من يحمي المنبر الديني ممن يصعد إليه؟

رياض سعد

قد يظن بعض الناس أن نقد الخطيب الديني هو انتقاص من الدين نفسه، بينما الحقيقة أن التفريق بين (قداسة الرسالة) وأخطاء من يتصدرها ؛ هو أول شروط الإصلاح… ؛  فالدين لا يُقاس بأخطاء أتباعه، كما أن المنبر لا يكتسب حصانة مطلقة لمجرد أن من يقف عليه يرتدي زيًا دينيًا… ؛  ومن حق المجتمع، بل من واجبه، أن يسأل: من يحمي المنبر الديني ممن يسيء إليه؟

وقد ورد في بعض الآثار أن النبي محمد  رأى في المنام قومًا ينزون على منبره نزو القردة … ؛ أن في ذلك الأثر تحذيرًا من تسلّق غير الأكفاء للمنابر واستغلالها لتحقيق الأهواء والمصالح، فإن هذه الظاهرة لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة.

 فما أكثر من اعتلى المنابر الدينية أو الإعلامية أو السياسية وهو يفتقر إلى العلم والحكمة والأهلية، فيملأ الأسماع صخبًا، ويملأ العقول ضجيجًا، ويستبدل لغة الحوار بخطاب التحريض والكراهية، فتغدو المنابر، التي أُريد لها أن تكون مناراتٍ للهداية والإصلاح، أدواتٍ لإثارة الفتن وتمزيق المجتمع وتسفيه المخالفين.

وحين يُسلَّم أمر المنابر إلى غير أهلها، يرتفع الضجيج ويغيب المنطق، وتعلو الأصوات بينما تخفت الحجج، ويصبح الخطاب سوقًا للمزايدات والشتائم بدل أن يكون منبرًا للحكمة والموعظة الحسنة، فيصدق فيهم قول كتاب القران الكريم : ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتَّبع أمَّن لا يهدي إلا أن يُهدى﴾.

لقد أصبحت بعض المنابر مفتوحة أمام أشخاص لا يمتلكون من أدوات الخطابة سوى الصوت المرتفع، ولا من أدوات العلم سوى بعض الروايات المبتورة، ولا من وسائل الإقناع سوى السباب والاتهامات وإثارة الغرائز والنعرات الجاهلية… ؛  وهؤلاء لا يصنعون وعيًا، وإنما يصنعون جمهورًا غاضبًا، ولا يبنون مجتمعًا، وإنما يعمقون الانقسام داخله.

والخطورة لا تكمن في شخص الخطيب وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالاستمرار… ؛  فالقنوات الفضائية التي تبحث عن نسب المشاهدة، والجهات السياسية التي تستثمر الخطاب الطائفي، والمؤسسات التي تغض الطرف عن التجاوزات، كلها تشارك – بدرجات متفاوتة – في صناعة هذه الأزمة… ؛  فالمنبر لا ينحرف في يوم واحد، وإنما ينحرف عندما يغيب معيار الكفاءة، ويحل محله معيار الولاء أو الشعبية أو القدرة على إثارة الجدل.

ومن المؤسف أن بعض المؤسسات الدينية تتشدد في شروط الاجتهاد والإفتاء، لكنها لا تضع بالصرامة نفسها معايير واضحة لمن يخاطب ملايين الناس عبر المنابر والشاشات… ؛  مع أن أثر الخطيب قد يكون، في بعض الأحيان، أوسع من أثر الفقيه؛ لأن كلماته تصل مباشرة إلى عامة الناس، وتشكل وعيهم وسلوكهم، وربما تؤثر في السلم الأهلي أكثر مما تؤثر فيه الفتاوى المتخصصة.

إن الخطابة ليست مجرد موهبة في الإلقاء، بل مسؤولية علمية وأخلاقية ووطنية… ؛  ولذلك فإن من يتصدى لها ينبغي أن يجمع بين سلامة العقيدة، ورجاحة العقل، وسعة الاطلاع، وأدب الحوار، والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع والدولة… ؛  أما من يجعل المنبر وسيلة للتحريض أو لتصفية الخصومات أو لخدمة أجندات سياسية أو خارجية، فإنه يفرغ الرسالة الدينية من مضمونها الأخلاقي، ويحولها إلى أداة للصراع.

وليس المقصود من الدعوة إلى تنظيم المنبر فرض الوصاية على الفكر أو مصادرة حرية التعبير، فحرية الرأي من أسس المجتمعات السليمة… ؛  لكن الحرية لا تعني أن يتحول المنبر الديني إلى مساحة مفتوحة للتحريض على الكراهية، أو لإهانة الناس، أو لإثارة الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد… ؛  فالفرق كبير بين حرية النقد، وبين خطاب يهدد التماسك الاجتماعي والسلم الاهلي ويشرعن الإقصاء والعنف اللفظي.

ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى وضع معايير مهنية وأخلاقية واضحة لمن يتصدر الخطابة العامة، منها:

* امتلاك الحد الأدنى من التأهيل العلمي الرصين.

* الالتزام بأدب الحوار والابتعاد عن السباب والتشهير والقذف.

* احترام الدستور والقانون ووحدة العراق وسيادته.

* الامتناع عن التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز بين المواطنين.

* الفصل بين وظيفة المنبر الديني والصراعات الحزبية والإقليمية.

* إخضاع الخطاب الإعلامي للمساءلة القانونية إذا تجاوز حدود القانون وحقوق الآخرين.

فهيبة المنبر الديني لا تُصان بالصمت عن المسيئين، وإنما بحماية رسالته من الابتذال، كما تُصان هيبة القضاء بمعاقبة القاضي الفاسد، وهيبة الطب بمحاسبة الطبيب المهمل، وهيبة الجامعة باستبعاد الأستاذ غير المؤهل.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن المجتمعات التي تسمح لخطاب الكراهية بالانتشار تدفع ثمنه سنوات طويلة من الانقسام والعنف، بينما المجتمعات التي تكرم أصحاب الفكر المعتدل والخطاب الرصين تنجح في بناء الثقة بين مكوناتها… ؛  والعراق، بعد كل ما مر به من حروب وإرهاب وصراعات داخلية، لا يحتمل مزيدًا من المنابر التي تستثمر في الانقسام.

إن المنبر الحسيني، بما يمثله من تاريخ وتأثير روحي وثقافي، أكبر من أن يتحول إلى منصة للسباب أو منبر للدعاية السياسية أو وسيلة لتقديس الخارج والطعن في أبناء الوطن… ؛  فهو منبر قام في الأصل دفاعًا عن الحق والعدل وكرامة الإنسان، لا لتغذية الخصومات أو صناعة العداوات.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن حماية الدين لا تكون بحماية كل من يتحدث باسمه، وإنما بحماية قيمه… ؛  وأن الدفاع عن المذهب لا يكون برفع أصوات الغاضبين، بل بإعلاء أصوات العلماء والحكماء وأصحاب الخلق الرفيع… ؛  فالأمم تُعرف بأفضل نماذجها، لا بأسوأها، والدين يبقى عظيمًا بأخلاقه، لا بضجيج من يدّعون احتكاره.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع، من المرجعيات والمؤسسات الدينية والإعلامية والدولة والمجتمع: هل نريد منبرًا يصنع مواطنًا صالحًا، أم منبرًا يصنع خصومًا يتبادلون الكراهية؟

 إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الخطاب الديني، وربما شكل العراق في العقود القادمة.