قصة قصيرة /         فاتورة المحاولة

اسعد عبدالله عبدعلي

كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها طيف ذلك الحلم البعيد: “الشهادة العليا”. حلم سكب في محرابه سنوات العمر، ونثر على عتباته الأموال، وقدم له الجهد والوقت قربانا، ليتلاشى في نهاية المطاف كسراب غادر، مخلفا وراءه قلبا كسيرا وحلما ضائعا. وفي هذا الغياب الفج للحلم، كان التساؤل حاضرا في ذروة الصمت: هل نحن محكومون بآمالنا أم ضحايا لها؟  

إن أشد أنواع الاغتراب ليس أن تكون غريباً عن العالم، بل أن تصبح غريباً عن حلمك القديم، تنظر إليه فلا تتعرف عليه، ولا ترى فيه إلا وجهاً آخر للفقد.

كان يسير مكسورا بالطرقات وهو يفكر بسبل العيش: “لقد حاولت… نعم، حاولت بكل ما أوتيت من شغف وقوة. وبعيدا عن البحث في علل ما جرى، وعن لوم الأقدار أو البشر، ها أنا ذا أعيش السنوات تلو السنوات متجرعا مرارة تلك الخطوة، وأدفع بانتظام فاتورة تلك المحاولة البائسة… أليست المحاولة في حد ذاتها قيمة وجودية؟ لكن كيف للمرء أن يقتنع بجمال المحاولة والنتيجة سحقت البدايات؟  الكل يفهم أننا أحرار في اختيار مصائرنا، لكن لا تذكر حجم الألم عندما نصطدم بجدران الواقع الصماء. أعيش الآن تجربة الزمن الدائري، حيث لا يتقدم الغد ليمحو الأمس، بل يدور الأمس حول نفسي ليعيد إنتاج الخيبة ذاتها في كل فجر جديد”.

حط رحاله في مقهى الاسطورة عسى ان ينفخ الافكار مع دخان التبغ.. : “خسائر فادحة تجذرت في مختلف أصعدة حياتي، فما كان هناك مجرد “جرة قلم” عابرة على الضفة الأخرى، كان في جانبي أنا زلزالا مدمرا وحدثا جللا، هدم سقف الطموح فوق رأسي. أتعجب من هذه المفارقة الصارخة: كيف لخربشة حبر بسيطة من يد لا مبالية أن تملك هذه القوة العجيبة لتغيير مسار كينونة كاملة لانسان؟ جرة قلم واحدة اختزلت عمراً من السهر والتضحية، وحولته إلى “عدم” في لحظة واحدة. إنها مأساة الإنسان حين يدرك أن أقداره الكبرى وهويته وسنوات عمره قد تكون رهينة لقرار عابر, يتخذه آخر في لحظة فراغ أو بيروقراطية باردة”.

دخل غرفته وهو يرى رفوف الكتب نظيفة ليس فيها الا الفراغ: “في محاولة يائسة لانتزاع الوجع من عروقي، وللوصول إلى شاطئ النسيان المهجور، قمت بتمزيق كل كتاب ووثيقة، والدفاتر، وكب أثر يرتبط بتلك المرحلة المظلمة. ظننت أنني بإتلافها أبيدها للابد ، لكن النسيان ظل عصيا لا يتحقق. كم كنت واهماً حين اعتقدت أن الذاكرة تسكن الأوراق؛ إن الذاكرة ليست مادة قابلة للاحتراق أو التمزيق، بل هي جزء من نسيج الوعي ذاته. التمزيق كان صرخة احتجاج ضد الذات، رغبة في ممارسة هدم الماضي، لكنني اكتشفت أن كل ورقة مزقتها تركت جرحاً موازياً في باطني”.

فكيف للنسيان أن يجد إلي سبيلا، والديون تثقل كاهله في اليقظة، والكوابيس تلاحق روحه في المنام، لتبقي جرح الخيبة حيا، كأنه ابن البارحة؟ إن الديون تجسيد مادي للخسارة، والكوابيس تجسيد روحي لها، وبينهما يقف متسائلاً: هل نحن ندفع ثمن أخطائنا أم ندفع ضريبة طموحنا في عالم لا يتسع للحالمين؟