شذرات عن الامام الجواد عليه السلام (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) (ح 6)

د. فاضل حسن شريف

عن العتبة العلوية المقدسة شذرات من حياة الإمام الجواد عليه السلام: إن دراسة سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تعدّ إحدى الركائز الأساسية في البناء العقائدي والفكري والسلوكي لديننا القويم، ذلك لأنهم عدل القرآن الكريم والامتداد الرسالي لمنهج النبوة، والحارس الأمين للقيم والمفاهيم الإسلامية في وجه التشويه والتحريف والضلال. إنها سيرة معصومة تكشف عن سلوك القدوة الحسنة بكل تجلياتها، وتربط المرء بالمفاهيم الإسلامية في أصالتها، وتفتح له آفاقاً جديدة في مجالات العلم والعمل والفكر والتربية والسلوك ومن هنا فإن الكتابة عنها لا تنتهي، مهما تعددت الدراسات وتنوعت أساليبها، ذلك مما يجده الباحثون من حالة التواصل مع دلالاتها التي تتسع بسعة الحياة وتستغرق كل مفرداتها، وتسير بها باتجاه حركة التكامل المطلوب على صعيد الفرد والاُمّة. والإمام الجواد الذي نتشرف بسرد موجز من حياته المباركة، كان أقصر الأئمة عمراً حينما أدركته المنية، فلقد ولد في سنة (195) هجرية وتوفي في سنة (220)، وكل عمره (25) سنة فقط. ومن هذه الناحية تكون حياة إمامنا ذات أهمية تدعو إلى البحث أكثر، حيث أن بعض البسطاء من الناس قد يستغربون إمامة فتى لم يبلغ من العمر أكثر من سبع سنوات. ومن جهة أخرى إن عصر الإمام الجواد(عليه السلام) كان من العصور الزاخرة بالأحداث المختلفة والتيارات المتفاوته التي تدعو إلى دراسته بصورة خاصة.

الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل اسمه “مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ” (التوبة 120) لما قص الله سبحانه قصة الذين تأخروا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة تبوك، ثم اعتذارهم عن ذلك، وتوبتهم منه، وأنه قبل توبة من ندم على ما كان منه لرأفته بهم، ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم، والإزراء على ما كانوا فعلوه، فقال: “ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله” ظاهره خبر، ومعناه نهي، مثل قوله: “ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله” (التوبة 120) أي: ما كان يجوز، وما كان يحل لأهل مدينة الرسول، ومن حولهم من سكان البوادي، ان يتخلفوا عنه في غزاة تبوك وغيرها، بغير عذر. وقيل: انه مزينة، وجهينة، وأشجع، وغفار، وأسلم. “ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه” (التوبة 120) أي: ما كان يجوز لهم، ولجميع المؤمنين أن يطلبوا نفع نفوسهم بتوقيتها دون نفسه، وهذه فريضة ألزمهم الله إياها لحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما دعاهم إليه من الهدى الذي اهتدوا به، وخرجوا من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. وقيل: معناه ولا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله في الحر والمشقة. يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي: ترفعت عنه، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم “ذلك” أي: ذلك النهي لهم، والزجر عن التخلف “بأنهم لا يصيبهم ظمأ” (التوبة 120) أي: عطش “ولا نصب” أي: ولا تعب في أبدانهم “ولا مخمصة في سبيل الله” (التوبة 120) أي: ولا مجاعة وهي شدة الجوع في طاعة الله “ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار” (التوبة 120) أي: لا يضعون أقدامهم موضعا يغيظ الكفار وطؤهم إياه، يعني دار الحرب، فإن الانسان يغيظه ويغضبه أن يطأ غيره موضعه “ولا ينالون من عدو نيلا” أي: ولا يصيبون من المشركين أمرا، من قتل، أو جراحة، أو مال، أو أمر يغمهم، ويغيظهم “إلا كتب لهم به عمل صالح” وطاعة رفيعة “إن الله لا يضيع أجر المحسنين” أي: الذين يفعلون الأفعال الحسنة التي يستحق بها المدح والثواب. وفي هذا تحريض على الجهاد وأعمال الخير.

جاء في کتاب مسند الإمام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام للشيخ عزيز الله العطاردي: وفي مناظرة مع المأمون يقول الشيخ العطاردي في كتابه: قال يحيى بن اكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين ان أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسئلة؟ قال له أبو جعفر عليه السلام: سل ان شئت. قال يحيى: ما تقول جعلني اللّه فداك في محرم قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: قتله في حلّ أو حرم، عالما كان المحرم أم جاهلا، قتله عمدا أو خطاء، حرّا كان المحرم أم عبدا، صغيرا كان او كبيرا، مبتدئا بالقتل أم معيدا، من ذوات الطّير كان الصّيد أم من غيرها، من صغار الصّيد كان أم من كباره، مصرّا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصّيد أم نهارا، محرما كان بالعمرة اذ قتله أو بالحج كان محرما، فتحيّر يحيى بن اكثم و بان في وجهه العجز و الانقطاع، و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس امره. فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النّعمة و التّوفيق لي في الرّأي، ثم نظر الى أهل بيته و قال لهم: أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ اقبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له: أ تخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك، فقد رضيتك لنفسي و انا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي، و ان رغم قوم لذلك، فقال أبو جعفر عليه السلام: الحمد للّه اقرارا بنعمته و لا إله الا اللّه اخلاصا لوحدانيّته و صلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته و الأصفياء من عترته. أمّا بعد فقد كان من فضل اللّه على الأنام، ان أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: “وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‌ مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ” (النور 32). ثمّ انّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون و قد بذل لها من الصّداق مهر جدّته فاطمة بنت محمد عليهما السلام، و هو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصّداق المذكور؟ قال المأمون: نعم قد زوجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصّداق المذكور، فهل قبلت النّكاح؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: قد قبلت ذلك و رضيت به، فأمر المأمون ان يقعد النّاس على مراتبهم في الخاصّة و العامّة.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ” (التوبة 120) قوله تعالى: “ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب” (التوبة 120) إلى آخر الآيتين الرغبة ميل خاص نفساني والرغبة في الشيء الميل إليه لطلب منفعة فيه، والرغبة عن الشيء الميل عنه بتركه والباء للسببية فقوله: “ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه” (التوبة 120) معناه وليس لهم أن يشتغلوا بأنفسهم عن نفسه فيتركوه عند مخاطر المغازي وفي تعب الأسفار ودعثائها ويقعدوا للتمتع من لذائذ الحياة، والظمأ العطش، والنصب التعب والمخمصة المجاعة، والغيظ أشد الغضب، والموطأ الأرض التي توطأ بالأقدام. والآية تسلب حق التخلف عن النبي صلى الله عليه واله وسلم من أهل المدينة والأعراب الذين حولها ثم تذكر أن الله قابل هذا السلب منهم بأنه يكتب لهم في كل مصيبة تصيبهم في الجهاد من جوع وعطش وتعب وفي كل أرض يطئونها فيغيطون به الكفار أو نيل نالوه منهم عملا صالحا فإنهم محسنون والله لا يضيع أجر المحسنين، وهذا معنى قوله: “ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ” (التوبة 120) إلخ.

استُشهد الإمام محمد الجواد عليه السلام في بغداد في التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 220 هـ، متأثراً بسمٍّ دُسَّ إليه بتدبير من الخليفة العباسي المعتصم، ونُفذ على يد زوجته “أم الفضل”، ودُفن إلى جانب جده الإمام موسى الكاظم عليه السلام في مدينة الكاظمية.تفاصيل شهادة الإمام الجواد عليه السلام:التاريخ: استُشهد في أواخر شهر ذي القعدة عام 220 هـ (الموافق لـ 24 نوفمبر 835 م).العمر: انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو في ريعان شبابه بعمر (25 عاماً)، مما يجعله أصغر الأئمة سناً عند استشهاده.الجاني والسبب: قام الخليفة العباسي المعتصم باستدعاء الإمام من المدينة المنورة إلى بغداد للتضييق عليه. ثم قام بتحريض ابنة أخيه “أم الفضل” (زوجة الإمام) على دس السمّ إليه بوضع السم في العنب.المدفن: وُوري جثمانه الثرى في مقابر قريش ببغداد، والتي تُعرف اليوم بمدينة الكاظمية المقدسة حيث يُقام مرقد الإمامين الكاظمين.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ” (التوبة 120) معاناة المجاهدين لا تبقى بدون ثواب: كان البحث في الآيات السابقة حول توبيخ وملامة الممتنعين عن الاشتراك في غزوة تبوك، وتبحث هاتان الآيتان البحث النهائي لهذا الموضوع كقانون كلّي. فالآية الأولى تقول: “ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ”‏ (التوبة 120) لأنّه قائد الأمّة، ورسول اللّه، ورمز بقاء وحياة الأمّة الإسلامية، وإن تركه وحيدا لا يعرض حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم للخطر فحسب، بل يعرّض دين اللّه، وكذلك وجود وحياة المؤمنين أيضا أمام الخطر الجدي. إنّ القرآن في الواقع يرغّب كل المؤمنين بملازمة النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وحمايته والدفاع عنه في مقابل كل الأخطار والعقبات باستعمال نوع من البيان والتعبير العاطفي، فهو يقول: إنّ أرواحكم ليست بأعزّ من روح النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وحياتكم ليست بأفضل من حياته، فهل يسمح لكم إيمانكم أن تدعو النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم يواجه الخطر وهو أفضل وأعز موجود إنساني، وقد بعث لنجاتكم وقيادتكم نحو الهدى وتستثقلون التضحية في سبيله حفاظا على أرواحكم وسلامتكم؟ من البديهي أنّ التأكيد على أهل المدينة وأطرافها إنّما هو لأنّ المدينة كانت مقرّ الإسلام يومئذ ومركزه المشع، وإلّا فإنّ هذا الحكم غير مختص بالمدينة وأطرافها، وغير مختص بالنّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم، فإنّ واجب كل المسلمين، وفي جميع العصور أن يحترموا ويكرموا قادتهم كأنفسهم، بل أكثر، ويبذلون قصارى جهدهم في سبيل الحفاظ عليهم، ولا يتركوهم يواجهون الصعاب والأخطار وحدهم، لأنّ الخطر الذي يحدق بهؤلاء يحدق بالأمّة جميعا. ثمّ تشير الآية إلى مكافآت المجاهدين المعدة مقابل كل صعوبة يلاقونها في طريق الجهاد، وتذكر سبعة أقسام من هذه المشاكل والصعاب وثوابها، فتقول: “ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ‏” (التوبة 120)، ومن المحتم أنّهم سيقبضون جوائزهم من اللّه‏ سبحانه، واحدة بواحدة، ف “إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ”.