إيهاب مقبل
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا يُقاس القادة بعدد الخطب التي يلقونها، بل بقدرتهم على مواجهة مراكز النفوذ وكسر حلقات الفساد التي أنهكت الدولة وأفقرت الشعوب. ومن هذا المنطلق، تُعدّ أي حملة جادة لمحاسبة الفاسدين واسترداد المال العام خطوة مصيرية نحو بناء عراق قوي وعادل.
إن الإشادة برئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، في هذا السياق، تنبع من مبدأ واضح: لا نهضة بلا قانون، ولا استقرار بلا عدالة، ولا مستقبل لدولة يُترك فيها الفاسدون بمنأى عن المحاسبة. فمكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل معركة وجود تحدد ما إذا كانت ثروات البلاد ستذهب إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، أم ستستمر في التبخر داخل شبكات المصالح الضيقة.
ويُنظر إلى الفاسدين بوصفهم كالحشرات التي تعتاش على دماء الآخرين، لا همّ لهم سوى امتصاص موارد الدولة وإضعاف جسدها من الداخل لمصالحهم الشخصية، حتى تنهار مقومات الحياة الكريمة للمجتمع.
لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة عبر سنوات طويلة، بطالة، وتراجع في الخدمات، وتحديات اقتصادية متراكمة، بينما كانت أصوات المواطنين ترتفع مطالبة بالعدالة والشفافية. ومن هنا، فإن أي إجراءات قانونية تستهدف المتورطين في نهب المال العام، مهما كانت مناصبهم أو انتماءاتهم السياسية والمذهبية والعرقية، تمثل رسالة واضحة مفادها أن الدولة أقوى من الفساد، وأن هيبة القانون يجب أن تعلو فوق الجميع.
وفي خضم هذه الحملة التي يراها كثيرون اختباراً حقيقياً لهيبة الدولة، تداولت وسائل إعلام وتقارير إخبارية أسماء عدد من الشخصيات التي قيل إنها شملتها التحقيقات أو إجراءات التوقيف، من بينهم: “بهاء الدين نور النوري، ومضر معن الكروي، ومحمد فرمان الجبوري، ومحمد ناصر الكربولي، ومثنى عبد الصمد السامرائي، وعالية نصيف العبيدي، وحسن قاسم الخفاجي، ومحمد الصيهود السوداني، وهند محمد العباسي، وفرحان الفرطوسي، وعلي معارج البهادلي، وحسين مؤنس المحمداوي، وعلاء سكر الدلفي، وزياد طارق الجنابي، ومحمد جميل المياحي”، إضافة إلى شخصيات عسكرية من بينها الفريق “عبد الكريم عبد الحسن السوداني”. وتبقى المسؤولية الجنائية النهائية، بطبيعة الحال، رهناً بما يثبته القضاء العراقي وما تسفر عنه الإجراءات القانونية والمحاكمات الرسمية.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى العراقيين هي أن لا أحد يجب أن يكون فوق القانون، وأن المنصب النيابي أو التنفيذي أو العسكري لا يمكن أن يشكل حصانة دائمة ضد المساءلة. فالدول القوية تُبنى حين يشعر المواطن بأن العدالة تُطبق على الجميع دون استثناء، وأن المال العام أمانة وطنية لا امتياز شخصياً ولا غنيمة سياسية.
إن الشعب العراقي لا يحتاج إلى أبطال من ورق، بل إلى مؤسسات راسخة وقضاء مستقل وأجهزة رقابية فعالة. والقائد الذي يمنح هذه المؤسسات الدعم والحماية، ويصر على محاسبة المفسدين دون انتقائية، يسهم في وضع الأسس الحقيقية لدولة المواطنة والعدالة.
غير أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يُقاس بعدد الاعتقالات وحدها، بل بقدرتها على تحقيق محاكمات عادلة وشفافة، واسترداد الأموال المنهوبة، ومنع تكرار الجرائم ذاتها عبر إصلاحات إدارية وتشريعية عميقة. فالغاية ليست الانتقام، وإنما بناء نظام يحصّن الدولة من الفساد مستقبلاً.
إن العراق يمتلك من الثروات البشرية والطبيعية ما يكفي ليكون نموذجاً للنهضة في المنطقة، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتصرت إرادة الإصلاح على إرادة النهب، وإذا أصبح القانون سيداً فوق كل اعتبار. وعندما يشعر المواطن بأن المال العام مصان وأن كل متهم يحظى بمحاكمة عادلة وشفافة، تبدأ الثقة بالعودة، وتبدأ معها رحلة البناء الحقيقي.
فلتكن معركة مكافحة الفساد معركة وطن بأكمله، لا معركة حكومة عابرة، لأن الأوطان التي تواجه الفساد بشجاعة، وتخضع الجميع لسلطة القانون، تكتب مستقبلها بيدها، وتصنع لأبنائها غداً أكثر أمناً وكرامة وازدهاراً.
انتهى