سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (8)
رياض سعد
مقدمة
من أكثر الأسئلة تداولاً في النقاشات التاريخية والهووية المتعلقة ببلاد الرافدين والشام: أين ذهبت الشعوب القديمة التي سكنت هذه البلاد؟
وأين اختفى السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والآراميون؟ وهل حلّ العرب محلّهم بعد أن انقرضوا أو أُبيدوا بالكامل؟
ينطلق هذا السؤال من افتراض خاطئ شائع، مفاده أن الشعوب التاريخية تختفي بالضرورة كما اختفت الديناصورات لتحل محلها شعوب أخرى مختلفة كلياً في الدم والأصل والوجود…!!!
غير أن الدراسات الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم السكان تشير إلى حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ إن الشعوب نادراً ما تنقرض بصورة كلية، بل تتحول هوياتها الثقافية واللغوية والدينية عبر الزمن، بينما تستمر الكتلة البشرية الأساسية في العيش على الأرض نفسها جيلاً بعد جيل.
وتُعد بلاد الرافدين من أبرز الأمثلة العالمية على هذه الظاهرة، كونها إحدى أقدم البقاع المأهولة بالسكان بصورة متواصلة منذ آلاف السنين.
* استمرارية السكان وتبدل الهويات
يفرق علم الأنثروبولوجيا بين مفهوم “السكان” (Population) ومفهوم “الهوية” (Identity)… ؛ فالسكان قد يستمرون بيولوجياً في المكان نفسه لآلاف السنين، بينما تتغير هوياتهم السياسية أو الدينية أو اللغوية عدة مرات خلال تلك الفترة.
فالشخص الذي كان يُعرف في زمن ما بأنه أكدي قد يصبح بعد قرون بابلياً، ثم آرامياً، ثم عربياً، دون أن يعني ذلك اختفاء سلالته البشرية أو مجيء شعب جديد كلياً ليحل محله.
إن التاريخ لا يعرف قطيعات مطلقة بقدر ما يعرف عمليات تراكم واندماج وتحول مستمرة.
* بلاد الرافدين: حضارة متواصلة لا أرض خالية
تمثل بلاد الرافدين إحدى أقدم مراكز الاستقرار البشري في العالم، إذ شهدت نشوء الزراعة والمدن والدول الأولى منذ الألف التاسع قبل الميلاد تقريباً.
ومنذ ذلك التاريخ تعاقبت على هذه الأرض تسميات سياسية وثقافية متعددة:
* السومريون.
*العيلاميون
* الأكديون.
* العموريون.
* الآشوريون.
* البابليون.
* الكلدانيون.
* الآراميون.
* العرب.
غير أن هذه التسميات لا تعني بالضرورة ظهور شعوب جديدة بالكامل أو اختفاء شعوب سابقة بالكامل، بل تعكس في كثير من الأحيان تحولات سياسية وثقافية ولغوية داخل البيئة السكانية نفسها.
فالأكديون والبابليون والآشوريون كانوا ينتمون إلى فضاء حضاري متداخل، كما أن الآرامية انتشرت تدريجياً كلغة مشتركة في المنطقة دون أن تؤدي إلى استبدال كامل للسكان.
وعندما انتشرت العربية لاحقاً، حدث تحول لغوي واسع النطاق مشابه لما حدث سابقاً مع الآرامية، فأصبحت العربية لغة الأغلبية، بينما استمرت الكتلة السكانية المحلية في العيش على الأرض نفسها.
* أين ذهب النبط؟: الأنساب المتخيلة وإعادة تشكيل الهوية الاجتماعية
والشيء بالشيء يُذكر، فقد رُوي أن شاعراً عربياً قدم إلى العراق في أحد العصور الساسانية، فراح يسأل الناس عن أصولهم وأنسابهم، ففوجئ بأن معظم من التقاهم كانوا ينتسبون إلى كسرى بن قباذ … ؛ ولمّا رأى هذا الإفراط في الانتساب إلى الملوك والسلاطين الفرس ، أطلق عبارته الساخرة التي تناقلتها المصادر بألفاظ متقاربة:
**”كلُّ من ألقى يدّعي أنه من ولد كسرى بن قباذ، فليت شعري أين النبط؟”**
ولا تكمن أهمية هذه الرواية في دقتها التاريخية بقدر ما تكمن في دلالتها الاجتماعية. فالشاعر لم يكن يبحث حقيقةً عن النبط، بل كان يسخر من ظاهرة نفسية واجتماعية متكررة في التاريخ البشري، وهي ظاهرة انتساب الناس إلى القوى الغالبة والأسر الحاكمة، والتنصل من أصولهم الاجتماعية الحقيقية عندما تتغير موازين القوة والهيبة.
فالنبط الذين يقصدهم الشاعر لم يكونوا جماعة صغيرة هامشية، بل كانوا يشكلون قطاعاً واسعاً من سكان العراق التاريخيين، حتى إن لفظة “النبط” استُخدمت في كثير من المصادر الإسلامية للدلالة على السكان الزراعيين المستقرين في سواد العراق، أي على الكتلة السكانية المحلية التي كانت تمثل العمود الفقري للمجتمع الرافديني.
ومن هنا جاء تساؤله الاستنكاري: إذا كان الجميع اليوم من أبناء كسرى، فأين ذهب هؤلاء النبط الذين كانت البلاد تعج بهم؟ وكيف اختفوا فجأة من سجلات الأنساب؟!
إن الشاعر يدرك أن الشعوب لا تتبخر في الهواء، وأن الجماعات البشرية لا تختفي بين ليلة وضحاها، وإنما تتبدل الأسماء والهويات والانتماءات تبعاً للتحولات السياسية والاجتماعية. فالذي كان بالأمس نبطياً أو آرامياً أو عراقياً محلياً قد يصبح فارسياً بالانتساب الثقافي، أو عربياً باللسان، أو تركياً بالولاء السياسي، دون أن يعني ذلك تبدل جوهر الكتلة السكانية نفسها.
وتكشف هذه الحكاية عن حقيقة أنسابية واجتماعية راسخة، وهي أن كثيراً من الأنساب المتداولة في المجتمعات التقليدية لم تكن دائماً تعبيراً عن حقائق بيولوجية خالصة، بل كانت في أحيان كثيرة تعبيراً عن المكانة الاجتماعية والرغبة في الاقتراب من مراكز القوة والنفوذ. ولذلك نجد أمماً كثيرة عبر التاريخ نسبت نفسها إلى الفاتحين والملوك والأبطال، بينما ظلت الكتلة السكانية الأصلية قائمة في موطنها تمارس حياتها الطبيعية.
ومن هذا المنظور يصبح سؤال الشاعر: **”أين النبط؟”** سؤالاً فلسفياً بقدر ما هو سؤال تاريخي؛ لأنه يفضح الميل الإنساني الدائم إلى الهروب من الأصول المتواضعة والاحتماء بالأنساب اللامعة… ؛ فالشعوب لا تختفي، ولكن أسماءها تتغير، وهوياتها تتبدل، أما الإنسان نفسه فيبقى في أرضه يحمل ذاكرة أجداده وإن نسي أسماءهم. (1)
وهنالك حادثة تمثل قصة سياسية شهيرة (أو طريفة) متداولة في التاريخ السياسي العراقي ، تعكس حالة الانقسام والتبدل الأيديولوجي السريع في الشارع العراقي خلال فترة عقد الستينيات … ؛ عندما زار الرئيس العراقي الأسبق الطرطور الطائفي عبد السلام عارف مصر في مطلع الستينات والتقى بالرئيس جمال عبد الناصر، دار بينهما الحوار التالي:
عبد الناصر: كم عدد الشيوعيين في العراق؟
عبد السلام عارف: 8 ملايين .
عبد الناصر (مستغرباً): “وكم عدد القوميين إذن؟”
عبد السلام عارف: “8 ملايين. “
عبد الناصر: “وكم عدد البعثيين ؟”
عبد السلام عارف: “8 ملايين .”
عبد الناصر (مندهشاً): “آيه ده؟ أمال عدد العراقيين كلهم كام؟!”
عبد السلام عارف: “8 ملايين؛ لكن إذا أردتهم أن يكونوا شيوعيين فهم شيوعيون، وإذا أردتهم قوميين فهم قوميون، وإذا أردتهم بعثيين فهم بعثيون.”
كان الهدف من إجابة عارف إبراز طبيعة الشعب العراقي وقدرته العالية على التكيف والاندفاع خلف أي تيار سياسي يسيطر على الحكم، فضلاً عن تداخل الولاءات السياسية في تلك الحقبة المضطربة… .
* التعريب ليس استبدالاً سكانياً
من الأخطاء الشائعة تصور أن انتشار اللغة العربية يعني انتقال ملايين البشر من الجزيرة العربية إلى العراق والشام وإحلالهم محل السكان الأصليين.
فالتجارب التاريخية تثبت أن اللغات كثيراً ما تنتشر دون أن يصاحبها استبدال سكاني واسع.
فالمصريون القدماء لم يختفوا عندما أصبحت العربية لغتهم اليومية، وكذلك لم يختفِ سكان المغرب العربي عندما تعربت المنطقة، ولم ينقرض سكان بلاد الرافدين عندما أصبحت العربية لغة الأغلبية.
كما لم تتحول الشعوب الأفريقية الناطقة بالفرنسية إلى شعب فرنسي، وكما لم يصبح جميع الناطقين بالإسبانية في أمريكا اللاتينية إسباناً”، لأن أمريكا اللاتينية شهدت بالفعل هجرات واستيطاناً أوروبياً واسعاً وامتزاجاً سكانياً كبيراً، بينما بقيت أفريقيا في معظمها محتفظة بكتلتها السكانية الأصلية رغم انتشار اللغات الأوروبية فيها… ؛ وهذا يجعل المثالين مفيدين لتوضيح أن اللغة ليست دليلاً قاطعاً على الأصل العرقي أو الاستمرارية السكانية.
لقد حدثت هجرات عربية بالفعل، كما حدثت هجرات فارسية وتركية وكردية وأرمنية وغيرها عبر التاريخ، لكن هذه الهجرات اندمجت في محيط سكاني محلي ضخم كان موجوداً قبلها بآلاف السنين.
وفضلاً عن ذلك، يذهب عدد من الباحثين والمؤرخين إلى أن بلاد الرافدين كانت من أقدم المواطن التي استقرت فيها الجماعات العربية أو التي أسهمت في تشكل الهوية العربية المبكرة، مستندين إلى جملة من الشواهد التاريخية والحضارية… ؛ فوفقاً للرواية التوراتية والإسلامية الشائعة، وُلد النبي إبراهيم في أرض الرافدين، ومنها بدأت رحلته التاريخية، كما يرتبط النبي إسماعيل – الذي يُعد في الموروث العربي والإسلامي الجد الأعلى للعرب المستعربة – بهذه السلسلة الحضارية التي انطلقت جذورها من العراق القديم.
كما تكشف المصادر التاريخية عن حضور عربي راسخ في بلاد الرافدين قبل الإسلام بقرون طويلة، إذ قامت على أرض العراق عدة ممالك وإمارات عربية بارزة، من أشهرها مملكة الحضر في شمال العراق، ومملكة ميسان في الجنوب، ودولة المناذرة في الحيرة، فضلاً عن القبائل العربية الكثيرة التي انتشرت في بادية العراق وأطرافه منذ عصور سابقة للميلاد.
ولم يكن العراق مجرد موطن لعبور القبائل العربية أو استقرارها المؤقت، بل كان أحد أهم مراكز الثقل السياسي والثقافي للعرب قبل الإسلام… ؛ فقد حفظت لنا المصادر أخبار ملوك العرب وأشرافهم وزعمائهم وشعرائهم الذين اتخذوا من العراق مقراً أو موطناً دائماً لهم، حتى أصبحت الحيرة إحدى أهم الحواضر العربية في المشرق، ومركزاً ثقافياً وأدبياً سبق ظهور الإسلام بقرون.
ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن الوجود العربي في العراق لم يكن ظاهرة طارئة نتجت عن الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، بل كان امتداداً تاريخياً عميقاً سبق ذلك بقرون عديدة… ؛ فالفتح الإسلامي أدى إلى تعزيز الطابع العربي للبلاد وتسريع عملية التعريب اللغوي والثقافي، لكنه لم يخلق الوجود العربي من العدم، إذ كانت القبائل والممالك العربية جزءاً أصيلاً من المشهد السكاني والسياسي لبلاد الرافدين قبل الإسلام بزمن طويل.
ومن هنا يرى هؤلاء الباحثون أن العلاقة بين العرب وبلاد الرافدين ليست علاقة هجرة متأخرة أو استيطان عابر، بل علاقة تاريخية ضاربة في القدم، تداخلت فيها العناصر الرافدينية والجزرية والسامية ضمن فضاء حضاري واحد، أسهم عبر آلاف السنين في تشكيل الهوية الثقافية والإنسانية للمشرق العربي.
وعلى هذا الأساس، فإن تصوير العراق وكأنه أرض خالية من السكان ملأها القادمون من الجزيرة العربية بعد الفتح الإسلامي يتعارض مع معطيات التاريخ والآثار وعلم السكان… ؛ فالعراق كان منذ فجر الحضارة أرضاً عامرة بالشعوب والمجتمعات المتعاقبة، وكانت الجماعات العربية إحدى مكونات هذا النسيج البشري قبل الإسلام بوقت طويل، شأنها شأن الآراميين والكلدان والآشوريين وغيرهم من شعوب المشرق القديم.
ثم إن العلاقة بين العرب والنبط كانت، في كثير من مراحل التاريخ، علاقة تداخل وتجاور وامتزاج أكثر مما كانت علاقة انفصال وتمايز حاد… ؛ فبحسب بعض روايات النسابين والمؤرخين القدماء، يُنسب العرب والنبط معاً إلى الأصول السامية القديمة، بل إن بعض المرويات التراثية تجعلهم جميعاً منحدرين من ذرية النبي إسماعيل أو من دوائر نسبية متقاربة ضمن الشعوب السامية .
وبغض النظر عن مدى دقة هذه المرويات من الناحية العلمية الحديثة، فإن الثابت تاريخياً أن العرب والنبط عاشوا قروناً طويلة في فضاء جغرافي واحد امتد من العراق وبلاد الشام إلى الجزيرة العربية والبحرين، وتشاركوا في كثير من الأنماط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، مما جعل الحدود الفاصلة بينهم مرنة ومتغيرة عبر الزمن.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تشهد المنطقة عمليات متواصلة من الاستعراب والاستنباط والتداخل السكاني والثقافي… ؛ فكم من جماعات نبطية تبنت اللغة العربية واندمجت تدريجياً في المحيط العربي حتى أصبحت تُعد جزءاً من القبائل العربية، وكم من قبائل عربية استقرت في البيئات النبطية والزراعية وتأثرت بعاداتها وأساليب حياتها ولغاتها المحلية.
وقد كان العراق – والبحرين التابعة للعراق وقتذاك – على وجه الخصوص مسرحاً واسعاً لهذا التفاعل الحضاري… ؛ فبحكم موقعه الجغرافي وكونه مركزاً تجارياً وزراعياً وحضارياً منذ أقدم العصور، تداخلت فيه العناصر العربية والنبطية والآرامية وغيرها من شعوب المشرق القديم إلى درجة يصعب معها رسم حدود فاصلة صارمة بين هذه المكونات.
وينطبق الأمر نفسه على البحرين التاريخية، التي كان مفهومها الجغرافي القديم يشمل أجزاء واسعة من شرق الجزيرة العربية، حيث تداخلت القبائل العربية بالسكان المحليين منذ عصور مبكرة، ونشأت مجتمعات هجينة ثقافياً ولغوياً يصعب اختزالها في هوية أحادية مغلقة.
ومن هنا فإن تصوير العرب والنبط بوصفهم جماعتين منفصلتين تماماً لا ينسجم مع الواقع التاريخي للمشرق القديم… ؛ فالتاريخ يكشف عن شبكة واسعة من التفاعل والتصاهر والتبادل اللغوي والثقافي بينهما، حتى إن كثيراً من التسميات التي استُعملت في المصادر القديمة كانت تعبر أحياناً عن أنماط حياة أو أوضاع اجتماعية أو انتماءات سياسية أكثر مما تعبر عن فروق عرقية ثابتة بالمعنى الحديث.
ولعل هذا ما يفسر اختفاء بعض الأسماء التاريخية وبقاء السكان أنفسهم؛ فالنبطي الذي استعرب لغوياً وثقافياً لم يختفِ من الوجود، والعربي الذي استقر في البيئات النبطية وتأثر بها لم يفقد جذوره، بل إن الجميع أسهموا في تشكيل البنية البشرية والحضارية التي نشأت منها مجتمعات العراق وبلاد الشام وشرق الجزيرة العربية عبر القرون.(2)
* شواهد عالمية على استمرار الشعوب رغم تبدل هوياتها
إن ظاهرة تغير الهوية دون تغير السكان ليست حكراً على العراق أو المشرق، بل هي قاعدة عالمية تكاد تشمل معظم أمم الأرض.
* فرنسا
كان سكان فرنسا القدماء من الكلتيين المعروفين بالغاليين… ؛ ثم خضعوا للرومان وتبنوا اللغة اللاتينية، ثم امتزجوا مع القبائل الجرمانية الفرنجية.
ومع ذلك لا يقول أحد إن الشعب الفرنسي الحالي حل محل الغاليين بالكامل، بل يُنظر إليه بوصفه الامتداد التاريخي للسكان أنفسهم بعد تحولات ثقافية وسياسية متعاقبة.
* إسبانيا
شهدت إسبانيا تعاقب الإيبيريين والرومان والقوط الغربيين والعرب والبربر، لكن سكانها الحاليين هم حصيلة تراكم تاريخي طويل لا شعب جديد منفصل عن كل ما سبقه.
* تركيا
معظم سكان الأناضول قبل العصر السلجوقي لم يكونوا أتراكاً، بل كانوا يونانيين وأرمن وآراميين وشعوباً أخرى… ؛ ومع انتشار اللغة والثقافة التركية أصبح سكان الأناضول أتراكاً ثقافياً ولغوياً، دون أن يعني ذلك استبدالاً ديموغرافياً كاملاً.
نعم , من الأمثلة البارزة على ظاهرة استمرارية السكان وتبدل الهويات ما حدث في الأناضول… ؛ فالدولة التركية الحديثة تُنسب ثقافياً ولغوياً إلى الشعوب التركية القادمة من آسيا الوسطى، غير أن غالبية سكان الأناضول المعاصرين لا يمثلون امتداداً بيولوجياً خالصاً لتلك القبائل المهاجرة، بل هم حصيلة قرون طويلة من التفاعل والامتزاج بين الوافدين الأتراك وبين السكان المحليين الذين سبق وجودهم في المنطقة، من يونانيين وأرمن وشعوب أناضولية وقوقازية وبلقانية متعددة.
ولهذا يلاحظ الباحثون أن الملامح الجسدية السائدة لدى كثير من الأتراك المعاصرين تبدو أقرب إلى ملامح شعوب شرق البحر المتوسط وجنوب أوروبا والبلقان منها إلى الصورة النمطية المرتبطة بشعوب السهوب الآسيوية في أواسط آسيا كالمغول والتتار.
ولا يعود ذلك إلى اختفاء الأتراك القادمين من الشرق، بل إلى أن عملية “التتريك” (Turkification) كانت في جانب مهم منها عملية لغوية وثقافية وسياسية شملت أعداداً كبيرة من سكان الأناضول الأصليين الذين تبنوا اللغة التركية والهوية التركية عبر القرون.
وبذلك أصبحت تركيا مثالاً واضحاً على أن الهوية القومية واللغة لا تتطابق دائماً مع الأصل البيولوجي أو السلالة الوراثية… ؛ فالأتراك المعاصرون يتحدثون لغة تركية وينتمون إلى ثقافة تركية، لكن تكوينهم السكاني يعكس تاريخاً طويلاً من الامتزاج بين شعوب متعددة استوطنت الأناضول على مدى آلاف السنين.
وهذه الظاهرة ليست استثناءً تركياً، بل تكاد تكون قاعدة عامة في التاريخ الإنساني؛ إذ كثيراً ما تنتشر اللغات والهويات السياسية والثقافية بين السكان المحليين من دون أن يصاحب ذلك استبدال سكاني شامل… ؛ فالأناضول تتحدث التركية اليوم، كما تتحدث أمريكا اللاتينية الإسبانية، وتتحدث أجزاء واسعة من أفريقيا الفرنسية أو الإنجليزية، لكن ذلك لا يعني أن السكان الأصليين اختفوا أو انقرضوا، بل يعني أن الهويات واللغات تتغير، بينما تستمر الكتل البشرية الأساسية في أوطانها عبر الزمن.
* إيران
تعرضت إيران لتحولات لغوية ودينية كبرى، من الزرادشتية إلى الإسلام، ومن لغات قديمة متعددة إلى الفارسية الحديثة، ومع ذلك استمرت الكتلة السكانية الأساسية في العيش على الأرض نفسها.
* مصر
يُعد المصريون المعاصرون الامتداد الطبيعي لسكان وادي النيل القدماء رغم تغير اللغة من المصرية القديمة إلى القبطية ثم العربية، ورغم التحول الديني من المعتقدات الفرعونية إلى المسيحية ثم الإسلام.
* العرب في المشرق: تطور تاريخي لا قطيعة حضارية
تشير المصادر التاريخية إلى أن الوجود العربي في العراق والشام لا يبدأ مع الفتح الإسلامي فقط، بل يسبقه بقرون طويلة كما اسلفنا .
فقد عرفت المنطقة ممالك عربية عديدة مثل:
* مملكة الحضر في العراق.
* مملكة الحيرة.
* مملكة ميسان.
* دولة الأنباط في الأردن وجنوب الشام.
* دولة الغساسنة في بلاد الشام.
وكان العرب جزءاً من النسيج السكاني والحضاري للمشرق قبل الإسلام بزمن طويل، شأنهم شأن الآراميين والكلدان والآشوريين وغيرهم.
لذلك فإن التحول اللاحق نحو هوية عربية أوسع لم يكن نتيجة إحلال شعب مكان شعب، بقدر ما كان نتيجة تفاعل طويل بين مكونات متجاورة ومتداخلة داخل المجال الحضاري نفسه.
* إشكالية التصنيفات الاستشراقية
لقد ساهم بعض الباحثين الغربيين في القرنين التاسع عشر والعشرين في تكريس رؤية تفصل شعوب المشرق إلى وحدات جامدة ومنعزلة، وكأن كل تسمية تاريخية تمثل شعباً منفصلاً بيولوجياً عن التسمية التي سبقتها.
غير أن الواقع التاريخي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالحدود الفاصلة بين الأكدي والبابلي والآشوري والآرامي والعربي لم تكن دائماً حدوداً عرقية صارمة، بل كانت في كثير من الأحيان تعبيراً عن دول أو لغات أو انتماءات سياسية وثقافية متغيرة.
ومن ثم فإن فهم تاريخ المنطقة يقتضي النظر إليها بوصفها فضاءً حضارياً متصلاً شهد تحولات متعاقبة، لا سلسلة من الشعوب المنقرضة التي استُبدلت بأخرى.
* خاتمة
إن السؤال عن “اختفاء” شعوب بلاد الرافدين ينطلق غالباً من تصور غير دقيق لطبيعة التاريخ البشري… ؛ فالشعوب لا تنقرض عادةً بقدر ما تتغير أسماؤها ولغاتها وأديانها وهوياتها السياسية… ؛ أما الكتلة السكانية الأساسية فتظل في الغالب متجذرة في أرضها عبر القرون.
وعليه، فإن سكان العراق المعاصرين ليسوا وافدين حلّوا محل سكان البلاد القدماء، بل يمثلون في جانب كبير منهم الامتداد التاريخي والإنساني لتلك الجماعات التي عاشت على أرض الرافدين منذ فجر الحضارة، بعد أن مرت بسلسلة طويلة من التحولات الثقافية واللغوية والدينية التي عرفتها جميع أمم العالم تقريباً.
ومن هذا المنظور، فإن تاريخ العراق لا يُفهم بوصفه تاريخ شعوب متعاقبة انقرض بعضها وحل محلها البعض الآخر، بل بوصفه تاريخ مجتمع إنساني عريق حافظ على استمراريته السكانية، بينما أعاد تشكيل هويته مرات عديدة عبر آلاف السنين.
………………………………………………………………………..
- ومن الناحية التاريخية، ينبغي التنبيه إلى أن كلمة “النبط” في المصادر الإسلامية لم تكن تعني دائماً شعباً واحداً محدد الأصل، بل كانت تُستعمل غالباً للدلالة على سكان العراق الزراعيين المحليين، ولا سيما الناطقين بالآرامية، أي أنها كانت توصيفاً اجتماعياً وثقافياً لسكان السواد العراقي أكثر من كونها اسماً لعرقٍ مستقل بالمعنى الحديث… ؛ وهذا ما يجعل عبارة الشاعر ذات قيمة كبيرة في نقاش استمرارية سكان بلاد الرافدين وتحول هوياتهم عبر العصور.
- نعم ذهب البعض الى : إن العروبة نفسها في المشرق كانت حصيلة عملية تاريخية طويلة من التفاعل بين القبائل العربية والجماعات الآرامية والنبطية وسكان العراق والشام المحليين، بحيث أصبح من الصعب في كثير من الأحيان الفصل بين العنصر العربي والعنصر النبطي أو الآرامي فصلاً عرقياً حاداً… ؛ وهذه الفكرة أقرب إلى ما تقوله دراسات التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا الحديثة عن تشكل الهويات الجماعية.