ليس الجهل في ذاته هو ما يرهق التعامل بين الناس، فالبشر جميعًا يشتركون بدرجات متفاوتة من نقص المعرفة، ولا أحد يملك الإحاطة الكاملة بكل شيء. ما يحدد درجة قابلية هذا الجهل للتحمل هو شيء آخر أكثر عمقًا وخطورة: الطريقة التي يُدار بها هذا النقص في المعرفة داخل شخصية الإنسان.
يمكن التعامل مع الجهل حين يكون صاحبه نزيهًا. فالشخص النزيه، رغم محدودية معرفته، لا يتعمد تزوير الحقيقة، ولا يدّعي ما لا يعرفه، ولا يحوّل رأيه إلى حقيقة مطلقة. هذا النوع من الأشخاص يترك مساحة للحوار، لأن هدفه ليس الانتصار لفكرته، بل الوصول إلى فهم أفضل. لذلك فإن جهله، رغم وجوده، يظل قابلًا للتعايش، لأن صدقه مع نفسه ومع الآخرين يجعل من الممكن تصحيح الخطأ دون صدام أو تعقيد.
في المقابل، يصبح الجهل عبئًا ثقيلًا حين يفقد صاحبه النزاهة. هنا لا يعود النقص في المعرفة المشكلة الأساسية، بل يصبح جزءًا من سلوك يرفض الاعتراف بالنقص أصلًا. فبدل أن يكون الجهل حالة يمكن تجاوزها بالتعلم، يتحول إلى حالة تُستخدم لتبرير المواقف وتثبيت القناعات مهما كانت بعيدة عن الواقع.
الجاهل غير النزيه لا يتعامل مع الحقيقة بوصفها هدفًا، بل بوصفها مادة قابلة للتشكيل. فإذا كانت الحقيقة لا تخدم رأيه تجاهلها، وإن عارضته حاول إعادة تفسيرها، وإن كانت واضحة أمامه سعى إلى الالتفاف عليها. ومع مرور الوقت، لا يعود النقاش معه نقاشًا حول صحة الأفكار، بل يصبح صراعًا مع إنكار متكرر لكل ما لا يتوافق مع موقفه المسبق.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فحين يجتمع الجهل مع غياب النزاهة، لا يصبح الإنسان مجرد شخص محدود المعرفة، بل يصبح شخصًا مغلقًا أمام المعرفة نفسها. وهذا ما يجعل التعامل معه مرهقًا؛ لأن كل محاولة للتوضيح تُقابل بمقاومة، وكل دليل يُعامل كأنه تهديد، وكل مراجعة تُفهم على أنها ضعف أو هزيمة.
أما الجهل المصحوب بالنزاهة، فهو حالة مختلفة تمامًا. إنه جهل يعترف بحدوده، ولا يزاحم المعرفة، ولا يدّعي امتلاكها. ولذلك يمكن بناء حوار معه، ويمكن توجيهه، ويمكن تصحيحه دون أن يتحول النقاش إلى مواجهة شخصية. فالنزاهة هنا تعمل كمساحة أمان تسمح بمرور الحقيقة حتى لو كان الطريق إليها غير مكتمل.
ومن هذا المنظور يمكن فهم الفارق الجوهري بين حالتين متشابهتين ظاهريًا لكنهما متناقضتان في الجوهر: شخص يجهل ويبحث عن الفهم، وشخص يجهل ويرفض الفهم. الأول يمكن أن يتحول إلى متعلم بسهولة نسبيًا، لأن داخله استعدادًا للاعتراف والتعديل. أما الثاني فيغلق الباب أمام أي احتمال للتطور، لأنه يستبدل المعرفة بالموقف، والحقيقة بالانحياز.
ولهذا لا يكون الجهل هو ما يحدد مدى صعوبة التعامل مع الإنسان، بل مدى صدقه في التعامل مع جهله. فحين يكون الجهل صادقًا يصبح قابلًا للتحمل، بل وقابلًا للتجاوز. أما حين يفقد الصدق، فإنه يتحول إلى حالة صلبة تقاوم التصحيح، وتجعل كل حوار معها استنزافًا طويلًا بلا نهاية واضحة.
في النهاية، يمكن القول إن الجهل وحده ليس المشكلة، ولا النزاهة وحدها هي الحل، لكن اجتماع الجهل مع النزاهة يخلق حالة بشرية قابلة للتعامل والتطوير، بينما اجتماع الجهل مع انعدام النزاهة يخلق حالة يصعب معها أي حوار منتج أو أي تصحيح ممكن.
علي جاسم ياسين