الامة العراقية : اشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (42)
رياض سعد
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 تحت الانتداب البريطاني، برزت إشكالية جوهرية رافقت التجربة السياسية العراقية لعقود طويلة، وهي إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة السياسية والتركيبة السكانية الحقيقية للبلاد.. , فالدولة التي أنشأتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى لم تنشأ نتيجة توافق وطني شامل، بل جاءت في إطار ترتيبات استعمارية هدفت إلى ضمان الاستقرار السياسي وحماية المصالح البريطانية في المنطقة.
لقد أظهرت وثائق الإدارة البريطانية وتقارير المسؤولين البريطانيين أن النخب التي تسلمت المناصب العليا في الجيش والإدارة والوزارات كانت في معظمها من أبناء الطبقات البيروقراطية والعسكرية التي ورثت مواقعها من العهد العثماني أو التوصيات البريطانية ، بينما بقيت قطاعات اجتماعية واسعة، خصوصاً في مناطق الفرات الأوسط والجنوب، بعيدة عن مراكز القرار السياسي والعسكري.
وتشير إحصاءات الدولة العراقية المبكرة إلى وجود تفاوت واضح في التمثيل داخل مؤسسات الدولة.. , فقد كانت الغالبية السكانية في العديد من المحافظات الجنوبية والوسطى تعاني من معدلات مرتفعة من الأمية وضعف الخدمات وقلة المدارس مقارنة ببعض المناطق الحضرية الأخرى.. , كما هيمنت فئات محددة على السلك الدبلوماسي والقيادات العسكرية العليا والإدارة المركزية.
وقد لفت عدد من الباحثين العراقيين والأجانب الانتباه إلى هذه الظاهرة، ومنهم الباحث العراقي حنا بطاطو الذي أشار في دراسته الشهيرة عن العراق إلى أن النخبة الحاكمة خلال العقود الأولى للدولة الحديثة كانت ذات تركيبة اجتماعية وسياسية محددة لا تعكس بالضرورة التوزيع الديموغرافي الكامل للمجتمع العراقي.
ولم يقتصر الأمر على التمثيل السياسي، بل امتد إلى النظرة الأمنية تجاه العديد من الحركات الاجتماعية والدينية.. , فقد امتلأت أرشيفات وزارة الداخلية ومديريات الشرطة بتقارير تتابع نشاط الشخصيات الدينية والعشائرية، وترصد المجالس والمناسبات الدينية والاتصالات الاجتماعية، في إطار سياسة الدولة الرامية إلى مراقبة القوى المؤثرة خارج المؤسسة الرسمية.
وتكشف وثائق عديدة من ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين أن الأجهزة الأمنية كانت ترفع تقارير مفصلة عن رجال الدين وزعماء العشائر والنشطاء السياسيين.. , وفي كثير من الحالات لم تكن تلك التقارير مرتبطة بجرائم جنائية، بل كانت تتناول النفوذ الاجتماعي أو التأثير الشعبي أو النشاط الديني لأصحابها.. , وهو ما يعكس طبيعة الدولة المركزية الطائفية التي نظرت بعين الريبة إلى القوى الاجتماعية المستقلة.
كما شهد العهد الملكي سلسلة من الانتفاضات والاحتجاجات العشائرية والشعبية، كان أبرزها انتفاضات الفرات الأوسط والحركات الاحتجاجية في الجنوب.. , وقد جرى التعامل مع العديد منها بمنطق أمني وعسكري وقمعي أكثر من كونه حواراً سياسياً يعالج أسباب التوتر والاحتقان.
وتشير السجلات البرلمانية ووثائق تلك المرحلة إلى أن قضية العدالة في توزيع المناصب والفرص التعليمية والخدمات العامة ظلت موضوعاً متكرراً للنقاش بين النواب والسياسيين العراقيين.. , ومع ذلك بقيت الفجوة بين الدولة والاغلبية وقطاعات واسعة من المجتمع قائمة، الأمر الذي ساهم في تراكم الشعور بالتهميش لدى شرائح مختلفة من العراقيين.
ولا يمكن فهم الانقلابات العسكرية المتتالية والأزمات السياسية التي شهدها العراق لاحقاً بمعزل عن هذه الاختلالات البنيوية التي رافقت تأسيس الدولة.. , فالدولة التي تُبنى على تمثيل غير متوازن، أو على تحالف ضيق بين السلطة وبعض النخب السياسية والاجتماعية الطائفية والعنصرية ، تصبح أكثر عرضة للأزمات والاضطرابات.
لقد تأسست الدولة العراقية الحديثة على معادلة سياسية غير متوازنة منذ البداية.. , فبرغم أن الشيعة كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان العراق، فإن تمثيلهم في الجيش والإدارة العليا والسلك الدبلوماسي ظل محدودًا مقارنة بحجمهم السكاني خلال مراحل طويلة من العهد الملكي.. , كما أن كثيرًا من المناصب الحساسة بقيت محتكرة من قبل نخب سياسية وعسكرية هجينة وطائفية وعنصرية ضيقة تشكلت في ظل الإرث العثماني والدعم البريطاني.
ولم يكن غريبًا في ظل هذا الواقع أن تتكرر الانتفاضات والاحتجاجات العشائرية والشعبية، وأن تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.. فالدولة التي تراقب مواطنيها بسبب انتماءاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والدينية بدلاً من دمجهم في مشروع وطني جامع، إنما تضع الأسس الأولى لأزمة الثقة التي ستلازمها لاحقًا.
إن مراجعة هذه المرحلة لا تهدف إلى إثارة الخصومات التاريخية أو إنتاج انقسامات جديدة، بل إلى فهم الأسباب العميقة التي جعلت الدولة العراقية تعاني من أزمة شرعية وثقة منذ سنواتها الأولى.. , فالتاريخ لا يُقرأ من أجل الانتقام، بل من أجل استخلاص الدروس وبناء دولة مواطنة حقيقية تقوم على المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص بين جميع أبنائها دون تمييز ديني أو مذهبي أو قومي.