الرشوة والربا والتزوير ..آفات مجتمعية واقتصادية وشر مستطير

الرشوة والربا والتزوير آفات وشر مستطير

قال تعالى : ” وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” سورة البقرة: 188.

وقد لعن النبي محمد ﷺ” الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي” .

احمد الحاج جود الخير
حيث تعد الرشوة واحدة من أخطر الآفات الأخلاقية والمجتمعية والاقتصادية المدمرة للمجتمعات والبلدان ،وتتسبب الرشوة بغياب معايير النزاهة، وفقدان الثقة بين الناس، وخيانة الأمانة المهنية والوظيفية ،وشيوع ظواهر التزوير والتلفيق والاختلاس،وسرقة جهود الآخرين،وضياع حقوق المثابرين والناجحين والمجتهدين .
وأما عن آفة وكبيرة التزوير،فقد قرنت في الكتاب والسنة بالشرك بالله تعالى وهو من أعظم الذنوب،وفيه قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) الحج : 30
وفي التزوير رُويَ عن رسول الله ﷺ أنه قال :”ألا أُنَبِّئُكُم بأكبَرِ الكَبائِرِ؟” قالوا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قال:”الإشراكُ باللهِ،وعُقوقُ الوالِدَينِ،وكان مُتَّكِئًا فجَلَسَ فقال:ألا وقَولُ الزُّورِ، وشَهادةُ الزُّورِ، ألا وقَولُ الزُّورِ، وشَهادةُ الزُّورِ”، فما زالَ يقولُها حتَّى قُلتُ: لا يَسكُتُ. أخرجه البخاري ومسلم
ومن صور التزوير العديدة في عصر الديستوبيا القاتم: تزوير الصكوك والعملات، تزوير عقود الملكية والسندات،تزوير الأقوال والإفادات، تزوير الوثائق والمستندات،تزوير الملفات والمستمسكات والشهادات،تزوير الأنساب والأحساب،وأخطرها الانتساب زورا الى الأرومة النبوية الطاهرة والإدعاء زيفا بأنه سيد وشريف من آل البيت الكرام، كذلك شهادات وشهود الزور على أبواب المحاكم وفي أروقتها،تزوير عقود العمل والهبات والمواريث ووصايا الأموات، تزوير شهادات المنشأ وتواريخ الصنع والنفاد للأدوية والأغذية ولا سيما الأطعمة المجمدة والمعلبات، تزوير المنامات والحوادث التاريخية والقصص والمرويات والأخيرة قد وقع في حبائلها عشرات الروزخونية حتى صارت عرفا وسجية وطبعا لكثير منهم ، والذريعة الواهنة لكل واحد هي ” نحن لا نُري أعيننا ما لم تريا في الأحلام،ونحن لا نزور ولا نكذب على الصالحين والزاهدين والأئمة الأعلام، وإنما نكذب ونكذب ونكذب حتى يصدقنا الناس – تماما كما قال غوبلز – وننسج الأساطير والخرافات ونخترع المرويات التي لم يسمع بها آباؤنا من قبل نصرة لهم !!” .

أما عن تحريم الإسلام للربا فقال تعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” سورة البقرة : (278)
كما لعن النبي ﷺ : ” آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه” ، حيث حرم الإسلام الربا بأنواعه لما يسببه من استغلال حاجة الناس الملحة، وزيادة معدلات الفقر،واستفحال ظاهرة البطالة ،وانتشار الظلم الاجتماعي،وتكريس التمايز الطبقي،واثارة البغضاء والعداوات بين أبناء المجتمع الواحد،وارتفاع الاسعار ، وفقدان روح التعاون والتراحم بينهم اضافة الى إثقال كاهل المدينين لصالح الدائنين ،وعدم القدرة على تسديد الدين الأصلي ولسنين طويلة وذلك لتراكم الفوائد السنوية المترتبة عليه ما يؤدي الى سجن الكثير من المدينين وفقدانهم لوظائفهم وتدمير لأسرهم ، أو مصادرة أموال وأملاك آخرين منهم،أو الحجر عليها، أو استغلالهم في أعمال منافية للآداب والاخلاق مقابل الدين الذي لايمكنهم سداده بسبب الربا ولعل مسرحية شكسبير الشهيرة ” تاجر البندقية ” قد لخصت جانبا مهما من آفات الربا ولا إنسانيته عبر التاريخ متمثلة بتاجرها المرابي”شايلوك”.
ولهذا فإن الدول التي تريد العيش بسلام محافظة على شعوبها وعلى سيادتها وأمنها واستقلالها عادة ما تتجنب أخذ القروض الربوية قدر الإمكان،فيما تلجأ كثير منها الى خفض أسعار الفائدة ،أو تصفيرها لتحريك خطط البناء والصناعة والاستثمار داخليا .
وسبق لعالم الاقتصاد الفرنسي موريس ألايس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988،وبهدف إعادة التوازن والتخفيف من حدة الأزمات المالية العالمية ،أن اقترح ” تعديل سعر الفائدة إلى حدود الصفر،ومراجعة معدل الضريبة إلى ما يقرب من 2%” مضيفا،أن “العديد من المفاهيم أسفرت عن انتشار سمعة النظام الرأسمالي على أنه يسمح بالإحتكار أو المقامرة أو استعباد الناس أو الخلل في توزيع الثروة و تركيزها بيد ثلة من رجال الأعمال والاقطاعيين ما يؤدي الى فقر الشعوب وأخيرا سيطرة الدائنين على المدينين “.
الى ذلك دعا العديد من رؤساء الدول بما فيها الصناعية الكبرى مرارا الى خفض معدل الفائدة الى 1% ،أو الى تصفير الفائدة لتحريك السوق المحلي وتلافي الانهيار الاقتصادي السريع خشية حدوث أزمة مماثلة لأزمة الكساد العظيم بين 1929 – 1939، ومثلها أزمة عام 2008 بسبب الديون المتراكمة ، وعلى خلفية الفوائد البنكية الربوية العالية التي أسفرت عن إفلاس البنوك لعدم قدرة المدينين على سدادها بوجود ظاهرتي التضخم والغلاء .
وأما الخبير الاقتصادي العالمي بيتر شيف،كبير الاقتصاديين في”يوروباك”،فقد حذر من أزمات مصرفية عالمية محتملة نتيجة إثقال كاهل البنوك بالديون طويلة الأجل،منخفضة الفائدة ” .
ومعلوم بأن رفع أسعار الفائدة الربوية على القروض مع خفض أسعار السندات عادة ما يؤدي الى الانكماش، وأما خفض الفائدة الربوية عليها فيؤدي الى التضخم ، ولا بد من تصفير الفائدة للعيش بسلام بعيدا عن مطرقة الانكماش ،وسندان التضخم واعتماد ما يعرف بسياسة ” الغُرمِ بالغُنمِ ” أو المشاركة في الربح والخسارة المتمثلة بـ المضاربة، والاستصناع، والمرابحة، والشراكة، والإجارة، اضافة الى اعتماد ” القرضة الحسنة ” بدون فوائد، وتفعيل جباية وادارة أموال الزكاة وتنمية استثمارات الأوقاف الخيرية والصدقة،ودعم القطاع العام، ولا سيما في مجال الصحة والنقل والتعليم والخدمات،علاوة على تشجيع القطاع المختلط وكان الخبير الاقتصادي روبرت كيوساكي، قد حذر في وقت قريب من خطر إفلاس البنوك العالمية ،وضياع مدخرات المودعين من العملات الورقية بعد رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، وبما وضع البنوك في حالة من التوتر الشديد بينما يتدهور الاقتصاد العالمي يوميا في إطار معركة البنوك المركزية ضد التضخم،ناصحا الجميع بضرورة”البقاء بعيدًا عن البنوك التي تنهار،وسحب الأموال منها، وحماية ثرواتهم من خلال الاستثمار في الأموال الحقيقية المتمثلة بالمعادن الثمينة كالذهب والفضة”. أودعناكم أغاتي