وحدة الأمة العراقية.. من الجغرافيا إلى المصير

الامة العراقية : اشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (41)

رياض سعد

لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية المعاصرة دون التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: الأمة العراقية بوصفها حقيقة تاريخية واجتماعية راسخة، والصراعات السياسية التي حاولت عبر العقود أن تقدم نفسها وكأنها صراعات بين مكونات الشعب نفسه.

لقد مر العراق خلال القرن الماضي، ولا سيما في العقود الأخيرة، بسلسلة من الحروب والانقلابات والاحتلالات والصراعات الداخلية التي تركت آثاراً عميقة في الوعي الجمعي.. ,  فسنوات الحكم الشمولي القائم على الخوف والرقابة والشك المتبادل بين المواطنين، وما تبعها من انهيار مؤسسات الدولة بعد عام 2003، ثم اجتياح تنظيم داعش لعدد من المحافظات العراقية وما رافقه من جرائم مروعة ارتكبها عراقيون وغير عراقيين بحق عراقيين آخرين، كلها أحداث خلقت جروحاً اجتماعية ونفسية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

غير أن هذه الجروح، مهما كانت عميقة، لا تعني وجود أمم متعددة داخل العراق، بل تعني وجود أزمة سياسية وإدارية وثقافية في إدارة التنوع الوطني.. ,  فالأمة العراقية سبقت جميع الأنظمة السياسية الحديثة، وسبقت جميع الأحزاب والطوائف والحركات الأيديولوجية، وستبقى بعد زوالها جميعاً.

إن من يراجع تاريخ العراق يدرك أن بلاد الرافدين كانت عبر آلاف السنين فضاءً حضارياً واحداً، تعاقبت عليه دول وإمبراطوريات وشعوب وأديان ومذاهب مختلفة، لكن الهوية العراقية ظلت تتشكل باستمرار ضمن إطار جغرافي وثقافي واحد.. ,  فمن سومر وأكد وبابل وآشور، مروراً بالعصور الإسلامية المختلفة، وصولاً إلى الدولة العراقية الحديثة، بقيت دجلة والفرات يشكلان الشريان الذي يوحد السكان اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

فلاح البصرة كان يحتاج إلى أسواق بغداد والموصل، وتاجر الموصل كان يعتمد على طرق التجارة الممتدة إلى الجنوب، وعشائر الفرات الأوسط كانت ترتبط بمحيطها الجنوبي الوطني بعلاقات المصاهرة والتبادل الاقتصادي والاجتماعي.. ,  ولم تكن الانتماءات المذهبية أو القومية مانعاً من تشكل مجتمع عراقي متداخل ومتشابك المصالح والمصير.

إن الأمم لا تُبنى على التشابه الكامل، بل على القدرة على التعايش ضمن إطار وطني جامع.. ,  فلو كان الاختلاف الديني أو المذهبي أو القومي سبباً كافياً لتفكك الأمم، لما استمرت معظم دول العالم المعاصر.

إن ما يصنع الأمة هو وحدة التاريخ والمصالح والذاكرة والجغرافيا والمصير المشترك، وهذه العناصر كلها متوفرة في الحالة العراقية بصورة واضحة.

لقد أدت الأزمات السياسية المتعاقبة إلى ظهور طبقة من السياسيين والوجهاء الطارئين الذين استثمروا الخوف المتبادل بين المواطنين، وحولوا الاختلافات الطبيعية إلى مشاريع استقطاب وصراع.. ,  فبدلاً من بناء دولة المواطنة، جرى تكريس خطاب يقوم على تقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، لكل منها مخاوفها وسردياتها الخاصة.

وفي الحقيقة فإن المواطن العراقي، مهما كان انتماؤه، يشترك مع بقية العراقيين في همومه الأساسية نفسها: الأمن، والعدالة، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، ومستقبل أبنائه.. ,  وهذه المصالح المشتركة أكبر بكثير من الخلافات التي يجري تضخيمها سياسياً وإعلامياً.

ومن هنا فإن المدخل الحقيقي لبناء الدولة لا يبدأ بإعادة إنتاج الهويات الفرعية، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة العراقية.. ,  فالدولة العادلة هي التي تتعامل مع الجميع وفق القانون، وتحاسب المجرم أياً كانت هويته، وتنصف الضحية أياً كان انتماؤها.. ,  العدالة وحدها قادرة على إغلاق جراح الماضي ومنع انتقال الأحقاد من جيل إلى آخر.

إن تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو عملية أخلاقية ووطنية تعيد الثقة بين المواطنين وتؤسس لمصالحة مجتمعية حقيقية.. ,  فحين يشعر الفرد أن الدولة تحمي حقوقه وتحفظ كرامته، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الضيقة، ويصبح الانتماء الوطني هو الإطار الأوسع والأكثر أمناً.

وقد أكد التراث الإسلامي على هذا المعنى بصورة واضحة عندما جعل وحدة المجتمع قيمة عليا، فقد جاء في كتاب القران الكريم : **﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾**.. ,  كما أن التجربة الإنسانية برمتها تثبت أن المجتمعات التي تنجح في إدارة تنوعها هي الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتقدم.

وعلى مستوى الفرد، تمنح الوحدة الوطنية شعوراً بالأمان والاستقرار النفسي، وتحرره من الخوف والقلق والشك المتبادل، فيتجه نحو العمل والإبداع والاستثمار في مستقبله ومستقبل أسرته.. ,  أما على مستوى المجتمع، فإنها تؤدي إلى تعزيز الثقة والتعاون بين مختلف الفئات، وتطلق الطاقات الكامنة في مجالات الاقتصاد والعلم والثقافة والتنمية.

إن العراق لا يعاني من أزمة هوية بقدر ما يعاني من أزمة إدارة للهوية.. ,  فالعراقيون لم يتوقفوا يوماً عن كونهم أمة واحدة ، لكنهم تعرضوا لعقود من التوظيف السياسي للاختلافات الطبيعية بينهم.. ,  ولهذا فإن المهمة التاريخية للدولة العراقية اليوم هي حماية الوحدة الوطنية، وصيانة التنوع الثقافي والاجتماعي، وتحويله من عامل صراع إلى مصدر قوة وإثراء حضاري.

لقد أثبتت تجارب الأمم الناجحة أن التنمية والاستقرار لا يتحققان بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية وعادلة قادرة على احتضان جميع المواطنين.. ,  وتجربة الصين الحديثة تقدم مثالاً على قدرة الدولة على توظيف التنوع السكاني والثقافي في مشروع وطني شامل قاد إلى نهضة اقتصادية هائلة خلال عقود قليلة.

إن مستقبل العراق لن يُبنى بالعودة إلى صراعات الماضي، ولا بإحياء الانقسامات الطائفية أو القومية، بل بإحياء فكرة الأمة العراقية الجامعة؛ الأمة التي صنعت الحضارات الأولى في التاريخ، وقدمت للعالم الكتابة والقانون والعمران، وما زالت تمتلك من المقومات البشرية والثقافية ما يؤهلها لاستعادة دورها الحضاري.

فالعراق لم يكن يوماً مجرد تجمع لطوائف وقوميات متجاورة، بل كان وما يزال أمة تاريخية واحدة، تتعدد فيها الانتماءات الفرعية، لكنها تلتقي جميعاً عند حقيقة أكبر وأعمق: أن مصير العراقيين واحد، وأن وحدة الأمة العراقية هي الشرط الأول لبقاء الدولة، وأساس أي مشروع نهضة في المستقبل.