كمال فتاح حيدر
تألمت كثيرا عندما علمت بعودة كبير اللصوص مباشرة من مكة المكرمة إلى قصره المنيف في أجمل بقاع أوروبا الشرقية بعد أداءه مناسك الحج والعمرة. كان من المقرر ان يعود إلى العراق، لكن الذين فرضوه علينا بقوة السلاح نصحوه باغلاق هواتفه كلها، والصعود على متن طائرته الخاصة كي تحمله الى شواطئ الدانوب أو إلى ضفاف نهر الراين. .
هو الآن يستنشق هواء روسيا القيصرية، ويتناول فطوره الصباحي على أنغام موزارت. . أطباق لذيذة من كل الأصناف تقدمها حسناء اوكرانية ممشوقة القوام، إذا تقوم يضوع المسك اصورة والزنبق الورد من أردانها شملُ. قوارير وأكواب مع باقات من زهور التوليب فوق طاولة بلورية قرب نافذة تطل على مشارف البحر الأسود حيث الماء والخضراء والوجه الحسن. .
يرتدي الآن بجامته الحريرية بألوانها الزاهية، واسمه منقوش بالخط الإفرنجي على محارم ناصعة البياض. اشبه بعلامة BMW (شاف ما شاف . . شاف ؟؟؟؟ واخترع). يتناول القشطة اليونانية بالزبدة الدنماركية والعسل السويسري. ولا ضير من تناول رشفة من النبيذ الكتلوني المعتق. إذا ذاق فاها قال طعم مدامةٍ. معتقة مما تجيءُ به التجر. .
تشطح به الذاكرة أحياناً إلى اليوم الذي كان يعمل فيه سائق لوري (نص حمل) بدشداشته (الكودري) الممزقة، أو عندما كان يقود الباص القديم (OM)، حيث يتحرك مترنحاً بلا فرامل صوب القرى المتناثرة بين الحبيبية والحسينية. .
يتذكر بلم (الچينكو) الذي كان يعبر به النهر وصولا إلى مرسى زوارق الزعفرانية. .
لم تفارق توابل (تاج محل). قدور كبسة البرياني تفوح منها روائح الهند والسند، يلتهمها بشراهة كل يوم تقريبا تحت أشجار القيقب. .
أما أنا فتوجهت حافي القدمين في اليوم الاول من شهر محرم الحرام إلى مقبرة السلام كي ازور الشهداء المعدومين ظلما وعدوانا، فأراهم يفركون راحاتهم ندما بعدما ضحوا باعمارهم من أجل أن يتربع شعيط ومعيط فوق صدورنا. أكرر قول الشاعر موفق محمد: (طبتُم موتاً، فما زال أطفالكم يشحذون في الإشارات الضوئية، ونساؤكم يتقوسنَ بين التقاعدِ والعقار، وأمهاتكم في آخر صيحاتِ الموت. تلالٌ من العباءات السود تطيرُ نائحةً إلى السماء). .
اما الذين كانوا يرتدون جلباب الورع والتقوى، ويتظاهرون بالذود عن حقوقنا المسلوبة، فلم نعد نراهم إلا عند هبوب رياح الانتخابات الموسمية، فنمد أيادينا داخل صناديق الأفاعي بحثا عن سمكة أو بحثا عن عصفور من عصافير أهوار الجنوب، فتلدغنا الثعابين من الجحر نفسه مرات ومرات ومرات . .