الى العاملين في المجال الإغاثي إليكم آداب الصدقة والإنفاق في الخير

الى العاملين في المجال الإغاثي إليكم آداب الصدقة والإنفاق في الخير

قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ البقرة: 267

قال رسول الله ﷺ : إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾[المؤمنون: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يستجاب له؟!”؛ رواه مسلمٌ

أحمد الحاج جود الخير
غني عن البيان بأن من آداب الصدقات وتجاربها العملية والواقعية المستلهمة من تعاليم الشريعة الغراء عديدة تتضمن الآتي :
-إن الله طيب ولايقبل إلا طيبا، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، بمعنى أن الصدقات المتأتية من أنواع الأموال الحرام ،هي صدقات غير مباركة بالمرة ، وضررها أكبر من نفعها،إذ ما فائدة أن تختلس من المال العام ، أن تزور وترتشي وترابي، أن تتاجر بالممنوعات كالمخدرات والخمور والأعضاء البشرية والسلاح، أن تقطع الطريق ، أن تهدر أو تنهب الموازنات المالية العامة التي تخدم ملايين المرضى والفقراء والعاطلين وتعينهم على شظف العيش، ومن ثم تظهر أمام الكاميرات لتطعم وتداوي وتنفق بعض هذه الأموال على بضع عشرات منهم، الأولى بك أن ترفع يدك وتترفع عن نهب الأموال العامة المخصصة لرعايتهم وخدمتهم وتعليمهم وعلاجهم ليعيشوا بكرامة في ظلها الوارف، بدلا من نهب الكثير والكثير منها ، لتتصدق بالقليل منها عليهم مرة في السنة ، أو مرة كل سنتين ، وأحيانا في غضون كل أربع سنوات بالتزامن مع انطلاق الحملات الدعائية الممهدة للانتخابات ، مرة !!

– لا تمن على الفقير بصدقتك -عينية كانت أم مادية – سواء كنت صاحب الصدقة ،أو وكيلا عنها بالنيابة لأن المن هو آفة الصدقة، واعلم يا رعاك الله بأن الفقير أحق بالمن عليك أكثر من منك عليه، فالمال مال الله، والفقراء أحبابه، ولأن الفقير سينتفع بصدقتك في الدنيا فقط ،فيما ستنتفع أنت بأجر الصدقة في الدنيا والآخرة ،وبالتالي فأنت الأكثر كسبا وحصادا بمعادلة الصدقة تلك من سواك .

– ابتسم بوجه من تمد له يد العون محبة وعطفا وحنانا، ولكن لا تلتقط صورا لشخصك مبتسما أمام عدسة الكاميرا أثناء توزيع المعونات بين المشردين والنازحين والجياع والمنكوبين فهذا ليس موضع توزيع الابتسامات أمام العدسات وكل من حولك مفجوع بأهله وماله ومسكنه وعياله يعاني الأمرين،واحذر من الرياء، فإن الرياء من المبطلات لأجر الصدقة تماما كالمن .

-لا تفضح المُتصَدَق عليه،وإن كان لابد من التقاط الصور والمقاطع التوثيقية لتشجيع الميسورين على مزيد من الإنفاق،أو لتطمين المحسنين والباذلين بأن أموالهم قد وصلت بالفعل الى مستحقيها ولم تهدر سدى،ولم تذهب الى حسابات وجيوب القائمين عليها، فاخف وجه الفقير قدر الإمكان،أو ضببه صوريا ببرامج الفوتوشوب ولاسيما النساء منهم .

– لا تنشر الصور والمقاطع التي تظهر الفقير بمظهر المنحط والمنكسر الذليل الذي يقبل الأيادي والأقدام،ويتمسح بأردية القائمين على توزيع المساعدات للحصول على بعضها ،فما هكذا تورد يا كل العاملين في مجال توزيع المعونات والصدقات الإبل !
– لاتكرر في كل شاردة وواردة بأنك قد أعطيت فلانا صدقة ،أو أنك قد توسطت لعلان بما حباك الله تعلى به من جاه ونفوذ وعلاقات وصداقات رغبة منك بمدحك والثناء عليك من قبل الآخرين فهذا كله سفه ما بعده سفه، فهل جربت يوما بالتوسط أو التصدق من غير إعلام أحد بذلك،ثق بأن الجميع سيعلم ما قمت به ولكن من دون أن تخبر به أحدا قط ،وذلك على لسان الفقراء والمساكين الفرحين بعطائك لهم وبأنفسهم .

-إذا تصدقت بصدقة على محتاج متعفف فلا تذكر ذلك أبدا ولو أمام المحتاج نفسه مستقبلا ، إن فعلت ذلك دخلت في دائرة الأذى والمن وكلاهما مبطل لأجر الصدقات وثوابها .

– إذا كنت من الميسورين وأحببت أن تتصدق إلا أنك لا تعلم أحدا من المحتاجين من حولك فلا تطل الشكوك تلو الشكوك بمن يمكنك تخويله لينوب عنك بتوزيعها بينهم سرا أو جهرا،إن فعلت ذلك فسيكون صنيعك أقرب للتخوين منه الى التخويل ولطالما كان هذا الشك المقيت ،وتلكم الديكارتية القمئة حاجزا أمام الميسورين للبذل والعطاء،بل وذريعة للبخل ومبررا للشح وغل اليد عند أكثرهم على الدوام !

– في حال توزيع الصدقات بين الفقراء علانية وعند ظهور أحد – اللؤماء أوالخبثاء أو الدخلاء أو البخلاء – وسيظهرون لك لامحالة في ذلك،وإن كان ميسور الحال فلا تنسى إطلاقا ”سهم المؤلفة قلوبهم” لدفع شرور هؤلاء وأمثالهم،إن لم تفعل فسيشيع عليك الأباطيل، سينسج من حولك الاقاويل،سيؤلب عليك الآخرين،سيحيك لك الأحابيل،سيروج على شخصك وعلى حملتك الخيرية النبيلة الشائعات وبما سيعطل عميلة التوزيع أو يعيقها أو يعقدها كثيرا،وبما أنت في غنى عنه..فانتبه !

– إذا ما كلفت يوما بتوزيع الصدقات– عينية أو مادية – حاول قدر الإمكان أن لا تضيف تكاليف النقل والتحميل والشراب والطعام والسفر على مال الصدقة لتخرجها منها إلا للضرورة القصوى،أما إذا كنت متمكنا فادفعها كلها من جيبك الخاص حتى لا ينقص من مال الصدقة شيء ،ولتشارك أجرها إضافة الى أجر الجهد والتعب الذي تبذله في ذلك،إما إذا كنت فقيرا على غرار من تساعدهم فأخرج منها بقدر النقل والتحميل وبالحد الأدنى قدر المستطاع فحسب .

– من روائع الصدقة أن تسأل فقيرا وتستعلم منه عن بقية الفقراء وعناوينهم في نطاق الرقعة الجغرافية ومن ثم تمنحه ظروفا وسلالا غذائية ليتولى توزيعها بينهم بنفسه ولكن برفقتك – لن تتصور حجم الفرحة الغامرة والسعادة المفرطة التي سيعيشها في تلكم اللحظات – ولن تتخيل حجم التكافل الذي ستحييه بهذه الخطوة المباركة في تلك المنطقة الفقيرة وبصنيعك هذا لأن مساعدة الفقراء بعضهم لبعض من شأنه أن ينهي الحسد والبغضاء والحزازيات ، ويوثق العلاقات وأواصر الألفة والمحبة بينهم !

– بعد فراغك من التوزيع لا تنسى أن تنظف موقع ومحيط المنطقة التي وزعت فيها حتى لا يقال بعد التوزيع ” ياه ما أقذرهم” وليقولوا بدلا من ذلك ” ما أنظفهم وما أروعهم لقد تصدقوا وتواضعوا ونظفوا” فمن هنا مر الخيرون والمتصدقون والمحسنون فأحسنوا وأبدعوا وتركوا حسن السمعة ،وعطر الطيب، وجميل الأثر .

– صدقتك على العامل الفقير أثناء مزاولة عمله تزيد من همته ونشاطه وإخلاصه في العمل -عمال النظافة أنموذجا – فاحرص على مساعدتهم قدر الممكن أثناء أدائهم الواجبات المناطة بهم ليلا أو نهارا .

– إياك أن تستخف بالمحتاجين أو أن تزدريهم بنظراتك وهمساتك وكلماتك خلال توزيع الصدقات بينهم ،وإياك أن ترفع صوتك عليهم أثناء التوزيع، وإياك أن تقدم أنيقا على غير أنيق ..امرأة جميلة على أخرى ذميمة …شابا قويا على مسن ضعيف…جريئا وملحا في الطلب على شديد الحياء كثير الخجل …معافى على مريض أو من ذوي الاحتياجات الخاصة ، بل قدم الصنف الثاني دوما على الأول فهم الأحوج لمد يد العون ،والأرجى في الدعاء !

– احرص على الإيثار والتبرع حتى بسهمك “سهم العاملين عليها “إذا لم يكن لك به حاجة وادفعه لأقرب محتاج متعفف فالإيثار من شيم الكرماء والنبلاء .

– إياك أن تذهل أثناء التوزيع وقبله أو بعده عن مساعدة العاملين تطوعا معك ولاسيما إن كانوا من المتعففين وأصحاب الديون والحاجات، إن لم تفعل ذلك ستضعف همة كثير منهم بمرور الأيام فليس كل من يعمل معك تطوعا بنفس همتك ونشاطك،وليس كلهم يفكر بالطريقة التي تفكر بها ، بعضهم قد جاء للمساعدة أملا بالحصول على بعض منها، وبعضهم لبى النداء تحمسا لحملة مساعدات أو حملتين إثنتين سابقتين إما مجاملة لشخصك، أو حياء منك،أو غيرة منه على دين الله تعالى ،أو تعاطفا مع المحتاجين ،ولكن وبمرور الوقت ولمشاغل الدنيا وهمومها وأعبائها الكثيرة عادة ما تتراجع حماسة كثير منهم، وبالمساعدات والمكافآت المادية والعينية الآنية – من سهم العاملين عليها – ستنشطهم وتستدعيهم مجددا كلما شرعت بحملة خيرية تطوعية وجلهم محتاج وعياله لما يقدمه للآخرين من مساعدات وإن بدرجة أقل.

– احرص على تقبيل رؤوس العجائز ،وأيادي كبار السن ، والمسح على رؤوس الأيتام أثناء التوزيع بكل ود ولطف واحترام ، فكلما تواضعت وخفضت جناحك لمن تمد يد العون اليهم ،كلما تواضع كل من بمعيتك وتأثروا بنهجك وساروا على خطاك .والعكس صحيح تماما، فكلما كنت متعاليا ومتجهما ومتشنجا خلال الحملات الإغاثية كلما تشنج وتعالى وتجهم جل أو كل من بصحبتك ..فاحذر وانتبه .

– اجتهد بالذهاب بنفسك قدر الإمكان الى المحتاجين ومناطقهم بدلا من دعوتهم في كل مرة للمجيء الى جمعيتك الخيرية ..الى منظمتك الإنسانية ..الى مؤسستك الإغاثية ، لأن بعضهم مريض أو معاق أو متعب ، وبعضهم لا يمتلك تكاليف النقل أساسا ، وبعضهم ستكون أعباء التنقل عنده موازية لقيمة ما ستمنحه إياه من حصة تموينية ومساعدات غذائية، وإن كان لابد فلتكن تكاليف التنقل ذهابا وإيابا مرفقة مع الحصص لتدفع لهم بمعيتها على الفور !

– تواضع أثناء التوزيع لصغارهم وكبارهم واجتهد على أن لا تفارق البسمة محياك البتة ولو مجاملة ومعلوم بأن للابتسامة والتواضع وقع كبير في نفوس المنكوبين والنازحين والمهجرين قسرا المثقلة بالهموم .

– البس البسيط من الثياب والزي المناسب القريب من ملابس من تعمل على إعانتهم أثناء التوزيع ولا تذهب إليهم لتوزع المساعدات ببدل رسمية، أو بربطات عنق أنيقة وبساعات يد وخواتم ثمينة ،أو بمواكب رسمية طويلة وسيارات فارهة،سيتوهمونك وصدقاتك وإن لم يقولوا ذلك في وجهك علانية ،بأنك مجرد شخص وصولي وانتهازي وأناني يبحث عن الشهرة والسمعة ،وربما عن الدعايات الانتخابية ،والترندات الرقمية ، وعن المكانة الإجتماعية مستثمرا معاناتهم ومستغلا مأساتهم لا أكثر !

-أثناء عملية التوزيع الخيرية حاول قدر الإمكان أن تشارك بعملية التوزيع بيديك وإن اتسخت ثيابك، وإن اغبر وجهك، وإن تصبب عرقا جسمك ووجهك، وإن تبعثر هندامك،وإياك أن تكتفي باطلاق الأوامر والتعليمات والتوجيهات فحسب،ولا تقف جانبا لتدعو هذا الى تحميل المساعدات، وذاك الى تفريغها ،والآخر الى تقديمها، والرابع الى نقلها وتسليمها ، فيما تقف أنت في أعلى الموقع منتفخا كديك رومي،أو مشبكا كلتا يديك أعلى صدرك وكأنك في حفل التقاط الصور على الريد كاربت قبيل تسلم جائزة الأوسكار، أو وضع قبضتيك على خاصرتك وكأنك نابليون بونابرت ،أو فاتح ” جناق قلعة “..إنها هيئات مكروهة ، وتصرفات مذمومة ستفقدك الكثير من احترامك وتواضعك وستشعر جميع من حولك بأنك إنسان مغرور وفارغ ومتكبر..فانتبه !

-عليك أن تعلم مسبقا بأن القاسم المشترك بين البؤساء والتعساء هو الفقر والفاقة وبالتالي فإنهم قد هرولوا الى موضع توزيع المساعدات العينية والمادية وتجمهروا هناك تحت أشعة الشمس اللاهبة صيفا، وتحت سياط البرد اللاسعة شتاء للحصول على ما يسد رمقهم، ويقيهم ذل السؤال ،ويخفف عنهم جانبا من الأعباء الثقيلة التي يضيقون صدرا بحملها،أملا بتحسين واقع الحال ولو وقتيا، فاجبر بخاطر الجميع ولا تجرح مشاعر أي منهم لتحجب المعونات عن هذا أو ذاك بذريعة أنه ليس على دينك وطائفتك وملتك..ليس على شاكلتك..ليس من قوميتك ..ليس من مدينتك ومحافظتك..ليس من أبناء عمومتك ولا من عشيرتك ..ليس من بلدك ..فالمال مال الله تعالى ، وقد تصدق به الخيرون والمحسنون،وقد أوكلوك وأناطوا بك لحسن ظنهم بك مهمة توزيعه بالنيابة عنهم بين المحتاجين والمعسرين فلا تتبطر،ولا تتبختر،ولا تتخير،ولا تتجبر،ولا تتكبر، ورحم الله تعالى ،رجلا شهما وسمحا كريما حيثما حل وارتحل أشاع الخير وأفرح وسر الجموع ولكل الأمور وإن كانت عصيبة،يَسَّر .

-بعض العاملين في المجال الإغاثي والخيري يكثرون من أمرين سلبيين إثنين عادة ما يُنفرا عامة المتصدقين منهم،ويبعدا أكثر الباذلين عنهم، أولهما كثرة العتاب والملامة لمن لا يستجيب لحملاتهم الخيرية المتتابعة،ولا يتفاعل معها،ومعلوم بأن كثرة اللوم والعتاب تقلل المودة،وتُفقِد الاحترام،أما ثانيهما فهو النظر بفوقية وازدراء الى الصدقات القليلة مع أن بعض المتصدقين لا يملك أكثر منها ولعلها الأخلص والأبرك،وفي ذلك قال رسول الحق وحبيب الخلق ﷺ:”سَبَقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ” قالوا: وكيف؟ قال: ” كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عُرْض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها”رواه النسائي ، بمعنى أن صاحب الدرهمين قد تصدق بنصف ماله وثروته في تلكم اللحظة ولو كان عنده أكثر لفعل .
وأقول للصنف الأول بأن عدم تفاعل بعض المتصدقين والباذلين مع جل أو كل حملاتك الخيرية لا يؤشر الى بخلهم،ولا الى شحهم في كثير من الأحيان بقدر تعلق الأمر بعدم ثقتهم بحملتك الخيرية أساسا، فضلا على شخصك أو منظمتك : “واللي ما يعرفك،ما يثمنك”على قول أجدادنا،ولاسيما مع كثرة المتطفلين والطارئين والمخادعين ممن يزعمون الخيرية في زماننا هذا وهم أبعد خلق الله تعالى عنها، ومواقع التواصل اليوم تعج بأشخاص مدعين،وبجهات وهمية لا حصر لها من هذا القبيل، وبقدر تعلق الأمر بكثرة صدقات المحسنين الى جهات أخرى تصب في ذات الاتجاه الخيري الذي تسير فيه أنت ، ولضحايا عين المحنة والكارثة والنكبة التي قامت عليها حملتك الإنسانية ،ومن غير المقبول أن تلوم وتعاتب أناسا قد تصدقوا للتو وبذلوا أموالهم الى جهات خيرية أخرى داخل المساجد والمؤسسات والجمعيات والصناديق الموثوقة المعتمدة، لتوزع اتهاماتك عليهم جزافا وتطعن بهم كيفما اتفق حتى من دون أن تتريث أو تتثبت أو تتحقق ولتكن رقبتك أطول من رقبة البعير قبل أن تتفوه بكلمة أو تورط نفسك ببوست أو تغريدة ستجلب لك ما يقض مضجعك من المتاعب والذنوب !
وأضيف الى الصنف الثاني بأن العبرة هي بمن أخلص وصدق وإن قلت صدقته،لا بمن سبق وربما لم يخلص ،وإن كثرت صدقته،كما جاء في الحديث السالف ، فيما جاء في أحاديث شريفة أخرى:”لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا،ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ” رواه مسلم، وكما جاء في كتب الحديث، أن النَّبيُّ ﷺ قام وقال: ( اتَّقوا النَّارَ ) ثمَّ أعرَض وأشاح حتَّى رأَيْنا أنَّه يراها ثمَّ قال: (اتَّقوا النَّار ولو بشِقِّ تمرةٍ فإنْ لم تجِدوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ ) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي .

–بعض العاملين في المجال الإغاثي والخيري يكثرون وبحسن نية،وأحيانا بسوء نية ،وبعد عدة حملات إغاثية وعلى رؤوس الأشهاد من التشكيك ببعض من يتصدقون عليهم،واتهام بعض من يلوذون بهم،وتكذيب بعض من يأتون طلبا للمساعدة منهم ،وهذا الأمر ولا ريب حسن في حال تحذير أهل الإحسان من المدعين والكذبة والمحتالين والمتسولين لكي لاتنطلي على الخيرين أحابيلهم ،وووولكن”هذا الأمر إنما يكون قبل انطلاق الحملة الإنسانية وليس بعدها لأنك في هذه الحالة وكأنك تقول للمتصدقين بأن تبرعاتهم قد ذهبت أدراج الرياح هباء منثورا،ومع تكرار التشكيك مرات عدة علنا،لن يثق بك أحد بخلاف ما تروم وتتمنى من وراء هذا التشكيك المتواصل في محاولة منك لإثبات شفافيتك وإخلاصك وحرصك أمام المتصدقين والباذلين،وكأنك قائل لهم بأنك شخص غير موثوق به ولا مؤتمن،وبأنك غير نبه، ولا حريص على أموالهم ولطالما ضحك ويضحك المحتالون والأفاقون على ذقنك في كل مرة حتى جعلوك ولكثرة غفلتك،وقلة حزمك-ولا أقول طيبة قلبك- هدفا لهم،وبمعنى أكثر شعبوية”مضحكة !”لأن الخير ليس كذلك،وإنما هو،وبما يحلو لي تسميته بـ”الخير المنظم الحاسم النبه الحازم”الذي يفر منه المتطفلون ولا يتهافتون عليه بالمرة لحزمه ونباهته ولتدقيقه وتوثيقه لمستمسكات وأسماء وعناوين وأحوال وأوضاع الأيتام والأرامل والعوائل المتعففة، ولحالاتهم المرضية خلال تقديم المساعدات الطبية والعلاجية،إضافة الى تنظيمه لوصولات وتواريخ الاستلام والصرف والشراء والعلاج والتوزيع أولا بأول لضمان السلامة أمام الجهات الرقابية أولا، ولضمان نظافة اليد وحيازة ثقة المتصدقين بك ثانيا ، فليس كل دمعة يذرفها أحدهم أمامك دليل على حزن وفاقة وحاجة،ولا كل ابتسامة تعلو محيا أحدهم مؤشر على بطر وفرح ولجاجة، وعلى العاملين في المجال الخيري الانتباه جيدا والتحلي بالحنكة والفطنة المطلوبة في جمع وتنظيم وصرف المعونات والصدقات!
وما أروع ما قاله أحد الحكماء حين سئل سؤالا محددا:“لماذا تكثر من الصدقة على الآخرين ،ألا تخشى الفقر ؟!“قال،إن المتصدقين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،تماما كأجر الشهداء ألم تسمعوا الى قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة:262،والتي انتهت بذات الأجر العظيم الذي انتهت اليه الآية رقم 274 من ذات السورة : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ليتساوى بذلك المتصدقون مع ما جاء في شأن الشهداء ونجاتهم من الخوف والحزن: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ،فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ،يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران: 169-171
كما أن النجاة من الخوف والحزن هي صفة الأولياء كذلك: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) يونس : 62

ولله در القائل في مدح خير البرية ﷺالذي علمنا ودعانا الى إغاثة الفقراء والمساكين والملهوفين بكل أصنافهم وشرائحهم وفي كل الأزمنة والأمكنة والعصور :
هذا الذي دينه بالحق قد ظهرا…هذا الذي جوده قد عم وأشتهرا
أبو المساكين والأيتام والفقرا…كم سد فاقة محتاج وكم نفعا
صلوا على المصطفى يا كل من سمعا