جديد

بمناسبة ذكرى عاشوراء: بنو أمية أعداء النبي وآله (ح 4)

د. فاضل حسن شريف

عن بنو أميّة، مَن هُم بنو أميّة؟ يقول الشيخ محمد حسين المظفر قدس سره: يفصح القرآن الكريم معلناً بقوله: “وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس والشجرة الملعونة في القرآن” (الاسراء 60) ويحدّثنا التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنّ النبي رأى في المنام أنّ قردة تنزو على منبره فأعلمه جبرئيل أنهم بنو أُميّة يتغلّبون على الأمر فيتنازون على منبره وأنهم هم الشجرة الملعونة، ثم انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يستجمع ضاحكاً بعد ذلك حتى مات. وجاء في ذمّ بني أُميّة والطعن فيهم كثير من التنزيل، انظر الحاكم في حديث علي في قوله “وأحلّوا قومهم دار البوار” (ابراهيم 28) قال: هما الأفجران من قريش بنو أُميّة وبنو المغيرة، وتفسير ابن جرير في قوله: “وجاهدوا في اللّه حقَّ جهاده” (الحج 78) فإنه قال: إن الذين أمر تعالى بجهادهم مخزوم وأُميّة، إلى غير ذلك. ثمّ انّ الرسول الصادق الأمين صلّى اللّه عليه وآله يتبع القرآن المجيد بقوله: اللهمّ العن بني أُميّة قاطبة، وبأمثال ذلك، لا سيّما فيما يخصّ أبا سفيان وابنيه يزيد ومعاوية، ولا تنس ما جاء عنه في آل أبي العاص ولا سيّما في الحّكم وابنه مروان أترى لماذا يمنح الكتاب المبين أهل البيت بذلك الثناء الجزيل ويذكر بني أُميّة بذلك السوء والذمّ، أيكيل العادل تعالى لأُولئك المدح جزافاً، ولهؤلاء الذمّ اعتداءً، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. ولأجل أن تطمئنّ القلوب بهذه الحقيقة، نستطرد نبذاً من أعمال أميّة وبنيه أخبرنا عنها التاريخ الموثوق به. مات عبد مناف وترك عدَّة بنين، كان منهم هاشم والمطّلب ونوفل وعبد شمس، وكان هاشم أرجحهم عقلاً وأسماهم فضيلةً فاصطلحت قريش على أن تولّيه الرفادة والسِّقاية وكانتا لأبيه عبد مناف، فكان هاشم حيث رأت قريش، وزاد في شرف أبيه أن سنَّ الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وقد ذكر هاتين الرحلتين الكتاب الكريم “إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ” (قريش 2)، وما كانت غاية هاشم من الرحلتين إلا أن يكثر المال في قريش فيقووا به على إطعام الحاجّ، وهذه فضيلة سامية أرادها هاشم لقومه، وهذا شأن العظام الذين ينحون بقومهم عظائم الأمور، ومراقي الشرف الرفيعة. ولمّا مات عبد شمس وظهر أميّة حاول أن يلحق بهاشم في شأنه بما عجز عنه أبوه من قبل، وأين أميّة من هاشم في سنّه وشأنه، وما ساد هاشم إلا لأنّه مجمع الفضائل، ولم يكن لأميّة ما يسود به الفتى خلا المال والولد ولا يكفيان للسيادة إذا لم تكن الأعمال تلحقه بالمعارج السامية. وطمع أميّة يوماً أن ينافر هاشماً، وذلك إقدام لم يرتقب من مثله لمثل هاشم، ولا نعرف سبباً في قناعة هاشم بهذه المنافرة وهو سيّد الأبطح وشيخ قريش سوى علمه بأنه سوف ينفر أميّة، وبذلك كبح لجماع أميّة وإذلال لنفسه المتطلّعة لما ليس له كما كان ذلك، فإنّه قد نفره هاشم فأخرجه من مكّة عشر سنين، ولعلّ أميّة كان يعتقد أن هاشماً سيّد الأبطح لا محالة ينفره، إلا أنّه قنع من الشرف أن يُقال أن أميّة نافر سيّد الحرم وجرى في مضماره.

يقول السيد نبيل الحسني في كتابه سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأثر التوثيقي: إن حادثة بحجم يوم عاشوراء تحتاج إلى مجموعة من الشواهد التوثيقية تتناسب مع حجم تلك المأساة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن قضية التوثيق هي في حد ذاتها معركة تدور رحاها بين كلا الخصمين اللذين شهدت أرض الطف ما جرى بينهما. فبنو أمية حرصوا أشد الحرص على طمس هذه المأساة وإخفاء تلك الجرائم التي ارتكبها جيش عمر بن سعد وقادة الجيش وعامة الجند وبالطبع هي حالة ملازمة لكل جريمة وقعت منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، فقد سعى لإخفاء آثار جريمته فأخذ يبحث عن وسيلة تنفعه في إخفاء جريمته وضياع كل ما من شأنه أن يوثق هذه الحادثة. ولولا حرمة هابيل عند الله لما كان هناك ما يدل قابيل على دفن أخيه، قال تعالى: “فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُواري سَوْأَةَ أَخيهِ قالَ يا وَيْلَتى‌ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخي‌ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمين‌” (المائدة 31). فنشأت عند ذلك حالة نفسية تجذرت في النفس البشرية إلى قيام الساعة. ولذا: جهد بنو أمية على طمس آثار مأساة الطف وكسب معركة التوثيق حينما يكون الشهود هم ممن تم تصفيتهم سواء أكانوا موالين أم مخالفين. في المقابل: كان الإمام الحسين عليه السلام قد أعد العدة لتلك المصادر التوثيقية حينما أخرج عياله وأطفاله إلى كربلاء وعلى رأسهم الإمام زين العابدين وولده الإمام الباقر عليهما السلام فضلاً عن بنات النبوة. ويقول السيد الحسني في كتابه عن ترسيخ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتهاكها وتثبيتها في نفوس المسلمين: إنّ من الحقائق التي كشفتها واقعة الطف في يوم عاشوراء اعتقاد الناس بذهاب حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته إلى المستوى الذي شهدته كربلاء من سفك دماء ولده وسبي بناته فلم يشهد حينها دين من الأديان هذا الحد من التجري على الله وأنبيائه ورسله. ولعل البعض يستغرب من هذه الحقيقة مستبعداً إن ذلك الاعتقاد كان سائداً في المجتمع الإسلامي لاسيما وكما أسلفنا إننا نتحدث عن أناس كانوا بحسب الموازين الحديثية أنهم أبناء أهل غير الأزمنة، فهم اتباع السلف الصالح ومن ثم كيف يمكن أن يكون هؤلاء صلحاء وهم قد تجروا على الله تعالى ورسوله بتلك الانتهاكات للحرمة؟ فإما أننا نقرأ هذه الوقائع وهي تتحدث عن أناس لم يعرفوا الإسلام ولم تسمع آذانهم باسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم غرباء عنه، فكيف لهم أن يؤمنوا به؟ وأما أننا أمام حقيقة مرة تؤكد أن هؤلاء عرفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمعوا حديثه إلاّ أنهم لم يؤمنوا به، بل حقدوا عليه أشد الحقد وبغضوه وحاربوه حيا وميتاً، بل إن حربهم له صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته أشد بكثير من حربهم له في حياته، وذلك لخوفهم من الافتضاح. قال تعالى: “يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما في‌ قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُون‌” (التوبة 64). ولذا: فحينما شاء الله تعالى: (ان يراهن سبايا) كان من مصاديق هذه المشيئة إظهار ما كان المنافقون يحذرون من كشفه فأخرجه الله تعالى في يوم عاشوراء وغيره. كما نصت الآية المباركة. كانوا سراعاً في انتهاك هذه الحرمة وأخذ الثأر منه ببنيه وذريته فأول ما بدأوا به هجومهم على دار ابنتة فاطمة واقتحامه وجمع الحطب على بابها وحرقها.

وروى الطبري ان طلحة قال: ما لنا من هذا الامر إلا كلحسة الكلب أنفه. بقي طلحة والزبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان عليا من قريب، حتى إذا أيسا منه وبلغهما موقف أم المؤمنين بمكة عزما على الخروج من المدينة، فأتيا عليا، فقالا: إنا نريد العمرة، فأذن لنا في الخروج، فقال علي لبعض أصحابه: (والله ما أرادوا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة) فأذن لهما في الخروج بعد أن جددا له البيعة فخرجا من المدينة، والتحقا بركب أم المؤمنين عائشة. كما التحق بركبها بنو أمية، فإنهم كانوا يتربصون في المدينة، فلما بلغهم مجاهرة أم المؤمنين بالخلاف على علي، غادروا المدينة إلى مكة، والتحق بها أيضا ولاة عثمان الذين عزلهم علي عن الأمصار، وهم يحملون معهم من أموال المسلمين ما يحملون.

السيد البدري حفظه الله عن بنو اُميّة في حديث النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله قائلا: قال السيوطي أيضاً: أخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: رأى رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله بني اُميّة على منبره فساءه ذلك، فأوحى الله إليه إنّما هو ملك يصيبونه، ونزلت “إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” (القدر 1-3)، وأخرج مثله عن ابن المسيب. وأخرج الترمذي وضعَّفه، وابن جرير والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي عليه‌ السلام بعدما بايع معاوية، فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: (لا تؤنّبني رحمك الله، فإنّ النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله رأى بني اُميّة يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت “إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) يا محمّد، ونزلت (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” (القدر 1-3)، يملكها بعدك بنو اُميّة يا محمّد).