تقاسم القطيع
بقلم : مهند سري
في آخر الليل، ومع خيوط الفجرالأولى، كان المقهى العتيق يوشك أن يغلق أبوابه.
لم يبق فيه سوى رجلين وطاولة خشبية تتوسطها منفضة سجائر امتلأت بأعقاب محترقة، كأنها سجل صغير لحوارات انتهت قبل أن تجد أجوبتها.
كان الأول يتأمل الشارع من خلف الزجاج المغبر.
قال:
ـ غريب.
لم يرد الآخر.
أعاد وهو يراقب المارة القلائل:
ـ غريب أن مدينتنا لا تعرف العصابات الكبيرة.
رفع الآخر رأسه ببطء.
ـ ومن أخبرك بذلك؟
ابتسم الأول.
ـ لو كانت موجودة لرأيناها.
نظر الآخر إلى الشارع.
توقفت سيارة سوداء عند الرصيف المقابل، ثم انطفأت أضواؤها.
قال:
ـ ليس كل ما يُرى موجوداً، وليس كل ما هو موجود يُرى.
ضحك الأول.
ـ تتحدث كأنك تروي لغزاً.
أشعل الآخر سيجارة جديدة، وبقي يحدق في الدخان وهو يصعد متكسراً نحو السقف.
ـ بل أحكي عن مدينة تعلمت فيها العصابات درساً مهماً.
ـ وما هو؟
نفث سحابة دخان طويلة.
ـ أن الاختباء مرهق.
ساد صمت قصير.
ثم قال:
ـ في الماضي كانت العصابة تهرب من الشرطي.
ثم اكتشفت أن الطريق الأسهل هو أن تمشي بجانبه.
عقد الأول حاجبيه.
ـ تقصد الرشوة؟
ـ لا.
هز رأسه ببطء.
ـ الرشوة مرحلة بدائية.
شعر الأول أن الحديث بدأ يبتعد عن المزاح.
ـ إذاً ماذا تقصد؟
مال الآخر نحوه قليلاً.
ـ تخيل ذئباً تعب من مطاردة القطيع.
ـ ثم؟
ـ ماذا يفعل؟
ـ لا أدري.
ارتسمت على وجه الآخر ابتسامة خفيفة.
ـ يرتدي ثياب الراعي.
بقيت العبارة معلقة بينهما.
في الخارج مرت صفارة بعيدة، ثم عاد الشارع إلى هدوئه المعتاد.
أعاد الأول النظر إلى الزجاج.
بدت له الوجوه العابرة متشابهة على نحو غريب.
الحارس عند الباب.
الموظف يسجل حضوره المبكر قبل زحمة الطريق.
السائق الجالس خلف المقود.
الشرطي الواقف عند التقاطع.
وجوه مختلفة، لكنها تتحرك داخل مشهد واحد لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي.
ابتلع ريقه وقال:
ـ لكن لا بد من فرق بين الراعي والذئب.
أطفأ الآخر سيجارته في المنفضة.
وقال:
ـ كان هناك فرق… قبل أن يتعلما تقاسم القطيع.
نهض من مكانه، ووضع ثمن القهوة على الطاولة، ثم غادر.
بقي الأول وحده يراقب الشارع.
في الخارج، تحركت سيارة الشرطة أولاً.
وبعدها مباشرة، تحركت السيارة السوداء.
ظل يتابعهما بعينيه حتى ابتلعتهما العتمة عند آخر الشارع.
ولم يستطع أن يعرف أيهما كانت تتبع الأخرى.