فريضة الحج في روايات أهل البيت (ومن دخله كان آمنا) (ح 18)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾. وقوله: “وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” ﴿آل عمران 97﴾ عطف على مقام إبراهيم. وفي مقام إبراهيم دلالة واضحة، لأنه حجر صلد، يرى فيه أثر قدميه، ولا يقدر أحد أن يجعل الحجر كالطين إلا الله. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الحرم كله مقام إبراهيم، ومن دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا. وقيل: فيه أقوال أحدها: إن الله عطف قلوب العرب في الجاهلية على ترك التعرض لمن لاذ بالحرم، والتجأ إليه، وإن كثرت جريمته، ولم يزده الاسلام إلا شدة، عن الحسن وثانيها: إنه خبر، والمراد به الأمر، ومعناه: إن من وجب عليه حد، فلاذ بالحرم، لا يبايع ولا يشارى ولا يعامل حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، عن ابن عباس، وابن عمر، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام. وعلى هذا يكون تقديره: ومن دخله فأمنوه. وثالثها: إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه، كان آمنا في الآخرة من العذاب الدائم، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ “ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً”. تقدم تفسيره في الآية 125 من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: “وإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وأَمْناً” (البقرة 125). والفضل في ذلك لدعوة إبراهيم عليه السلام: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً”. أيضا مر تفسيره في الآية 126 البقرة. “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” (البقرة 126).

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ قوله تعالى: “وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الإمضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى. قوله تعالى: “ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾، الكفر هاهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك..

من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: وَمِنْ قَبْلُ رَؤُفْتَ بِي بِجَميلِ صُنْعِكَ، وَسَوابِغِ نِعَمِكَ، فابْتَدَعْتَ خَلْقي مِنْ مَنِيٍ يُمْنَى، وَأَسْكَنْتَني في ظُلُماتٍ ثَلاث، بَيْنَ لَحْمٍ وَدَم وَجِلْد، لَمْ تُشْهِدْني خَلْقي، وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْري، ثُمَّ أَخْرَجْتَني إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَني فِى الْمَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً، وَرَزَقْتَني مِنَ الْغِذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَكَلأْتَني مِنْ طَوارِقِ الْجآنِّ، وَسَلَّمْتَني مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحيمُ يا رَحْمنُ، حتّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ ناطِقاً بِالْكَلامِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الإنْعامِ، وَرَبَّيْتَني زائِداً في كُلِّ عام، حَتّى إذَا اكْتَمَلَتْ فِطْرَتي، وَاعْتَدَلَتْ سَِريرتَي، أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَتَّكَ، بِأَنْ أَلْهَمْتَني مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَني بِعَجائِبِ فِطْرتِكَ، وَأنْطقتني لِما ذَرَأتَ في سَمائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدائِعِ خَلْقِكَ، وَنَبَّهْتَني لِشُكْرِكَ، وَذِكْرِكَ، وَأَوجَبْتَ عَلَيَّ طاعَتَكَ وَعِبادَتَكَ، وَفَهَّمْتَني ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ، وَيَسَّرْتَ لي تَقَبُّلَ مَرْضاتِكَ، وَمَنَنْتَ عَلَيِّ في جَميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ وَلُطْفِكَ. ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَني مِنْ حَرِّ الثَّرى، لَمْ تَرْضَ لي يا إِلهي نِعْمَةً دُونَ أُخرى، وَرَزَقْتَني مِنْ أَنواعِ الْمَعاشِ، وَصُنُوفِ الرِّياشِ بِمَنِّكَ الْعَظيمِ عَلَيَّ، وَإِحْسانِكَ الْقَديمِ إِلَيَّ، حَتّى إِذا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَميعَ النِّعَمِ، وَصَرَفْتَ عَنّي كُلَّ النِّقَمِ، لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلي وَجُرْأَتي عَلَيْكَ أَنْ دَلَلْتَني إِلى ما يُقَرِّبُني إِلَيْكَ، وَوفَّقْتَني لِما يُزْلِفُني لَدَيْكَ، فَإِنْ دَعْوَتُكَ أَجَبْتَني، وَإِنْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتَني، وَإِنْ أَطَعْتُكَ شَكَرْتَني، وَإِنْ شَكَرْتُكَ زِدْتَني، كُلُّ ذلِكَ إِكْمالٌ لأَنْعُمِكَ عَلَيَّ، وَإِحْسانِكَ إِلَيَّ.