ضياء ابو معارج الدراجي
ما زال بعض الساسة البريطانيين والأمريكيين يرددون، بغطرسة استعمارية مكشوفة، عبارة إنهم “سلّموا العراق للشيعة” بعد عام 2003، وكأن العراق كان ملكًا للتاج البريطاني أو ولاية أمريكية تُمنح لمن تشاء واشنطن ولندن. وهي عبارة لا تكشف فقط عن عقلية الهيمنة الغربية، بل تكشف أيضًا حجم التزوير المتعمد للتاريخ الحديث للعراق.
الحقيقة أن الأمريكان والبريطانيين لم يسلموا العراق لأحد، بل أسقطوا نظامًا انتهت وظيفته بالنسبة لهم، بعد أن استُنزف بالحروب والحصار والدمار، ثم حاولوا بناء نظام جديد يخدم المشروع الأمريكي البريطاني الصهيوني في المنطقة.
إن ما حدث بعد 2003 لم يكن “تسليمًا للشيعة”، بل رفعًا مؤقتًا لسيف الجلاد البعثي عن رقاب الأكثرية العراقية التي عانت لعقود من القتل والإعدامات والمقابر الجماعية والتهجير والقمع الطائفي والسياسي.
ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال، تشكلت “سلطة الائتلاف المؤقتة” بقيادة بول بريمر، التي تعاملت مع العراق كأرض محتلة تُدار بأوامر الحاكم العسكري الأمريكي، لا كدولة ذات سيادة.
ثم جرى تنصيب حكومة ذات توجه علماني بقيادة إياد علاوي، ضمن مشروع غربي واضح هدفه إنتاج عراق منزوع الهوية العقائدية، مرتبط بالمشروع الأمريكي الصهيوني، ومفتوح على مسارات التطبيع والمشروع الإبراهيمي الذي أرادت واشنطن وتل أبيب فرضه على المنطقة كلها تحت عناوين “السلام” و”الشرق الأوسط الجديد”.
ولم يكن أخطر ما خطط له الاحتلال شكل الحكومة فقط، بل كتابة دستور أمريكي للعراق، يُصاغ داخل غرف السفارات ومراكز الدراسات الغربية، ليضمن هيمنة طويلة الأمد على القرار العراقي، ويفتح الباب أمام مشاريع ثقافية وسياسية واجتماعية غريبة عن طبيعة المجتمع العراقي المسلم المحافظ.
لكن هنا ظهر الدور التاريخي للمرجعية الدينية العليا، ممثلة بسماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام الله ظله، الذي أفشل المشروع الأمريكي منذ بداياته، حين رفض رفضًا قاطعًا أن يكتب المحتل دستور العراق، وأصر على أن تُنتخب جمعية وطنية عراقية من الشعب لتتولى كتابة الدستور، وأن تُعرض مواده على العراقيين في استفتاء عام.
ذلك الموقف قلب المعادلة بالكامل، وأجبر الاحتلال الأمريكي البريطاني على القبول بالانتخابات وصناديق الاقتراع، رغم أنه كان يريد فرض نظام الوصاية السياسية والتعيين المباشر.
وهكذا انتُخبت الجمعية الوطنية الانتقالية برئاسة إبراهيم الجعفري، ثم صوّت العراقيون على دستور عام 2005 بإرادتهم، لا بإرادة الحاكم المدني الأمريكي.
ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة من الحرب على العراق، لأن واشنطن ولندن أدركتا أن العراق بدأ يخرج تدريجيًا من السيطرة الكاملة. فانتقل المشروع الغربي إلى مرحلة الفوضى المنظمة، وإشعال الفتنة الطائفية، وضرب النسيج الاجتماعي، وتحويل العراق إلى ساحة دم وصراع دائم.
فالتفجيرات، والاغتيالات، وتمويل الجماعات المتطرفة، وإعادة تدوير البعثيين، وإثارة الانقسام الداخلي، لم تكن أحداثًا عشوائية، بل أدوات لحرق العراق ومنعه من التحول إلى دولة مستقلة قوية.
لكن ما لم تحسب له واشنطن حسابًا، أن الشارع الشيعي الذي صبر عقودًا على بطش البعث، لم يكن مستعدًا لقبول احتلال دائم. وهنا برزت المقاومة الإسلامية المسلحة والسياسية التي خاضت معركة طويلة ضد الوجود الأمريكي.
فبينما كانت فصائل المقاومة تستنزف القوات الأمريكية عسكريًا على الأرض، كانت القوى السياسية الوطنية ترفض منح الاحتلال شرعية البقاء الدائم أو إقامة قواعد عسكرية مفتوحة.
لقد تكبدت الولايات المتحدة خسائر هائلة في العراق، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، حتى اضطرت إدارة باراك أوباما إلى سحب قواتها عام 2011، بعد فشلها في فرض اتفاقية تمنح جنودها الحصانة القانونية وقواعد دائمة داخل العراق.
ذلك الانسحاب لم يكن منحة أمريكية، بل نتيجة مباشرة للمقاومة العسكرية والسياسية والشعبية التي جعلت الاحتلال يدرك أن بقاءه أصبح مكلفًا ومستحيلًا.
ولهذا استمرت واشنطن ولندن لاحقًا بأساليب أخرى للسيطرة على القرار العراقي، عبر الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية والتدخل المباشر في تشكيل الحكومات.
وما جرى في تشكيل حكومة 2026 مثال واضح على ذلك، حين منعت الولايات المتحدة وصول فصائل المقاومة التي تمتلك الأغلبية البرلمانية إلى المناصب السيادية، عبر ضغوط وتهديدات مباشرة وغير مباشرة، شملت التلويح بتصفية شخصيات دينية وسياسية عراقية، على غرار ما حدث مع قيادات في إيران ولبنان وحتى فنزويلا، في رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لن تسمح بقيام حكومة عراقية مستقلة بالكامل عن إرادتها ومشروعها الإقليمي.
إنهم لا يريدون عراقًا سيدًا حر القرار، بل عراقًا تابعًا يدور ضمن المشروع الأمريكي الصهيوني، ويُفتح تدريجيًا على مسارات التطبيع والمشروع الإبراهيمي، ويُفرَّغ من هويته الدينية والوطنية.
لكن الحقيقة التي أثبتها العراقيون خلال أكثر من عقدين، أن هذا الشعب لا يُحكم بالإملاءات الخارجية، وأن المرجعية الدينية، والمقاومة، والإرادة الشعبية، كانت وما زالت السد الحقيقي بوجه مشاريع الهيمنة والتبعية.
فالعراق لم يكن يومًا هدية من لندن أو واشنطن، بل وطنًا انتزع أبناؤه حقهم فيه بالدم والتضحيات والصبر والمقاومة وصناديق الاقتراع.