هانس ميلين: حكاية بطل الأمن السويدي الذي سقط كجاسوس لصالح العراق

إيهاب مقبل

لم يكن جهاز الأمن السويدي (سيبو) يتوقع أن بلاغاً بسيطاً من سائق تاكسي مهاجر سيقود إلى واحدة من أخطر قضايا الاختراق داخل جهاز الشرطة. ففي أواخر السبعينيات، وبينما كانت شوارع ستوكهولم تبدو هادئة في ظاهرها، التقط سائق أجرة حديثاً دار في المقعد الخلفي بين مسؤول أمني سويدي رفيع ودبلوماسي عراقي، حديثاً لم يكن عادياً، بل كان يدور حول تسليم معلومات سرية تخص لاجئين مقابل مبالغ مالية.

لم يكن السائق يدرك في تلك اللحظة أن ما سمعه سيشكل بداية خيط تحقيق واسع سيصل لاحقاً إلى أعلى مستويات جهاز الأمن السويدي، وأن اسم هانس ميلين سيصبح محور واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ البلاد.

هانس ميلين: ضابط داخل قلب الجهاز الأمني
وُلد هانس أولوف فيكتور ميلين في 19 مارس آذار 1916 في ستوكهولم، ونشأ في بيئة قريبة من المؤسسة العسكرية السويدية. التحق مبكراً بجهاز الشرطة، وتدرج في المناصب الأمنية حتى أصبح واحداً من العناصر ذات الخبرة داخل جهاز الأمن السويدي.

خلال مسيرته المهنية، شارك ميلين في مهام حساسة ورفيعة المستوى، من بينها تأمين وحماية شخصيات دولية زارت السويد، مثل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، والملكة إليزابيث الثانية، ووزير الخارجية السوفيتي أندري جروميكو، وغيرهم من القادة البارزين. وفي تلك الفترة، كان يُنظر إليه كعنصر أمني موثوق يحظى بثقة المؤسسة الأمنية.

وتشير بعض الملفات المرتبطة بسيرته إلى أن ميلين قام بزيارات سابقة إلى العراق ضمن مهام واتصالات أمنية غير معلنة بشكل كامل، وهو ما اكتسب لاحقاً أهمية خاصة في سياق التحقيقات المتعلقة بعلاقاته مع الدبلوماسيين العراقيين.

لكن مسار حياته المهنية تغيّر بشكل جذري عام 1964، عندما تعرض لحادث خطير أثناء إحدى مهامه الأمنية، أدى إلى إصابة دائمة أثرت على قدرته الجسدية، وجعلته يعتمد على عصا للمشي. وبعد ذلك، تم نقله تدريجياً إلى وظائف إدارية داخل شرطة ستوكهولم، قبل أن يُكلف بالعمل في قسم شؤون الأجانب، وهو أحد أكثر الأقسام حساسية، لكونه مسؤولاً عن ملفات اللجوء والإقامة وتصاريح العمل.

بداية الشكوك داخل جهاز الأمن
في ربيع عام 1978، بدأت أجهزة الأمن السويدية تلتقط إشارات مقلقة حول احتمال تسريب معلومات سرية من داخل الشرطة إلى جهات أجنبية. ومع تقدم التحقيقات الأولية، بدأ اسم هانس ميلين يتكرر بشكل لافت، باعتباره المسؤول الذي يمتلك وصولاً مباشراً إلى ملفات اللاجئين والمعلومات الحساسة.

ومع ذلك، لم تكن هناك أدلة مادية كافية في البداية، ما دفع جهاز الأمن إلى اعتماد أسلوب المراقبة السرية طويلة المدى.

البلاغ الذي فتح الباب
جاء التحول الحاسم عندما أبلغ سائق تاكسي يجيد اللغة العربية من أصول شمال أفريقية جهاز الأمن السويدي بما سمعه خلال رحلة نقل جمعت بين شخصية سويدية وشخصية عراقية.

في تلك الليلة تحديداً، كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً من يوم الأربعاء عام 1978، عندما وقف رجلان يرتديان معاطف طويلة قرب سيارة أجرة منتظرة خارج فندق شيراتون في العاصمة ستوكهولم. أحدهما كان المفوض الجنائي هانس ميلين، يتكئ على عصاه، بينما كان الآخر رجلاً أسمر البشرة.

تعرف السائق فوراً على ميلين، إذ كان قد التقى به سابقاً خلال إجراءات تتعلق بطلب الإقامة في السويد. جلس الرجلان في المقعد الخلفي وأمرا السائق بالتوجه إلى حي غارديت، وبدأا الحديث باللغة العربية.

وخلال الرحلة، سمع السائق بوضوح نقاشاً حول “مقابل مادي” يصل إلى ألف دولار لكل صفقة، مع آلية تحويل نصف المبلغ إلى حساب في سويسرا والنصف الآخر عند التسليم.

قال الرجل الآخر: “ستحصل على ألف دولار عن كل صفقة.. وخمسمائة في حسابك السويسري وخمسمائة عند التسليم”.

ثم أضاف: “هذا مبلغ يبدو مقبولاً، أليس كذلك؟”

فأجاب ميلين بهدوء: “سنلتقي مجدداً في بغداد الشهر القادم”.

وعند الوصول، نزل الرجلان من السيارة، ودفعا مبلغاً يفوق تعرفة الرحلة رغم أن العداد لم يتجاوز 45 كرون سويدي. وقبل أن يغادرا، سمع السائق الرجل الأسمر يقول: “غداً سأدخل مبنى السفارة”.

في اليوم التالي، اتصل السائق بجهاز الأمن السويدي وأبلغهم بما سمعه، لتبدأ أولى خطوات التحقيق الرسمي.

توسع التحقيق: شبكة اتصالات سرية
بدأت أجهزة الأمن مراقبة دقيقة استمرت لأشهر. ومع الوقت بدأت ملامح شبكة غير رسمية تتشكل، حيث رُصدت لقاءات متكررة بين هانس ميلين وعدد من الدبلوماسيين العراقيين، كان أبرزهم شخص يُعرف باسم “راضي محمد” والملقب بـ”أبو حيدر”.

كما تبيّن أن ميلين كان يصل إلى عمله قبل السادسة صباحاً، دون تسجيل ساعات عمل إضافية، في نمط أثار مزيداً من الشبهات. واشتبه المحققون بأنه كان ينسخ وثائق سرية تخص الأجانب ويحتفظ بها داخل خزنة مكتبية، قبل أن يُعثر لاحقاً على أكياس قمامة تحتوي على نسخ ممزقة من تلك الوثائق، يُعتقد أنه تخلص منها خشية انكشاف أمره.

ومع استمرار الرصد، تم التنصت على هاتفه في العمل والمنزل، كما وردت معلومات من مطار آرلاندا في ستوكهولم تفيد بوجود زيارات متكررة لدبلوماسي عراقي إلى ستوكهولم ولقائه بميلين.

“شقة التجسس”: لحظة الانفجار
في الرابع من فبراير شباط عام 1979، نفذ جهاز الأمن السويدي عملية مداهمة داخل شقة في شارع سفيافاغن وسط ستوكهولم، حيث كان يجري اجتماع سري بين ميلين والدبلوماسي العراقي.

كانت الشقة مستأجرة باسم أخت ميلين غير الشقيقة، وعُرفت لاحقاً باسم “شقة التجسس”. ومع دخول رجال الأمن المسلحين، وقعت حالة ارتباك، إذ اعتقد بعض السكان أن الأمر يتعلق بعملية سطو أو نشاط إرهابي، فتم استدعاء الشرطة.

ووصلت قوات الشرطة النظامية إلى المكان دون علم مسبق بالعملية السرية، وكادت أن تُفشل العملية بالكامل بعد اندلاع جدال عنيف بينها وبين عملاء جهاز الأمن، حتى تم توضيح الموقف وتقييد بعض العناصر النظامية مؤقتاً.

في النهاية، تمكنت قوات الأمن من اقتحام الشقة في اللحظة الحاسمة، حيث تم ضبط ميلين والدبلوماسي أثناء عملية تبادل معلومات. كان ميلين قد وضع الوثائق داخل حقيبتين قبل لحظات من الاقتحام.

وبعد سحب الأسلحة، تم اعتقال الطرفين ونقلهما فوراً إلى مقر الشرطة في كونغسهولمن.

عند اعتقال ميلين، كان بحوزته 3000 دولار نقداً، كما عُثر على مبالغ إضافية داخل الشقة، ما عزز الاتهامات ضده بشكل مباشر.

وبسبب تمتّع الدبلوماسي العراقي بالحصانة الدبلوماسية، لم تتم محاكمته، وإنما تم اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، وطُرد لاحقاً من السويد كإجراء دبلوماسي رسمي، رغم أنه كان يمثل حلقة أساسية في القضية.

طبيعة المعلومات المسربة واتساع نطاقها
كشفت التحقيقات أن هانس ميلين قام بتسريب معلومات شديدة الحساسية لجهاز المخابرات العراقي في عهد الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، شملت التحقيقات مع لاجئين عراقيين، و”قائمة الإرهابيين” السرية الصادرة عن مجلس الشرطة الوطني، ونسخاً مصورة من تقارير سرية صادرة عن وزارة الخارجية السويدية.

ولم تتوقف التسريبات عند هذا الحد، إذ تبين لاحقاً أنه قدم أيضاً معلومات للاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) تتعلق بلاجئين سوفييت حصلوا على حق اللجوء السياسي في السويد، ما منح القضية بعداً دولياً بالغ التعقيد.

المحاكمة والإدانة
بعد انتهاء التحقيقات، وُجهت إلى هانس ميلين تهمة التجسس، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات من المحكمة الابتدائية، قبل أن تُخفف العقوبة إلى ثلاث سنوات في مرحلة الاستئناف.

ورغم محاولته تبرير أفعاله بأنها كانت تهدف إلى تحسين العلاقات بين الدول، اعتبرت المحكمة أن ما قام به يمثل انتهاكاً خطيراً لقوانين حماية المعلومات السرية داخل الدولة.

نهاية مسيرة رجل أمن
أنهت هذه القضية مسيرة طويلة لرجل أمضى عقوداً داخل جهاز الشرطة السويدي، متنقلاً من حماية كبار القادة والزعماء إلى العمل في أكثر ملفات الدولة حساسية، قبل أن تنتهي حياته المهنية بإدانة في واحدة من أبرز قضايا التجسس في تاريخ السويد.

وتوفي هانس ميلين في 11 أبريل نيسان 1993 في ستوكهولم، بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، تاركاً خلفه قضية ما زالت تُعد مثالاً على هشاشة الأمن الداخلي أمام الاختراقات الاستخباراتية في زمن الحرب الباردة.

المراجع
إريك ماغنوسون، كتاب اغتيال بالمه: المسارات العشرة (2026)

أولوف فرانستدت، كتاب صيّاد الجواسيس. الجزء الثاني: جهاز الأمن السويدي (Säpo)، جهاز الاستخبارات العسكرية (IB) وبالمه (2014)

تور فورسبيرغ، كتاب جواسيس وجواسيس يتجسسون على جواسيس (2003)

سائق تاكسي يكشف أن رئيس الشرطة هانس ميلين جاسوس

Taxichauffören avslöjar polischefen Hans Melin som spion

انتهى