الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (21)
رياض سعد
من أعقد الإشكاليات التي واجهت العراق الحديث، وما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على الدولة والمجتمع، إشكالية النخب والجماعات ذات الهوية الملتبسة أو التكوين الهجين؛ تلك الفئات التي وفدت إلى العراق خلال مراحل تاريخية مختلفة، سواء في العهد العثماني أو خلال مرحلة الانتداب البريطاني أو في العقود اللاحقة، ثم اندمج قسم منها في المجتمع العراقي بدرجات متفاوتة، بينما ظل قسم آخر يعيش حالة اغتراب نفسي وثقافي وسياسي، على الرغم من مرور أجيال طويلة على وجوده في البلاد.
ولعل المشكلة لا تكمن في أصول الناس أو جذورهم البعيدة، فالعراق عبر تاريخه الطويل كان أرض هجرات واستيطان وتفاعل حضاري، وإنما تكمن في السلوك السياسي والثقافي لبعض النخب التي حاولت إخفاء أصولها أو تجاوز عقدة الانتماء عبر الادعاء باحتكار الوطنية والعروبة والعراقية، بل والذهاب أحياناً إلى نفي عراقية الآخرين والطعن في أصولهم وتاريخهم.
لقد شهد العراق، خصوصاً منذ أواخر العهد العثماني، موجات من الهجرات البشرية القادمة من مناطق متعددة من الأناضول والقوقاز وإيران والشام وشبه الجزيرة العربية وغيرها. وكان من الطبيعي أن يندمج كثير من هؤلاء بالمجتمع العراقي وأن يصبحوا جزءاً من نسيجه الوطني.. , غير أن بعض النخب والجماعات والشخصيات الوافدة أو المنحدرة من أصول وافدة وجدت نفسها أمام معضلة الهوية والانتماء، فبدلاً من الاندماج الطبيعي في الأمة العراقية، لجأت إلى الاحتماء بالمظلات السياسية المتعاقبة؛ فاحتمى قسم منها بالمظلة العثمانية حين كانت إسطنبول هي المركز السياسي والثقافي، ثم انتقل ولاؤه إلى المظلة البريطانية بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، قبل أن يجد امتداداته في الأنظمة والحكومات الهجينة التي حكمت العراق لاحقاً.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية غرابة في تاريخ العراق الحديث؛ إذ يتحول بعض أبناء هذه النخب والجماعات الغريبة والاجنبية إلى خصوم للأغلبية الوطنية التي يفترض أن يكونوا جزءاً منها، ويصبح هاجسهم الدائم هو منع تشكل هوية عراقية جامعة وقوية، لأن قيام أمة عراقية واعية بذاتها وتاريخها يعيد طرح أسئلة الانتماء والشرعية والدور التاريخي، وهي أسئلة لطالما أثارت قلق الفئات الهجينة التي بنت نفوذها على التحالف مع القوى الخارجية أو على استثمار الانقسامات الداخلية.
إن الخوف من الأمة والاغلبية العراقية ليس خوفاً ديموغرافياً بقدر ما هو خوف نفسي وسياسي.. , فالفئة الواثقة من جذورها وانتمائها لا تخشى الاحتكام إلى الإرادة الوطنية، أما الفئة التي تشعر في أعماقها باضطراب الهوية فإنها تميل إلى البحث عن الحماية خارج المجتمع، أو إلى بناء شبكات مصالح مغلقة تتجاوز الانتماء الوطني.
ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة التكاتف التي كثيراً ما تجمع بين أفراد ينتمون إلى أصول وقوميات ومذاهب مختلفة، لكنهم يشتركون في الإحساس ذاته بالخوف من صعود الهوية العراقية الجامعة.. , فالمسألة ليست مسألة سنة وشيعة أو عرب وكرد أو مسلمين ومسيحيين، وإنما مسألة مصالح وشبكات نفوذ وهوية سياسية تشعر بأن مشروع الأمة العراقية يهدد امتيازاتها ومصالحها .
ولذلك فإن أخطر ما أنتجته هذه النخب والجماعات خلال العقود الماضية لم يكن مجرد الاستبداد السياسي، بل العمل المنهجي على إضعاف مفهوم الأمة العراقية نفسه، وتحويل المجتمع إلى جماعات متناحرة، وإحلال الولاءات الفرعية محل الانتماء الوطني، حتى أصبح العراقي في كثير من الأحيان يعرف نفسه من خلال الطائفة أو الحزب أو العشيرة أو القومية قبل أن يعرف نفسه بوصفه عراقياً.
وقد حكمت هذه النخب والفئات الهجينة، بأشكال مختلفة ومراحل متعددة، العراق لعقود طويلة، وكانت النتيجة سلسلة من الانقلابات والصراعات والتمييز والتهميش والحروب الداخلية والخارجية.. , فكلما اقترب العراقيون من بناء مشروع وطني جامع، ظهرت قوى تعمل على إعادة إنتاج الانقسام، لأن وجودها السياسي مرتبط ببقاء المجتمع مفككاً وضعيفاً.
ومن الناحية النفسية، يمكن القول إن أزمة هذه الفئة الهجينة هي أزمة اعتراف بالدرجة الأولى.. , فهي تريد أن تُعامل بوصفها عراقية أصيلة، لكنها في الوقت نفسه ترفض الاندماج الكامل في المشروع الوطني العراقي، وتبقى أسيرة هواجسها القديمة ومخاوفها التاريخية.. , ولهذا نجدها كثيراً ما تبالغ في إظهار الوطنية والعروبة شكلياً، بينما تتقاطع ممارساتها العملية مع متطلبات بناء الدولة الوطنية.
إن المشكلة الحقيقية ليست في أصول الأفراد ولا في جذورهم العرقية أو القومية، فالمواطنة الحديثة لا تُبنى على الدم والسلالة، وإنما على الانتماء والولاء والمشاركة.. , المشكلة تكمن في استمرار العقلية التي تنظر إلى العراق بوصفه غنيمة أو ساحة نفوذ أو محطة مؤقتة، لا وطناً نهائياً.
ولهذا فإن الحل لا يكون بالإقصاء أو الانتقام أو إعادة إنتاج الصراعات التاريخية، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم الأمة العراقية الجامعة، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ومراجعة السرديات المزيفة التي احتكرت الوطنية لعقود، وفتح نقاش علمي وموضوعي حول تاريخ الهجرات والتجنيس والتحولات الديموغرافية ودورها في تشكيل العراق الحديث.
إن الأمة العراقية، حين تستعيد وعيها التاريخي بنفسها، لن تكون مشروعاً لإقصاء أحد، بل مشروعاً لتحرير الجميع من عقد الخوف والاغتراب والتبعية.. , أما الذين بنوا نفوذهم على تمزيق العراقيين وإضعاف هويتهم المشتركة، فإن أكثر ما يرعبهم ليس الأغلبية العراقية بحد ذاتها، وإنما عودة العراق إلى ذاته، وعودة العراقي إلى اكتشاف هويته الوطنية العميقة الممتدة من حضارات الرافدين إلى الدولة العراقية الحديثة.
فالأمم القوية لا تُبنى بالخوف من الآخر، وإنما بالثقة بالنفس، ولا تنهار بسبب التنوع، وإنما بسبب استغلال التنوع وتحويله إلى أداة صراع.. , وهذه هي المعضلة التي ما زالت تواجه العراق حتى اليوم.