د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: عن نزول آية كمال الدين: ونظيره الرواية بوجه رواية أخرى رواها أيضا في الدر المنثور، عن أحمد عن علقمة بن عبد الله المزني قال: حدثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينعت الإسلام؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الإسلام بدئ جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسيا ثم بازلا. قال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان. فهذه الروايات كما ترى تروم بيان أن معنى نزول الآية يوم عرفة إلفات نظر الناس إلى ما كانوا يشاهدونه من ظهور أمر الدين واستقلاله بمكة في الموسم، وتفسير إكمال الدين وإتمام النعمة بصفاء جو مكة ومحوضة الأمر للمسلمين يومئذ فلا دين يعبد به يومئذ هناك إلا دينهم من غير أن يخشوا أعداءهم ويتحذروا منهم. وبعبارة أخرى المراد بكمال الدين وتمام النعمة كمال ما بأيديهم يعملون به من غير أن يختلط بهم أعداؤهم أو يكلفوا بالتحذر منهم دون الدين بمعنى الشريعة المجعولة عند الله من المعارف والأحكام، وكذا المراد بالإسلام ظاهر الإسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل. وإن شئت فقل: المراد بالدين صورة الدين المشهودة من أعمالهم، وكذا في الإسلام، فإن هذا المعنى هو الذي يقبل الانتقاص بعد الإزدياد. وأما كليات المعارف والأحكام المشرعة من الله فلا يقبل الانتقاص بعد الإزدياد الذي يشير إليه قوله في الرواية: (أنه لم يكمل شيء قط إلا نقص) فإن ذلك سنة كونية تجري أيضا في التاريخ والاجتماع بتبع الكون، وأما الدين فإنه غير محكوم بأمثال هذه السنن والنواميس إلا عند من قال: إن الدين سنة اجتماعية متطورة متغيرة كسائر السنن الاجتماعية. إذا عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا: أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا يصدق عليه قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) وقد مر بيانه. وثانيا: أنه كيف يمكن أن يعد الله سبحانه الدين بصورته التي كان يتراءى عليها كاملا وينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلو الأرض من ظاهر المشركين، وكون المجتمع على ظاهر الإسلام فارغا من أعدائهم المشركين، وفيهم من هو أشد من المشركين إضرارا وإفسادا، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية والتسرب في داخل المسلمين، وإفساد الحال، وتقليب الأمور، والدس في الدين، وإلقاء الشبه، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرض لذلك آيات جمة من القرآن كسورة المنافقين وما في سور البقرة والنساء والمائدة والأنفال والبراءة والأحزاب وغيرها. فليت شعري أين صار جمعهم؟ وكيف خمدت أنفاسهم؟ وعلى أي طريق بطل كيدهم وزهق باطلهم؟ وكيف يصح مع وجودهم أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم، وإتمام ظاهر النعمة عليهم، والرضا بظاهر الإسلام بمجرد أن دفع من مكة أعداءهم من المسلمين، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطرا وأمر أثرا وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم: “هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ” (المنافقون 4). وكيف يمتن الله سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه، أو يذكر نعمه بالتمام وهي مشوبة بالنقمة، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه وقد قال تعالى: “وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدا” (الكهف 51) وقال في المنافقين: ولم يرد إلا دينهم “فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ” (التوبة 96) والآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيد شيئا من الإكمال والإتمام والرضا ولا الدين والإسلام والنعمة بجهة دون جهة. فإن قلت: الآية ـ كما تقدمت الإشارة إليه إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه قوله تعالى: “وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً” (النور 55). فالآية كما ترى تعدهم بتمكين دينهم المرضي لهم، ويحاذي ذلك من هذه الآية قوله: “أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) وقوله: “وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً” (المائدة 3) فالمراد بإكمال دينهم المرضي تمكينه لهم أي تخليصه من مزاحمة المشركين، وأما المنافقون فشأنهم شأن آخر غير المزاحمة، وهذا هو المعنى الذي تشير إليه روايات نزولها يوم عرفة، ويذكر القوم أن المراد به تخليص الأعمال الدينية والعاملين بها من المسلمين من مزاحمة المشركين.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: روايات نزول آية التبليغ: وفي تفسير المنار: روى أهل التفسير المأثور والترمذي وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي والطبراني عن بضعة رجال من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية فلما نزلت ترك الحرس، وكان أبو طالب أول الناس اهتماما بحراسته، وحرسه العباس أيضا. وفيه،: ومما روي في ذلك عن جابر وابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم حتى نزلت الآية ـ فقال: يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من يبعث. أقول: و الروايتان كما ترى تدلان على أن الآية نزلت في أواسط إقامة النبي صلى الله عليه وآله بمكة وأنه صلى الله عليه وآله بلغ رسالته زمانا واشتد عليه أمر إيذاء الناس وتكذيبهم حتى خاف على نفسه منهم فترك التبليغ والدعوة فأمر ثانيا بالتبليغ، وهدد من جانب الله سبحانه، ووعد بالعصمة، فاشتغل ثانيا بما كان يشتغل به أولا، وهذا شيء يجل عنه ساحة النبي صلى الله عليه وآله. وفي الدر المنثور، وفتح القدير: أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله يحرس حتى نزلت: “وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” (المائدة 67) فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. أقول: والرواية كما ترى ظاهرة في نزولها بالمدينة. وفي تفسير الطبري، عن ابن عباس: في قوله: “وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ” (المائدة 67) يعني إن كتمت آية أنزل إليك لم تبلغ رسالته. أقول: إن كان المراد به آية معينة أي حكم معين مما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وآله فله وجه صحة، وإن كان المراد به التهديد في أي آية فرضت أو حكم قدر فقد عرفت فيما تقدم أن الآية لا تلائمه بمضمونها.
قال علي بن الحسين عليه السلام فيها كلمتي التمام والكمال: (مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وأدب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العزّ، واستثمار المال تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلًا وآجلًا). وعنه عليه السلام (اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلّا أصلحتها، ولا عائبةً أؤنّبُ بها إلّا حسّنتها، ولا اكرومة فيَّ ناقصة إلّا أتممتها). جاء في الدعاء (واليك ارغب في لباس العافية وتمامها، وشمول السلامة ودوامها). وفي دعاء ابي حمزة الثمالي (واجعلني ممن أطلت عمره وحسّنتَ عمله وأتممت عليه نعمتك). قال أمير المؤمنين عليه السلام (الحلم تمام العقل). قوله تعالى “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة 3) وهي آية اكمال الدين. من خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن زيد بن أرقم قال: حديث الغدير: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات فقُمِمْن، فقال: (كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض). ثم قال: (إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن). ثم أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه فقال: (من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه). جاء في كتاب في رحاب العقيدة للمؤلف السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: مناشدة أمير المؤمنين علي عليه السلام بحديث الغدير: فقد روى أحمد بن حنبل، عن حسين بن محمد وأبي نعيم المعنى، قالا: حدثنا فطر، عن أبي الطفيل، قال: (جمع عليّ رضي الله عنه الناس في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام. فقام ثلاثون من الناس، وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فهذا مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فخرجت وكأن في نفسي شيئ، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إني سمعت علياً رضي الله تعالى عنه يقول كذا وكذ. قال: فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك له).
عن تفسير الثعلبي، قال: قال جعفر بن محمد: معنى قوله”يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67) في فضل علي، فلما نزلت هذه أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. وعنه، بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: في هذه الآية قال: نزلت في علي بن أبي طالب، أمر الله النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغ فيه فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وفي تفسير البرهان، عن إبراهيم الثقفي بإسناده عن الخدري، وبريدة الأسلمي ومحمد بن علي: نزلت يوم الغدير في علي. ومن تفسير الثعلبي، في معنى الآية قال: قال أبو جعفر محمد بن علي: معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي. في الدر المنثور: عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن عنترة قال: لما نزلت”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وآله ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال: صدقت. قال الإمام الرضا عليه السلام: مثل المؤمنين في قبولهم ولاء أمير المؤمنين في يوم غدير خم كمثل الملائكة في سجودهم لآدم، ومثل من أبى ولاية أمير المؤمنين في يوم الغدير مثل إبليس. رواية الغدير التي تشمل عبارة (أنت ولي كل مؤمن من بعدي) الذي أخرجها جملة من أعلام أهل السنّة والجماعة، منهم: 1.ابن حبان في صحيحه. 2.الترمذي في سننه، 3.النسائي في سننه الكبرى، 4.أحمد بن حنبل في مسنده.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الغدير (الحمد للّه و نستعينه و نؤمن به، و نتول عليه، و نعوذ به من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلّ، و لا مضلّ لمن هدى، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. مّا بعد: أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبيّ إلّا مثل نصف عمر الذي قبله، و إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، و إني مسئول و أنتم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلّغت و نصحت و جهدت فجزاك اللّه خيرا. قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلّا اللّه، و أن محمّدا عبده و رسوله، و أن جنّته حقّ، و ناره حقّ، و أن الموت حقّ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللّهم اشهد، ثمّ قال: أيّها الناس ألا تسمعون؟ قالوا: نعم. ثمّ ساد الجوّ صمت عميق، و لم يسمع فيه سوى أزيز الرياح. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين). فنادى مناد: و ما الثقلان، يا رسول اللّه؟ قال: الثقل الأكبر كتاب اللّه طرفّ بيد اللّه عزّ و جلّ، و طرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلّوا، و الآخر الأصغر عترتي، و إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا. ثمّ أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، و عرفه القوم أجمعون، فقال: أيّها النّاس: من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: إنّ اللّه مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، يقولها ثلاث مرات، و في لفظ الإمام أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات. ثمّ قال: (اللّهم و ال من والاه، و عاد من عاداه، و أحبّ من أحبّه، و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب). ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي” (المائدة 3) الآية. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (اللّه أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضى الرّب برسالتي و الولاية لعلي من بعدي). ثمّ طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين عليه السّلام و ممن هنّأه أبو بكر و عمر كلّ يقول: بخّ بخّ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة. و قال ابن عباس: وجبت و اللّه في أعناق القوم.
ويستطرد الشيخ الشيرازي قائلا: 3- و روى الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي هريرة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ آية “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) نزلت عقيب حادثة غدير خم و العهد بالولاية لعلي عليه السّلام و قول عمر بن الخطاب: (بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مسلم). و جاء في كتاب الغدير إضافة إلى الروايات الثلاث المذكورة، ثلاث عشرة رواية أخرى في هذا المجال. ورود في كتاب «إحقاق الحق» نقلا عن الجزء الثّاني من تفسير ابن كثير من الصفحة 14 و عن كتاب مقتل الخوارزمي في الصفحة 47 عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ هذه الآية نزلت في واقعة غدير خم. و نرى في تفسير البرهان و تفسير نور الثقلين عشر روايات من طرق مختلفة حول نزول الآية في حق علي عليه السّلام أو في يوم غدير خم، و نقل كل هذه الروايات يحتاج إلى رسالة منفردة. و قد ذكر العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه المراجعات أن الروايات الصحيحة المنقولة عن الإمامين الباقر و الصّادق عليهما السّلام تقول بنزول هذه الآية في يوم غدير خم و إنّ جمهور السنّة أيضا قد نقلوا ستة أحاديث بأسانيد مختلفة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تصرح كلها بنزول الآية في واقعة غدير خم. يتّضح ممّا تقدم أنّ الروايات و الأخبار التي أكّدت نزول الآية موضوع البحث في واقعة غدير خم ليست من نوع أخبار الآحاد لكي يمكن تجاهلها، عن طريق اعتبار الضعف في بعض أسانيدها، بل هي أخبار إن لم تكن في حكم المتواتر فهي على أقل تقدير من الأخبار المستفيضة التي تناقلتها المصادر الإسلامية المشهورة. و مع ذلك فإنّنا نرى بعضا من العلماء المتعصبين من أهل السنّة كالآلوسي في تفسير روح المعاني الذي تجاهل الأخبار الواردة في هذا المجال لمجرّد ضعف سند واحد منها، و قد وصم هؤلاء هذه الرواية بأنّها موضوعة أو غير صحيحة، لأنّها لم تكن لتلائم أذواقهم الشخصية، و قد مرّ بعضهم في تفسيره لهذه الآية مرور الكرام و لم يلمح إليها بشيء، كما في تفسير المنار، و لعل صاحب المنار وجد نفسه في مأزق حيال هذه الروايات فهو إن وصمها بالضعف خالف بذلك منطق العدل و الإنصاف، و إن قبلها عمل شيئا خلافا لميله و ذوقه.