الإمبراطورية المرتبكة
أحلام الصوفي
حين تبدأ الشقوق بالظهور داخل أجهزة الاستخبارات في أي دولة، فإن الأمر لا يُقرأ كخلاف إداري عابر أو تباين سياسي طبيعي، بل كإشارة إلى أن مركز القرار نفسه دخل مرحلة اضطراب عميق.
أما عندما يحدث ذلك داخل الولايات المتحدة، الدولة التي بنت نفوذها العالمي على تماسك مؤسساتها الأمنية وهيبة قرارها السياسي، فإن المسألة تتجاوز حدود الأزمة المؤقتة، لتصبح مؤشراً على اهتزاز بنية الهيمنة الأمريكية ذاتها.
الاستقالات المتلاحقة داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، من جو كينت إلى أماريلس فوكس كينيدي وصولاً إلى تولسي غابارد، لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي والعسكري المتوتر الذي تعيشه واشنطن في ظل التصعيد مع إيران. فهذه الشخصيات لم تكن مجرد موظفين عاديين، بل كانت جزءاً من الدائرة الأكثر حساسية في الدولة الأمريكية؛ الدائرة التي تمتلك تقديرات الحرب والسلم وتدرك كلفة القرارات الكبرى أكثر من غيرها.
لذلك، فإن خروج هذه الأسماء من مواقعها في هذا التوقيت يكشف أن الخلاف داخل الإدارة الأمريكية لم يعد متعلقاً بالتفاصيل، بل بطبيعة المسار الذي تسير فيه واشنطن نفسها.
الأخطر أن النقاش داخل الولايات المتحدة بدأ يتحول من سؤال: “كيف نواجه إيران؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ما تزال أمريكا قادرة على فرض إرادتها على العالم كما فعلت لعقود؟
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فالولايات المتحدة خرجت من حروب طويلة ومكلفة في العراق وأفغانستان دون تحقيق الأهداف التي رفعتها، فيما تراكمت الأعباء الاقتصادية والانقسامات السياسية الداخلية بصورة غير مسبوقة. ومع كل أزمة جديدة، تتكشف حدود القوة الأمريكية أكثر فأكثر، ليس بسبب ضعفها العسكري، بل نتيجة تراجع قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة.
وهنا يظهر النجاح السياسي والاستراتيجي الإيراني بوضوح.
فطهران لم تدخل المواجهة بعقلية البحث عن انتصار عسكري مباشر، لأنها تدرك طبيعة ميزان القوة التقليدي، بل خاضت معركة مختلفة تقوم على استنزاف الإرادة الأمريكية وكشف حدود النفوذ الأمريكي أمام العالم.
لقد فهمت إيران مبكراً أن واشنطن تعاني أزمة داخلية مركبة: انقسام سياسي حاد، تراجع الثقة بالمؤسسات، إرهاق اقتصادي، ومجتمع لم يعد مستعداً لتحمل حروب مفتوحة جديدة. ولذلك بنت استراتيجيتها على الصبر الطويل وإدارة الوقت، لا على المواجهة السريعة.
ومن هنا بدأت الولايات المتحدة تبدو عالقة في مأزق استراتيجي معقد؛ فهي لا تستطيع التراجع الكامل لأن ذلك سيُفسَّر كضربة مباشرة لهيبتها العالمية، وفي الوقت نفسه تدرك أن الذهاب إلى مواجهة شاملة قد يفتح أبواب استنزاف واسع لا يمكن التحكم بنتائجه.
هذا المأزق انعكس بوضوح على خطاب الرئيس دونالد ترامب، الذي ظهر في أكثر من مناسبة متذبذباً بين التصعيد والتهدئة، وبين لغة الحسم ومحاولات تجنب الانفجار الكبير. فالتصريحات النارية عن “القوة الأمريكية الساحقة” كانت تقابلها حسابات ميدانية أكثر حذراً، وتأجيلات متكررة لأي مواجهة واسعة.
وفي السياسة الدولية، أخطر ما يمكن أن تخسره القوى الكبرى ليس المعارك العسكرية، بل صورة الهيبة والقدرة على الردع. فالنفوذ الأمريكي طوال العقود الماضية لم يكن قائماً فقط على القوة العسكرية، بل على اقتناع العالم بأن واشنطن قادرة دائماً على فرض إرادتها في النهاية.
لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، من الانسحاب من أفغانستان إلى التعثر في أكثر من ملف دولي، وصولاً إلى الارتباك الحالي في التعامل مع إيران، كشف أن صورة القوة الأمريكية لم تعد بالصلابة نفسها التي كانت عليها بعد نهاية الحرب الباردة.
وقد نجحت إيران في استثمار هذا التحول بذكاء سياسي واضح. فهي لم تسعَ إلى مواجهة شاملة، بل إلى تعميق التناقضات داخل القرار الأمريكي، وإظهار واشنطن كقوة مترددة تعاني من فقدان الوضوح الاستراتيجي.
ومع كل انقسام داخل المؤسسات الأمريكية، وكل تراجع عن تهديد، وكل ارتباك في المواقف، كانت صورة الهيمنة الأمريكية تتعرض لمزيد من التآكل أمام خصومها وحلفائها على حد سواء.
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تنهار حين تخسر معركة واحدة، بل حين تبدأ بفقدان قدرتها على إنتاج اليقين داخلها. وحين تصل القوة العظمى إلى مرحلة تصبح فيها منقسمة حول معنى دورها العالمي وحدود قدرتها على الاستمرار، فإن ذلك يكون بداية التحول الأكبر.
واليوم تبدو الولايات المتحدة أمام هذا التحول تحديداً؛ قوة ضخمة ما تزال تمتلك السلاح والاقتصاد والنفوذ، لكنها تواجه أزمة أعمق من أي مواجهة عسكرية: أزمة اهتزاز الثقة بقدرتها على الاستمرار كقوة مهيمنة بلا منازع.
أما إيران، فقد أدارت هذا الصراع بعقلية النفس الطويل، ونجحت في تحويل المواجهة من صدام عسكري مباشر إلى معركة استنزاف سياسي ونفسي، جعلت واشنطن تبدو للمرة الأولى منذ عقود قوة مرتبكة أكثر منها قوة حاسمة.