رياض سعد
**كيف تحولت الهواجس الاستخبارية إلى معادلة سياسية هجينة طويلة الامد ؟
من الصعب فهم تاريخ العراق الحديث من دون فهم الطريقة التي نظرت بها بريطانيا إلى المجتمع العراقي بعد احتلاله خلال الحرب العالمية الأولى… ؛ فالدول الاستعمارية لا تبني سياساتها على العواطف أو المبادئ المعلنة بقدر ما تبنيها على حسابات الأمن والمصالح والاستخبارات.
ولهذا لم تنظر بريطانيا إلى العراقيين بوصفهم شعباً واحداً متجانساً، بل نظرت إليهم بوصفهم جماعات وقوى ومصالح يمكن إدارتها وإعادة ترتيبها بما يخدم المشروع الإمبراطوري البريطاني في المنطقة... ؛ وانطلاقا من القاعدة الاستعمارية الخبيثة : فرق تسد .
كانت بريطانيا قد خرجت من الحرب العالمية الأولى وهي تدرك أن السيطرة المباشرة على العراق مكلفة وخطيرة… ؛ فقد واجهت مقاومة واسعة منذ السنوات الأولى للاحتلال، وبلغت ذروتها في ثورة العشرين التي كبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة وأثبتت أن حكم العراق بالقوة العسكرية المباشرة لن يكون أمراً سهلاً أو مستداماً.
ومن هنا بدأ البحث عن صيغة بديلة: دولة عراقية تحمل شكلاً وطنياً، لكنها ترتبط عملياً بالمصالح البريطانية عبر شبكة من الخونة والعملاء و التحالفات السياسية والإدارية والعسكرية… ؛ ولم يكن اختيار الملك فيصل الأول منفصلاً عن هذا التصور البريطاني الخبيث… ؛ فقد رأت بريطانيا في المشروع الهاشمي وسيلة مناسبة لإقامة سلطة محلية قادرة على إدارة البلاد ضمن الإطار الاستراتيجي الذي رسمته لندن.
لكن المشكلة التي واجهت صناع القرار البريطاني كانت أكثر تعقيداً من مجرد اختيار ملك غريب … ؛ فقد كان عليهم تحديد النخب الهجينة والغريبة التي ستدير الدولة الهجينة الجديدة. وهنا برز دور الضباط والموظفين والإداريين الذين خرجوا من رحم الدولة العثمانية – بقايا العثمنة – أو من البيئة السياسية المرتبطة بالثورة العربية الكبرى – العملاء الذين قاتلوا مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية المسلمة – .
وكان كثير من هؤلاء قد تعاونوا مع المشروع البريطاني خلال الحرب أو بعدها، الأمر الذي جعلهم أكثر قبولاً لدى سلطات الانتداب.
لقد أرادت بريطانيا حكومة عربية – بالاسم – تدير العراق، لكنها في الوقت نفسه أرادت حكومة يمكن مراقبتها والتأثير عليها… ؛ ولذلك أُلحِق المستشارون البريطانيون بمختلف الوزارات والمؤسسات الحيوية، بحيث بقيت القرارات الكبرى مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالإرادة البريطانية.
أما في الجانب الاستخباري، فقد كانت التقارير البريطانية تنظر إلى المجتمع الشيعي العراقي بعين الريبة والحذر… ؛ فالقرب الجغرافي والديني بين شيعة العراق وإيران أثار مخاوف بعض المسؤولين البريطانيين الذين بالغوا أحياناً في تصوير الشيعة باعتبارهم أكثر قابلية للتأثر بالنفوذ الإيراني… ؛ وقد انعكس هذا التصور في كثير من المراسلات والتقديرات السياسية خلال مرحلة تأسيس الدولة.
وفي المقابل، وجدت بريطانيا في بعض النخب السنية العثمانية السابقة شريكاً أكثر ملاءمة لإدارة الدولة الناشئة… ؛ ولم يكن السبب انتماءها المذهبي بحد ذاته بقدر ما كان ارتباطها بالمؤسسات الإدارية والعسكرية التي ورثتها الدولة الجديدة، إضافة إلى علاقاتها السابقة مع دوائر الحكم والبيروقراطية.
غير أن النتائج العملية لهذه السياسات خلقت اختلالاً عميقاً في التوازن الوطني… ؛ فشرائح واسعة من العراقيين، ولا سيما في الجنوب والفرات الأوسط، شعرت بالغبن والمظلومية لأنها هي التي ساهمت في الدفاع عن البلاد وهي صاحبة المقاومة الوطنية و ثورة العشرين … ؛ ومع ذلك فأن وجودها في الحكومة لا يعكس وزنها الحقيقي في مؤسسات السلطة… ؛ ومع مرور الزمن تحول هذا الشعور إلى مصدر دائم للتوتر السياسي والاحتقان الاجتماعي.
لقد ارتكبت بريطانيا خطأً استراتيجياً حين تعاملت مع العراق من خلال هواجس السيطرة أكثر مما تعاملت معه من خلال منطق بناء الأمة الوطنية الواحدة … ؛ فبدلاً من السعي إلى دمج المكونات العراقية المختلفة ضمن مشروع وطني متوازن، جرى الاعتماد على معادلات أمنية واستخبارية قصيرة المدى… ؛ وكانت النتيجة أن الدولة العراقية ولدت وهي تحمل داخلها شعوراً متبادلاً بالشك وعدم الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.
والحقيقة أن الاستعمار البريطاني لم يخترع الانقسامات المذهبية والقومية في العراق، فهي كانت موجودة قبله بقرون، لكنه استثمرها وأعاد توظيفها سياسياً بما يخدم استقرار النظام الهجين الذي أنشأه… ؛ وهنا تتجلى القاعدة الاستعمارية الشهيرة: ليس ضرورياً أن تصنع الانقسام، يكفي أحياناً أن تديره وأن تستفيد منه.
ومنذ ذلك الوقت بدأت تتشكل معادلة سياسية ستترك آثارها لعقود طويلة… ؛ فكلما ضعفت الهوية الوطنية الجامعة، ازدادت أهمية الهويات الفرعية… ؛ وكلما شعرت جماعة بأنها مستبعدة من السلطة، ازداد تمسكها بانتماءاتها الخاصة… ؛ وهكذا دخل العراق في دورة معقدة من الشكوك المتبادلة والصراعات السياسية التي سترافق تاريخه الحديث بأشكال مختلفة.
إن المشكلة الكبرى لم تكن في وجود سنة أو شيعة أو عرب أو أكراد داخل الدولة العراقية، فالتنوع ليس لعنة بحد ذاته… ؛ بل كانت المشكلة في أن الدولة الحديثة تأسست منذ البداية على أسس هجينة منكوسة مشبوهة و غير متوازنة، وأن الاعتبارات الأمنية والاستخبارية طغت على اعتبارات المواطنة والشراكة الوطنية.
ولعل أخطر ما في السياسات الاستعمارية أنها لا تنتهي بخروج المستعمر… , فالجيوش قد ترحل، والرايات قد تتغير، لكن البنى التي تُنشأ في لحظة التأسيس قد تستمر لعقود طويلة… ؛ ولهذا فإن كثيراً من أزمات العراق اللاحقة لا يمكن فهمها بمعزل عن تلك اللحظة التاريخية التي قررت فيها بريطانيا أن تدير العراق باعتباره مسألة أمنية، لا مشروعاً وطنياً جامعاً لجميع أبنائه.
لقد رحلت بريطانيا منذ زمن بعيد، لكن الأسئلة التي تركتها ما زالت حاضرة: كيف بُنيت الدولة؟
ومن اختار نخبها؟
ولماذا شعر بعض العراقيين بأنهم أقرب إلى السلطة من غيرهم؟
وكيف تحولت الحسابات الاستخبارية المؤقتة إلى حقائق سياسية واجتماعية استمرت آثارها جيلاً بعد جيل؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست استدعاءً للماضي من أجل الثأر منه، بل محاولة لفهم الجذور العميقة لأزمة الدولة العراقية الحديثة، ولإدراك أن الأوطان لا تُبنى بالولاءات الضيقة ولا بالمعادلات الاستعمارية، بل بالمواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها.