د. قحطان الظالمي _ صحفي
تُعد الثورة الإسلامية في إيران من أبرز التحولات السياسية في العالم المعاصر إذ غيرت طبيعة الحكم في إيران وأنشأت نموذجا سياسيا يجمعُ بين المرجعية الدينية وبنية الدولة الحديثة وقد مرّ هذا المشروع بثلاث مراحل رئيسية مرحلة التأسيس بقيادة روح الله الخميني ثم مرحلة ترسيخ النظام وتعزيز مؤسساته في عهد شهيد الامة السيد علي خامنئي وأخيرا مرحلة استمرار النفوذ الفكري والسياسي للمشروع داخل إيران وفي محيطها الإقليمي حيث عمل عليها السيد مجتبى الخامنئي.
أولاً: مرحلة التأسيس وبناء المشروع الثوري
برز السيد روح الله الخميني بوصفهِ مرجعاً دينياً وقائداً فكرياً معارضاً سياسياً لنظام القمعي في المنطقة والشاه محمد رضا بهلوي في إيران وقد قاد حركة معارضة واسعة ضد سياسات النظام الملكي وقاد قوى شعبية ثقافة.
واعتمد السيد الخميني في مشروعه على مرتكزين أساسيين:
١. الأساس الفكري والسياسي
طرح الخميني مفهوم ولاية الفقيه الذي يقوم على أن يتولى الفقيه الجامع للشرائط قيادة المجتمع والدولة في عصر غيبة الإمام المنتظر عجل الله فرجه وهو وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
بعد نجاح الثورة عمل الخميني على بناء الدولة الجديدة عبر عدة خطوات رئيسية:
إجراء استفتاء شعبي لتحديد طبيعة النظام.
صياغة دستور جديد يحدد شكل الحكم.
إنشاء مؤسسات سياسية وأمنية للحفاظ على النظام الجديد.
وبذلك انتقلت الثورة من حالة الحراك الشعبي إلى مرحلة بناء الدولة.
ثانياً: مرحلة ترسيخ الدولة وتثبيت المؤسسات
بعد وفاة الخميني رضوان الله تعالى عليه عام ١٩٨٩ تولى شهيد الأمة الإسلامية السيد علي خامنئي رضوان الله عليه منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ النظام.
تميزت هذه المرحلة بعدة ملامح رئيسية:
١. الحفاظ على البنية الدستورية للنظام
عمل الخامنئي على تثبيت النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه مع الحفاظ على مؤسسات الدولة التي تأسست بعد الثورة.
٢. بناء الاستقرار الداخلي
ركزت القيادة في هذه المرحلة على تقوية مؤسسات الدولة وتعزيز دور المؤسسات العلمية والثقافية والدينية في المجتمع.
٣. تطوير القدرات العلمية والعسكرية
شهدت إيران خلال هذه الفترة توسعاً في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي إضافة إلى تطوير قدراتها الدفاعية.
٤. توسيع العلاقات الإقليمية
تبنّت إيران سياسة إقليمية تقوم على بناء علاقات مع قوى وحركات سياسية مختلفة في المنطقة ما أدى إلى زيادة تأثيرها السياسي في الشرق الأوسط
وبذلك تحولت الثورة من مشروع تأسيسي إلى نظام سياسي مستقر نسبيا يمتلك مؤسسات قوية وحضورا إقليميا متناميا.
ثالثاً: الامتداد الفكري والسياسي للمشروع
في العقود الأخيرة استمر تأثير الثورة الإسلامية داخل إيران وخارجها وفي هذا السياق يبرز اسم السيد مجتبى خامنئي المنتخب بعد استشهاد والده السيد علي خامنئي من قبل مجلس خبراء القيادة بوصفه رجل دين ينتمي إلى الجيل التالي من البيئة الدينية والسياسية المرتبطة بقيادة الجمهورية الإسلامية.
درس مجتبى خامنئي العلوم الدينية في الحوزة العلمية في قم ويُنظر إليه في بعض التحليلات بوصفه شخصية قريبة من دوائر القرار الديني والسياسي رغم أنه لا يشغل منصبا رسميا بارزا داخل مؤسسات الدولة.
وتشير بعض التحليلات السياسية إلى أن المرحلة الحالية من تاريخ الجمهورية الإسلامية تركز على
الحفاظ على إرث الثورة.
تعزيز الحضور السياسي والفكري للنظام داخل المنطقة.
استمرار تطوير القدرات العلمية والاقتصادية والعسكرية للدولة.
وهكذا تحولت الثورة الإسلامية من حركة احتجاجية إلى دولة ذات نظام سياسي متكامل وتأثير إقليمي واسع في الشرق الأوسط.
رابعاً: مخرجات التحول الاستراتيجي وتأثير القوة الإيرانية
وانطلاقا من هذا المسار التاريخي المتدرّج لم تبقِ الثورة الإسلامية في إيران مجرد تجربة داخلية بل تحولت إلى مشروع ذي أبعاد استراتيجية انعكست بوضوح على موازين القوى الإقليمية والدولية فبعد مرحلة التأسيس التي قادها روح الله الخميني ثم مرحلة ترسيخ الدولة وتعزيز مؤسساتها في عهد الشهيد السيد علي خامنئي بدأت ملامح “الدولة المؤثرة” بالظهور بشكل أكثر وضوحا.
في هذا السياق عملت الجمهورية الإسلامية على تطوير أدوات قوتها الشاملة والتي يمكن قراءتها ضمن ثلاثة محاور رئيسية:
١. القوة العسكرية والتقنية
شهدت إيران تطورا ملحوظا في قدراتها الدفاعية خصوصا في مجال الصناعات الصاروخية ما أتاح لها بناء منظومة ردع فعّالة انعكست على طبيعة الصراعات في المنطقة وجعلت من أي مواجهة معها حسابا معقدا للقوى الدولية والإقليمية.
٢. النفوذ السياسي والإقليمي
اعتمدت إيران سياسة تقوم على توسيع دائرة تأثيرها عبر بناء علاقات مع قوى سياسية واجتماعية في الشرق الأوسط الأمر الذي منحها حضورا فاعلا في عدد من الملفات الإقليمية وجعلها طرفا لا يمكن تجاوزه في معادلات القرار.
٣. الصمود الاقتصادي والعقائدي
رغم العقوبات الدولية استطاعت إيران الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي مستندة إلى خطاب عقائدي قائم على “الصبر الاستراتيجي” وتعزيز الاعتماد على الذات وهو ما ساهم في استمرارية النظام وعدم انهياره تحت الضغوط.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الامتداد الحضاري الأوسع حيث يرى بعض الباحثين أن الحضور الإيراني في المشهد السياسي المعاصر يستند جزئيا إلى إرث تاريخي عميق يمتد إلى أدوار شخصيات إسلامية بارزة مثل سلمان الفارسي الذي مثّل نموذجا للكفاءة الاستراتيجية في التخطيط العسكري في صدر الإسلام وهو ما يُستدعى رمزيا في الخطاب السياسي المعاصر.
بذلك يتضح أن الثورة الإسلامية في إيران لم تكن حدثا عابرا بل مشروعا تراكميا انتقل من مرحلة إسقاط النظام الملكي إلى بناء دولة ثم إلى إنتاج نفوذ إقليمي مؤثر ومع ذلك فإن توصيف إيران كقوة عظمى عالمية لا يزال محل نقاش إذ تُصنّف في الأدبيات السياسية غالبا كقوة إقليمية كبرى تمتلك أدوات تأثير متعددة لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات اقتصادية وسياسية معقدة.