*في زمن الفرز الكبير عندما تُستهدف الهوية وتُختبر إرادة الأمة*

بقلم: الكاتبة/*عفاف فيصل صالح*

في صفحات التاريخ الكبرى، هناك لحظات لا تُقاس بالأيام والسنوات، بل تُقاس بحجم التحولات التي تصنعها في وعي الشعوب، وبمقدار ما تكشفه من حقائق كانت مختبئة خلف ستائر التضليل والزيف. إنها لحظات الفرز الحقيقي؛ حيث تتساقط الأقنعة، وتظهر المشاريع على حقيقتها، ويصبح الإنسان أمام سؤال مصيري: أين يقف؟ ومع أي مشروع يمضي؟ ولأي قيم ينتمي؟

الأمة الإسلامية اليوم تعيش مرحلة من أكثر المراحل حساسية وخطورة، مرحلة تتجلى فيها طبيعة الصراع بصورة واضحة، فلم يعد الأمر مجرد خلافات سياسية أو تنافس على مصالح عابرة، بل أصبح صراعًا على الهوية، وعلى الوعي، وعلى منظومة القيم التي تشكل روح الإنسان وحضارته.

فالمخططات التي تستهدف المنطقة لا تتحرك فقط عبر الحروب العسكرية، بل تمتد إلى ساحات أكثر خطورة؛ إلى الوعي والعقول والثقافة والقيم، في محاولة لإعادة تشكيل الإنسان، وفصله عن جذوره، وإبعاده عن هويته، وتحويل الشعوب إلى كيانات فاقدة للإرادة، سهلة الانقياد أمام مشاريع الهيمنة والسيطرة.

أخطر ما تواجهه الأمة ليس فقط قوة السلاح الذي يمتلكه المعتدون، بل محاولات صناعة إنسان مستسلم، يقبل بالظلم، ويتعايش مع الاحتلال، ويبرر العدوان، ويعتبر التبعية قدرًا لا مفر منه. فالحروب تبدأ أحيانًا من الميدان، لكنها تُحسم أولًا في ميدان الوعي.

لقد أثبت التاريخ أن القوى الاستعمارية لا تدخل إلى الشعوب من بوابة القوة وحدها، بل تبحث دائمًا عن ثغرات داخلية: عن ضعف في الوعي، أو انقسام في الصف، أو فقدان للثقة بالذات، حتى تتمكن من تمرير مشاريعها تحت عناوين براقة وشعارات خادعة.

ومن هنا تأتي خطورة المشروع الصهيوني الذي لا ينظر إلى المنطقة باعتبارها مجموعة دول منفصلة، بل باعتبارها مساحة استراتيجية يسعى للهيمنة عليها، وتغيير واقعها السياسي والثقافي والحضاري بما يخدم أطماعه التوسعية.

الحديث عن تغيير الشرق الأوسط ليس مجرد شعار سياسي عابر، بل هو عنوان لمشروع يستهدف إعادة رسم المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى، وتحويل الشعوب من أصحاب قرار إلى تابعين، ومن أمم ذات تاريخ وحضارة إلى أدوات في خدمة مشاريع الآخرين.

لكن التاريخ يعلمنا حقيقة ثابتة: أن الشعوب التي تتمسك بهويتها وقيمها لا يمكن اقتلاعها بسهولة، وأن الأمم التي تعرف موقعها في التاريخ لا تستطيع قوى الاستكبار مهما امتلكت من أدوات أن تلغي إرادتها.

لقد كانت فلسطين ولا تزال القضية التي تكشف حقيقة المواقف، لأنها ليست مجرد أرض محتلة، بل أصبحت رمزًا لمعركة كبرى بين منطق الهيمنة ومنطق التحرر، بين من يريد فرض واقع بالقوة، ومن يتمسك بحق الإنسان في الحرية والكرامة.

وما يجري في فلسطين يكشف للعالم حجم التناقض بين الشعارات التي ترفعها بعض القوى وبين ممارساتها على الأرض، حيث تتكشف يومًا بعد يوم حقيقة منظومة لا تتردد في استخدام القوة والدمار والتجويع لتحقيق أهدافها.

وفي مقابل ذلك، تبقى مسؤولية الأمة واضحة: أن تستعيد وعيها، وأن تدرك أن قوتها الحقيقية ليست فقط في امتلاك الإمكانات المادية، بل في امتلاك الإرادة، والتمسك بالمبادئ، والقدرة على رفض الخضوع.

الأمة التي تفقد وعيها تفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها، أما الأمة التي تستعيد بصيرتها فإنها قادرة على تحويل المحن إلى نقاط انطلاق، وتحويل التحديات إلى فرص للنهوض.

فالمعركة الكبرى اليوم ليست فقط معركة حدود وجغرافيا، بل معركة معنى وهوية ووجود. ومن ينتصر في معركة الوعي يمتلك القدرة على صناعة المستقبل.

وفي زمن الفرز الكبير، لا تبقى المواقف رمادية، فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين وقفوا في منطقة الانتظار، بل يحفظ أصحاب المبادئ، وأصحاب المواقف، وأصحاب القضايا التي انتصروا لها بصدق وثبات.

فالأمم العظيمة لا تُقاس بما تملك من قوة فقط، بل بما تملك من كرامة، وما تحمله من رسالة، وما تستطيع أن تقدمه من ثبات أمام العواصف.