تشييع المرجع الشهيد ليس خيانة للوطن

ضياء أبو معارج الدراجي

يحاول خصوم التشيع أن يختزلوا مشاركة الشيعة في تشييع الشهيد الإمام السيد علي خامنئي رضوان الله تعالى عليه إلى تهمة جاهزة عنوانها: “الولاء لإيران” أو “الخيانة للوطن”. وهذه قراءة لا تنم عن معرفة بحقيقة العقيدة الشيعية، ولا بطبيعة العلاقة الدينية التي تربط أتباع المذهب بمراجعهم.

إن من لا يفهم النهج الشيعي لا يملك حق إصدار الأحكام عليه. فالشيعة لا يقيسون المرجعية بحدود رسمتها اتفاقيات سياسية حديثة، ولا يجعلون الخرائط التي رسمها الاستعمار معيارًا للدين والعقيدة. الحدود السياسية تُحترم قانونًا، ويجب الدفاع عن الوطن الذي نحمل جنسيته ونعيش على أرضه، والالتزام بدستوره وقوانينه وحماية سيادته عند تعرضه لأي عدوان. أما الانتماء الديني والروحي فشيء آخر لا تلغيه خطوط رسمها البشر على الخرائط.

ولو طبقنا منطق المتعصبين أنفسهم، لوجب على الشيعة أن يتركوا نهج أئمة أهل البيت عليهم السلام، لأنهم وفق التقسيمات السياسية الحديثة لم يولدوا داخل حدود العراق الحالية، وإنما كانت حياتهم في الحجاز ودفنوا في العراق. ومع ذلك فإن ملايين الشيعة في العراق والعالم يجعلونهم أئمتهم وقدوتهم، لا لأنهم ينتمون إلى دولة بعينها، بل لأنهم الامتداد الشرعي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

والأمر نفسه ينطبق على المرجعية الدينية؛ فالشيعي يقلد المرجع الذي يراه الأعلم والأكفأ، سواء كان عربيًا أم أعجميًا، عراقيًا أم من أي بلد آخر. فالعلم والفقه والتقوى لا تُقاس بجواز السفر، ولا تُحددها الجنسية، بل تحددها المكانة العلمية والدينية.

وهذا ليس أمرًا خاصًا بالشيعة وحدهم. فمئات الملايين من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في مختلف دول العالم يرتبطون روحيًا بقيادتهم الدينية في روما، من دون أن يُتهموا بالخيانة لأوطانهم. وكذلك يتبع ملايين المسلمين في أنحاء العالم، ومنهم عراقيون، فتاوى شيوخ السعودية، ولم يعتبر أحد ذلك تناقضًا مع الانتماء الوطني.

بل إن احترام العظماء وتقديرهم لا يعرف حدودًا جغرافية ولا جنسيات، وإنما هو سلوك إنساني تتفق عليه شعوب الأرض. فالعالم بأسره يحتفي بعلماء غيّروا مسيرة البشرية، مثل ألبرت أينشتاين، وإسحاق نيوتن، وماري كوري، ولويس باستور، ونيكولا تسلا، وستيفن هوكينغ، وتُدرَّس نظرياتهم واكتشافاتهم في جامعات العالم، وتُقام لهم النصب التذكارية، وتُسمّى المؤسسات العلمية والشوارع بأسمائهم، ويُحتفى بذكراهم في جميع القارات، مع أن أغلب من يكرمونهم لا ينتمون إلى أوطانهم ولا يحملون جنسياتهم. ولم يقل أحد يومًا إن احترام أينشتاين يعني الولاء لألمانيا، أو أن الاحتفاء بنيوتن يعد ولاءً لبريطانيا، أو أن تقدير تسلا يُعد انتماءً سياسيًا للدولة التي ولد فيها، لأن العلم والعظمة والإبداع ملكٌ للإنسانية كلها.

والأمر نفسه ينطبق على الشخصيات الإنسانية والروحية التي تجاوز تأثيرها حدود أوطانها، مثل المهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، والأم تيريزا، وغيرهم من القادة الذين حظوا باحترام مئات الملايين من البشر، رغم اختلاف أديانهم وأعراقهم وجنسياتهم. فلم يتهم أحد من يجلّ غاندي بأنه أصبح هنديًا، ولا من يكرم مانديلا بأنه تخلى عن وطنه، لأن العقلاء يميزون بين احترام الشخصية العظيمة وبين الانتماء السياسي للدول.

فإذا كانت البشرية كلها تمنح هذا الحق لعلمائها ومفكريها وقادتها ورموزها الإنسانية، فلماذا يُراد حرمان الشيعة وحدهم من حقهم في تشييع مرجعهم الديني؟ ولماذا يتحول هذا الحق الطبيعي إلى تهمة سياسية؟ إن ازدواجية المعايير لا تصنع حقيقة، وإنما تكشف عن تعصبٍ يحاول خلط العقيدة بالسياسة، والدين بالجنسية، والوفاء للرموز بالخيانة للأوطان.

إن الوطنية الحقيقية لا تعني الانقطاع عن الرموز الدينية، كما أن الالتزام الديني لا يعني التخلي عن الوطن. فالشيعي يمكن أن يكون مخلصًا لوطنه، مدافعًا عنه، مضحيًا من أجله، وفي الوقت نفسه وفيًا لمرجعيته ومعتقده.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة الشيعة في تشييع أحد مراجعهم، الإمام الشهيد علي الخامنئي رضوان الله تعالى عليه، ليست إعلانًا لولاء سياسي لدولة، وإنما هي وفاء لرمز ديني كبير يرونه عالمًا مجاهدًا وقائدًا كرّس حياته للدفاع عن عقيدته، واستشهد في مواجهة المشروعين الأمريكي والإسرائيلي.

إن الشعوب تخلد عظماءها ورموزها، وقد شيعت الإنسانية شخصيات عالمية مثل غاندي وتشي جيفارا وغيرهما، وعدّت ذلك تكريمًا لتاريخهم ومواقفهم. فمن باب أولى أن يحق لأتباع مذهبٍ ما أن يودعوا مرجعهم الديني الذي يؤمنون بعلمه وجهاده ونسبه الشريف الممتد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام.

إن احترام هذا الحق لا يحتاج إلى اتفاق في العقيدة، وإنما يحتاج إلى احترام حرية المعتقد، وإدراك أن الانتماء الديني والانتماء الوطني ليسا خصمين، بل يمكن أن يجتمعا في قلب الإنسان الشريف، فيحب وطنه، ويدافع عنه، ويبقى وفيًا لدينه ورموزه في الوقت نفسه.