نزار حيدر
{وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ}.
النَّاسُ صِنفان؛
صِنفٌ يرى نفسهُ في الموقعِ، وآخرُ يرى الموقعُ في نفسهِ.
الأَوَّلُ يُضيفُ لهُ الموقعُ اعتباراً وقيمةً، والثَّاني يُضيفُ اعتباراً وقيمةً للمَوقعِ! وشتَّانَ بينَ الإِثنَينِ!.
فالذي يرى نفسهُ في الموقعِ ضائعٌ وتائهٌ حتَّى يظفرَ بهِ، وهوَ خالي الوِفاض من نجاحٍ أَو إِنجازٍ حتَّى ينزُو عليهِ مُعتبراً أَنَّ مُجرَّدَ وجودهِ فيهِ [إِنجازٌ] تاريخيٌّ! ولذلكَ فهو يتهالَك للحصولِ عليهِ ويخُوضُ الغمَراتِ لنيلهِ، حقّاً أَو باطلاً، فإِذا نالهُ تعاملَ بغِلظةٍ وقَسوةٍ وسوءِ أَخلاقٍ.
أَمَّا الثَّاني فلا ينشغلَ لينالهُ، لأَنَّ إِنجازاتهِ ونجاحاتهِ لا تتوقَّف عندَ حدودِ الموقعِ وعنوانهِ، فهوَ مُنتجٌ على أَيَّةِ حالٍ أَفي الموقعِ أَم خارجهِ.
والذي يرى نفسهُ في الموقعِ يتغيَّر طعمهُ وشكلهُ ولونهُ وتتغيَّر أَخلاقهُ وسلوكيَّاتهُ بمجرَّد أَن ينالهُ وكأَنَّ الموقعُ هو الذي يُحدِّد معالِمَ شخصيَّتهِ وتشكيلةِ أَخلاقهِ ومنظُومةِ سلوكيَّاتهِ.
أَمَّا الآخر فلم يتغيَّر منهُ شيئاً قبلَ حصولهِ على الموقعِ وبعدَ الحصولِ عليهِ، فالصَّادقُ الأَمينُ النَّزيهُ المُتواضعُ المُنتجُ الخدومُ لا يغيِّرهُ المَوقع ولا تبدِّلهُ المناصِب إِذا كانَ يرى الموقعُ في نفسهِ، أَمَّا الذي يرى نفسهُ فيهِ فتراهُ ينقلبُ رأساً على عقبٍ وكانَّهُ كانَ ينتظرُ حصولهُ على الموقعِ ليضعَ ثِقلَ [الأَخلاقِ] عن كاهلهِ ليعيدَ تشكيلِ شخصيَّتهِ!.
الموقعُ لا يُنقِصُ منَ الأَصيلِ ولا يُضيفُ لهُ شيئاً ولذلكَ لا يقنعهُ عنوانٌ ولا تبهرهُ تسميةٌ ولا يملأُ فراغٌ عندهُ أَكبرُ المناصبِ، كما يُشيرُ إِلى ذلكَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ؛ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
فما هي الأَسبابُ وما هي الظَّواهرُ؟!.
أَمَّا الأَسبابُ؛
*التصنُّعُ والتستُّرُ فهوَ إِذا كانَ نزيهاً مثلاً قبلَ أَن يتسنَّمَ المَوقع ثمَّ انقلبَ إِلى لصٍّ مُحترفٍ يسرقُ قوتَ الضُّعفاء، وإِذا كانَ مُتواضعاً قبلَ المنصبِ ثمَّ تحوَّلَ إِلى مُتجبِّرٍ عندما ينالَ المَوقع فهذا يعني أَنَّهُ لم يكُن بجوهرهِ وعُمقِ شخصيَّتهِ نزيهاً ومُتواضعاً وإِنَّما كانَ يتصنَّعُ كُلَّ ذلكَ حتَّى إِذا تمكَّنَ انقلبَ على ذاتهِ وبانَت حقائقَ أَخلاقهِ ومعدِنَ شخصيَّتهِ! فالاخلاقُ لم تكُن جُزءاً من شخصيَّتهِ وإِنَّما كانت أَلواناً يطلي بها سلوكيَّاتهِ!.
*التَّعاملُ مع المَوقعِ كغنيمةٍ وتشريفٍ يستعرضُ فيهِ شخصيَّتهُ ويُحقِّق فيهِ أَغراضهُ الشَّخصيَّةِ وليسَ كمَسؤُوليَّةٍ يتحمَّلها لخدمةِ المُجتمعِ بالإِجتهادِ والإِخلاصِ والتَّفاني والتَّضحيةِ.
*وكثيرٌ منهُم يتصوَّر أَنَّ الموقعَ مُلكهُ فبمجرَّد أَن ينالهُ يرفع شِعار [بعد ما ننطِيها] ويعمَل على تحقيقِ ذلكَ حتَّى لو كانَ الثَّمنُ دَمار البلد والتَّضحية بمصالحِ الشَّعبِ.
ولذلكَ فإِنَّ سلاحَ المرءُ إِذا أَرادَ أَن يحتفظَ بجوهرهِ قبلَ وبعدَ نَيلِ الموقعِ هو أَن يحمي نفسهُ من الشَّهواتِ وتحديداً شَهوة السُّلطة والمال والجِنس، فإِنَّها أَسلِحةُ إِبليس لخداعهِ لينقلبَ على جوهرهِ.
كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) للأَشترِ {وأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ ويَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّه}.
ويتحقَّقُ ذلكَ بالرَّقابةِ الذاتيَّةِ ورقابةِ القانون والرَّقابةِ المُجتمعيَّةِ [الرَّأيُ العامِّ] و [السُّلطة الرَّابعة] ولا تكفي واحدةٌ مِنها.
أَمَّا الظَّواهرُ فكثيرةٌ لعلَّ من أَخطرِها؛
*إِنقلابٌ في الأَخلاقِ والسُّلوكِ حدَّ الظُّلم ِوالعَسفِ.
فإِذا كانت أَهم أَخلاقيَّات المَوقع ثلاثةٌ وهيَ [الرَّحمة والمحبَّة واللُّطفِ] كما حدَّدها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ} فإِنَّ غيابَها في المسؤُولِ تحوِّلهُ إِلى النَّقيضِ من ذلكَ {ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ؛ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ}.
وفي النصِّ ترسيخٌ لمفهومِ المُواطنةِ، بمعنى أَنَّ من واجبِ المسؤُولِ أَن يتصرَّفَ معَ الرعيَّة على أَساسِ إِنتمائِهِم للوطنِ وليسَ بمعيارِ الإِنتماءِ الدِّيني أَو المذهبي أَو الإِثني أَو المناطقي أَو الحزبي أَو العشائري، فكُلُّ هذهِ المعايير [جاهليَّةٌ] في مفهومِ الدَّولةِ والمسؤُوليَّةِ العامَّةِ.
*ويزدادُ خطرُ الذي يرى نفسهُ في الموقعِ عندما يتصدَّى لهُ من دونِ أَن يتميَّزَ بالمعاييرِ الحقيقيَّةِ كالعلمِ والمعرفةِ والخبرةِ والتَّجربةِ والمسلكيَّةِ والإِختصاصِ والنَّزاهةِ وغيرِها إِنَّما ينزو عليهِ بمعاييرٍ جاهليَّةٍ هي الأُخرى كالولاءِ للزَّعيمِ أَو الإِنتماءِ الحزبي والعشائري أَو ما إِلى ذلكَ، فبمثلِ هذهِ الحالةِ تزدادُ شراهتهُ وشراستهُ وعدوانيَّتهُ للتشبُّثِ بالموقعِ لأَنَّهُ يعيشُ عُقدةَ الخوفِ باستمرارٍ، الخوفُ من الإِقالةِ والخوفُ من التَّنافسِ والخوفُ من المسؤُوليَّة ومن الإِستمرارِ ببقائهِ في الموقعِ.
وفي هذهِ الحالةِ سيكونُ أَلعنَ دابَّةٍ على الأَرضِ لأَنَّهُ يخالفُ قاعدةً قرانيَّةً واضحةً بهذا الصَّددِ {ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وجودهُ في الموقعِ، بهذهِ الحالةِ، تجاوزٌ على حقِّ الآخرينَ الأَكفَّاء الذينَ يستحقُّونَ الموقعِ أَكثرَ منهُ وبالتَّالي فوجودهُ فيهِ فسادٌ حسبَ الآيةِِ.
فضلاً عن ذلكَ فهوَ مصداقٌ سيِّءٌ لقولِ رسولِ الله (ص) {مَنْ تَوَلَّى مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ}.
والأَولويَّةُ لا تتحقَّق بالولاءِ وإِنَّما بالخبرةِ والكفاءةِ والقدرةِ على التَّنفيذِ.
٢٠٢٦/٦/٥