادث نفسه».

إن خطورة هذه الحادثة لا تكمن فقط في الاعتداء على شخص محامٍ، بل في كونها وقعت داخل مؤسسة أمنية يفترض أنها تُطبّق القانون وتحمي الحقوق… ؛  فحين يتعرض رجل قانون للإهانة أثناء أداء عمله، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن البسيط تكون أشد قسوة وخطورة.

تضارب الروايات: حين يصبح الضحية مُتَّهَماً

وفي تطور لافت، أشار الفتلاوي إلى أن أحد المنتسبين تقدّم بشكوى ضده بتهمة الاعتداء على موظف أثناء تأدية الواجب، وهو ما رفضه بشدة، متسائلاً: «إذا كنت مذنباً، لماذا لم يُوقَف رسمياً؟ ولماذا طُلب مني حذف الفيديو؟».

وبينما تنتظر القضية مآلاتها القضائية والتحقيقية، تظل الحادثة كاشفة عن توتر متراكم في العلاقة بين المحامين والأجهزة الأمنية، في ظل مطالبات متصاعدة بصون حرية عمل المحامين داخل مراكز التحقيق وحماية كرامتهم المهنية.”

هذه الآلية – تحويل الضحية إلى متهم – ليست جديدة، بل هي واحدة من أبرز أدوات القمع التي تستخدمها الأجهزة الأمنية غير الخاضعة للمساءلة… ؛  فالمواطن الذي يُضرب يصبح فجأة “معتدياً”، والمحامي الذي يدافع عن موكليه يصبح “مخلاً بالأمن”.

انتهاك حقوق الإنسان داخل المراكز الأمنية

إن تكرار الحديث عن التعذيب وسوء المعاملة والإهانات داخل بعض مراكز التوقيف والتحقيق، لم يعد مجرد روايات فردية متفرقة، بل تحول إلى ملف حقوقي وإعلامي واسع، تتناوله المؤسسات المحلية والدولية باستمرار.

وفي هذا الإطار، قال فراس الدهان، مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في النجف،:

«هذا التصرف يمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان ولحقوق المحامي على حد سواء».

وأضاف: «المحامي جزء أساسي من منظومة العدالة، والاعتداء عليه داخل مركز أمني يضرب مفهوم المحاكمة العادلة من أساسه».

وهذه التصريحات تعكس حقيقة قانونية مهمة، وهي أن العدالة لا تتحقق بالقوة والعنف، بل بالإجراءات القانونية واحترام حقوق المتهم والدفاع والإنسان، مهما كانت التهمة أو المخالفة.

*العنف المفرط  المتصاعد ضد المواطنين

ولم تقتصر التجاوزات على المحامين وحدهم، بل امتدت إلى المواطنين العاديين ,  في مشاهد صادمة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأثارت غضبًا واسعًا… , فقد انتشرت فيديوهات تظهر رجال شرطة وشرطة المرور وهم يعتدون على المواطنين بالضرب المبرح… ؛  فقد قام أحد عناصر شرطة المرور بركل مواطن وضربه ضربًا مبرحًا بحذائه وأمام الناس في منطقة البلديات ، بينما كان الشاب ملقى على الأرض لا يحرك ساكنًا، ولا يفعل شيئًا سوى صد الضربات والصفعات والركلات.

إن مثل هذه المشاهد تترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا خطيرًا، لأنها تزرع الإحساس بالإهانة والعجز والخوف، وتدفع الناس إلى فقدان الثقة بمفهوم العدالة ذاته.

نعم , هذه المشاهد لم تعد تثير الدهشة بقدر ما تثير الغضب والعجز… ؛ فالإنسان يلقى على الأرض، أعزل، لا حول له ولا قوة، ورجل “القانون” ينهال عليه بالركلات بحذائه العسكري، وكأنه يمارس هواية شخصية لا واجباً مهنياً.

*الطامة الكبرى: الدفاع عن النفس جريمة

والطامة الكبرى أن قيام المواطن بالدفاع عن نفسه أو محاولته إيقاف الاعتداءات الغاشمة سيؤدي به إلى قفص السجن بذريعة الاعتداء على رجل القانون أثناء تأدية واجبه…!!”

إنها معادلة ظالمة بكل المقاييس: رجل الأمن يعتدي، والمواطن يدافع عن نفسه، ثم يكون المواطن هو السجين والمعتدي على رجل القانون!

أي قانون هذا الذي يشرعن العنف ويجرّم الدفاع الشرعي عن النفس؟

وهنا تتجلى إشكالية خطيرة تتمثل في اختلال التوازن بين حماية رجل الأمن وبين حماية المواطن من التعسف… ؛  فالقانون وُضع لحماية الطرفين معًا، لا لمنح حصانة غير معلنة لأي جهة تستغل سلطتها.

*لماذا تتكرر هذه الانتهاكات؟

إن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في “أخطاء فردية” فقط، لأن تكرارها يدل على وجود خلل أعمق يرتبط ببنية التأهيل والثقافة المؤسسية والرقابة القانونية.

ان ضعف التأهيل المهني ونقص الكفاءة والإعداد والتربية القانونية والانسانية هو ما يجعل رجل الأمن والشرطي يتصرف وكأن اية مخالفة هي تحد شخصي ينبغي مواجهته بصفة شخصية وليس بطريقة قانونية !

وهذا التشخيص يلامس جوهر المشكلة فعلًا؛ فبعض عناصر الأمن يتعاملون مع المواطن بعقلية السيطرة والانفعال الشخصي، لا بعقلية رجل الدولة الملتزم بالقانون.

كما أن غياب العقوبات الرادعة أحيانًا، أو بطء الإجراءات، أو التسويات الإدارية الداخلية، كلها عوامل تشجع على تكرار الانتهاكات.

* بين حماية الأمن وحماية الكرامة الإنسانية

لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر بلا أجهزة أمنية قوية، لكن القوة الحقيقية لا تُقاس بالعنف والصراخ والضرب، بل بالانضباط واحترام القانون وضبط النفس.

إن رجل الشرطة المحترف هو الذي يستطيع فرض هيبة الدولة من دون إهانة الناس، ويحافظ على الأمن من دون انتهاك الكرامة الإنسانية.

وقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن الأمن المستدام لا يتحقق بالخوف، بل بالثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

ولهذا، فإن العراق بحاجة ماسة إلى مراجعة جادة وشاملة لملف السلوك الأمني، تبدأ من تطوير مناهج التدريب والتأهيل النفسي والقانوني، وتمر بتفعيل الرقابة القضائية والحقوقية، وتنتهي بفرض عقوبات صارمة على كل من يستغل سلطته للاعتداء على المواطنين.

*استهتار بعد قرارات الحماية

وقال بعض العراقيين : إن رجال الشرطة استهتروا استهتاراً ملحوظاً بعد القرارات والإجراءات الأخيرة التي صدرت من وزارة الداخلية فيما يخص حماية رجال الشرطة؛ بل إن البعض قال: إن هذه الأفعال المشينة والانتهاكات الصارخة إن دلت على شيء فإنما تدل على صدور توجيهات سرية بإهانة المواطنين والاعتداء عليهم لأتفه الأسباب وأبسط المخالفات.

سواء كانت هناك “توجيهات سرية” أم لا، فإن النتيجة واحدة: شعور رجل الشرطة بأنه فوق القانون، وأنه محمي مهما فعل… ؛  وهذا الشعور هو أخطر ما يمكن أن يصيب أي جهاز أمني، لأنه يحوله من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لقمعهم.

*انفجار اجتماعي وشيك

إن استمرار هذا الوضع المأساوي سيقود إلى انفجار اجتماعي ستكون عواقبه وخيمة على النسيج المجتمعي والسلم الأهلي؛ فلا بد من وضع قوانين صارمة تمنع رجال الشرطة والأجهزة الأمنية من التجاوز على المواطنين ومن انتهاكات حقوق الإنسان… ؛ غير أن التشريعات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية لإصلاح المنظومة الأمنية من جذورها.

وهذه القراءة  ليست تهديداً افتراضياً، بل قراءة واقعية لتراكم الغضب الشعبي… ؛  فالصبر العراقي، رغم طول أناته، له حدود… ؛  وعندما يرى المواطن أن كل أبواب التظلم مغلقة، وأن من يفترض أن يحميه هو من يعتدي عليه، فإن الخيارات تضيق والعواقب تصبح وخيمة على الجميع.

*الجذر الحقيقي للمشكلة: ضعف التأهيل وغياب التربية القانونية

إن ضعف التأهيل المهني ونقص الكفاءة والإعداد والتربية القانونية والإنسانية هو ما يجعل رجل الأمن والشرطي يتصرف وكأن أي مخالفة هي تحدٍ شخصي ينبغي مواجهه بصفة شخصية وليس بطريقة قانونية , كما اسلفنا ؛ فعوضًا عن أن يكون الشرطي حارسًا للقانون، يتحول إلى خصم للمواطن، وإلى أداة قمع بدل أن يكون أداة حماية … !

وهنا نصل إلى لب المشكلة… ؛ فالشرطي الذي يفتقر إلى التدريب النفسي والقانوني والانساني ، والذي لم يتلقَ تربية على احترام حقوق الإنسان وكرامة المواطن، سينظر إلى كل موقف على أنه تحدٍ لسلطته الشخصية، لا كحالة قانونية تحتاج إلى إجراءات مهنية.

إن ارتداء الزي العسكري لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، بل يفرض عليه أعباء إضافية من الانضباط وضبط النفس.

الشرطي الاصيل  والمهني هو من يتحكم بغضبه، لا من ينفجر في وجوه الناس… ؛ هو من يطبّق القانون، لا من يتجاوزه باسم القانون.

*خاتمة وتوصيات

العراق اليوم يحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقية للعلاقة بين المواطن ورجل الأمن… ؛  وهذه الإعادة لا تأتي بالوعود، ولا بالبيانات الرسمية، ولا بلجان التحقيق التي تُشكّل ثم تختفي… ؛  إنها تحتاج إلى:

1. قوانين صارمة ورادعة: تجرّم أي اعتداء على المواطنين، ولا تترك مجالاً للإفلات من العقاب.

2. تدريب مهني ونفسي وقانوني شامل: يعيد تأهيل رجال الشرطة على التعامل الإنساني مع الجمهور، ويؤكد أن القوة ليست غاية بل وسيلة أخيرة.

3. كاميرات مراقبة دائمة: في جميع مراكز الشرطة وأثناء جميع المهام الميدانية، تكون خاضعة لجهات رقابية مستقلة.

4. تعويض عادل وسريع للمعتدى عليهم: يرد الاعتبار للضحايا ويكسر ثقافة الصمت.

5. محاكمات علانية للمعتدين من رجال الشرطة: تنقل رسالة واضحة بأن لا حصانة لأحد أمام القانون.

فإما أن نصلح هذا الجهاز الحيوي قبل فوات الأوان، وإما أن ننتظر الانفجار الذي لا يحمد عقباه… ؛  والخيار، حتى الآن، لا يزال بأيدينا.

*خاتمة

إن استمرار مشاهد العنف والتجاوز والإهانة داخل بعض المؤسسات الأمنية لا يمثل خطرًا على الأفراد فحسب، بل يهدد صورة الدولة وهيبتها واستقرارها الاجتماعي.

إن احترام المواطن ليس ضعفًا من الدولة، بل هو أعلى درجات قوتها وتحضرها… ؛  والدولة التي تُهين أبناءها تفقد مشروعيتها الأخلاقية تدريجيًا، أما الدولة التي تحمي الإنسان وتصون كرامته، فهي وحدها القادرة على بناء الأمن الحقيقي والاستقرار الدائم.

إن ما كشفته حادثة المحامي سلطان الفتلاوي وغيرها من الوقائع ليس حدثًا عابرًا، بل عرضٌ لمرض مزمن في الجسد الأمني العراقي… ؛ و إن إصلاح هذا الواقع يتطلب مراجعة شاملة لآليات اختيار عناصر الشرطة وتدريبهم، وتفعيل آليات المحاسبة والرقابة المستقلة، وضمان عدم إفلات المعتدين من العقاب… ؛  فبدون سيادة القانون فعلًا لا قولًا، ستبقى حقوق المواطنين مرهونة بأمزجة رجال الأمن، وستبقى العدالة حبرًا على ورق.