جديد

العهد التنكي البائس: حين يتحول الفقر المدقع المنسي إلى “زمن ذهبي” في ذاكرة الانتقائية السياسية

رياض سعد

**مقدمة: صناعة الحنين إلى ماضٍ لم يكن جميلاً إلا في ذاكرة المنتفعين والمنكوسين والطائفيين والعنصريين والمهجنين

تظهر بين حين وآخر موجة من الخطاب السياسي الذي يعيد تقديم العهد الملكي في العراق (1921-1958) بوصفه مرحلة ذهبية من تاريخ البلاد، وكأن العراق قبل ثورة 14 تموز 1958 كان يعيش عصر الرفاه والاستقرار والدولة الحديثة، ثم جاء الانقلاب العسكري ليهدم دولة مزدهرة ويقضي على تجربة ديمقراطية راسخة.

غير أن التاريخ لا يُكتب بالرغبات العاطفية ولا بالحنين الانتقائي، بل بالوثائق والأرقام وشهادات الذين عاشوا المرحلة… ؛  فالمشكلة ليست في دراسة العهد الملكي أو نقد ثورة 14 تموز أو مناقشة أخطاء النظام الجمهوري اللاحقة، فهذا حق مشروع في البحث التاريخي، وإنما المشكلة تكمن في تحويل مرحلة سياسية محددة إلى “أسطورة مقدسة” يتم الدفاع عنها أحياناً لأسباب تتجاوز التاريخ نفسه، فتتداخل فيها الحسابات الطائفية والمناطقية والعنصرية والطبقية والسياسية المشبوهة والمنكوسة .

إن البعض من خطاب تمجيد الملكية العراقية لا يتعامل مع دولة قامت في ظروف استعمارية معقدة، بل يقدم صورة رومانسية  وطوباوية مجردة عن الملوك والقصور والبروتوكولات والصور الاستعراضية والشعارات الفارغة والمشاريع الوهمية او المتلكئة او الميتة منذ ولادتها ، متجاهلاً سؤالاً أساسياً: كيف كان يعيش ملايين العراقيين خارج أسوار بغداد السياسية؟

فالتاريخ لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي افتتحتها الحكومات، ولا بصور الملوك وهم يضعون حجر الأساس، بل يقاس أيضاً بحياة الفلاح الذي كان يعمل في أرض ليست له، وبالطفل الذي يموت بسبب مرض يمكن علاجه، وبالأمية التي كانت تحاصر غالبية المجتمع، وبالمواطن الذي لا يملك بيتاً سوى صريفة من القصب أو الطين.

ولهذا فإن استعادة صورة العهد الملكي تحتاج إلى تحريرها من الأسطرة، ووضعها في سياقها الحقيقي: دولة خرجت من عباءة الاحتلال العثماني، لكنها دخلت في مرحلة نفوذ بريطاني مباشر وغير مباشر، وبقيت السلطة السياسية فيها محكومة بتحالف بين المؤسسة الملكية والطبقة الإقطاعية والنخب الحضرية والهجينة والغريبة والعميلة المرتبطة بمصالح خارجية واجندات دولية مشبوهة .

***الجزء الاول

**أولاً: من الانتداب إلى المملكة… دولة الاستقلال الشكلي والنفوذ الفعلي

لم يولد النظام الملكي الهجين العراقي نتيجة تطور طبيعي لمؤسسات وطنية عراقية مستقلة، بل جاء ضمن ترتيبات دولية أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية.

فبعد مؤتمر القاهرة عام 1921، قررت بريطانيا تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، وهو قرار ارتبط بمصالح الإمبراطورية البريطانية في المنطقة أكثر مما ارتبط بإرادة شعبية عراقية حرة… ؛ وقد جاءت الملكية ضمن نظام الانتداب الذي منح بريطانيا نفوذاً واسعاً في السياسة الخارجية والعسكرية والاقتصادية.

صحيح أن العراق حصل لاحقاً على استقلال رسمي ودخل عصبة الأمم عام 1932، لكن ذلك لم ينهِ طبيعة العلاقة غير المتكافئة مع بريطانيا، فقد بقيت الاتفاقيات العسكرية والسياسية، ومنها معاهدة 1930، تمنح لندن قدرة كبيرة على التأثير في القرار العراقي.

وقد عبرت وثائق بريطانية عديدة عن أهمية العراق بالنسبة للمصالح البريطانية، خصوصاً بسبب موقعه الجغرافي وثروته النفطية وارتباطه بطرق المواصلات الإمبراطورية.

ومن هنا فإن وصف العهد الملكي بأنه “دولة مستقلة كاملة السيادة” يحتاج إلى مراجعة تاريخية، لأن الدولة كانت تمتلك مؤسساتها الرسمية، لكنها نشأت في ظل ميزان قوة دولي جعل القرار العراقي مرتبطاً بدرجات متفاوتة بالإرادة البريطانية.

**ثانياً: الأسطورة الاقتصادية… دينار قوي وشعب فقير

من أكثر الحجج انتشاراً لدى المدافعين عن العهد الملكي البائس الحديث عن قوة الدينار العراقي في تلك المرحلة، وكأن ارتفاع قيمة العملة يعني بالضرورة رخاء المجتمع.

لكن الاقتصاد لا يُقاس بسعر الصرف فقط، بل بطريقة توزيع الثروة ومستوى الخدمات وحياة المواطنين.

فقد كان العراق في الخمسينيات يمتلك موارد نفطية متزايدة، إلا أن عوائدها لم تتحول إلى تنمية اجتماعية واسعة بالقدر الذي كان يحتاجه المجتمع..  بقيت قطاعات واسعة من السكان تعاني الفقر والمرض وضعف التعليم.

وتشير تقارير التنمية والإحصاءات الرسمية العراقية في تلك المرحلة إلى واقع اجتماعي صعب:

* انتشار واسع للأمية.

* ضعف الخدمات الصحية.

* محدودية عدد المستشفيات والأطباء مقارنة بعدد السكان.

* انتشار أمراض مثل الملاريا والتراخوما والسل، خصوصاً في الريف.

* أزمة سكن خانقة، حيث عاش عشرات الآلاف من العراقيين الاصلاء في بيوت طينية أو صرائف من القصب والبردي.

* ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

إن الحديث عن “عصر ذهبي” يتجاهل حقيقة أن العراق في منتصف القرن العشرين كان مجتمعاً زراعياً فقيراً، أغلب سكانه من الفلاحين، وكانت الثروة مركزة في أيدي طبقة محدودة من كبار الملاكين والمتنفذين .

فقد يكون الدينار قوياً في الأسواق، لكن السؤال الحقيقي هو: **كم عراقياً كان يستطيع أن يشعر بقوة هذا الدينار في حياته اليومية؟**

فالعملة القوية لا تعني بالضرورة شعباً غنياً، كما أن الدولة الغنية لا تعني بالضرورة مواطنين مرفهين.

**ثالثاً: الإقطاع… الوجه الاجتماعي المنسي للعهد الملكي

إذا كان هناك عنوان أساسي لفهم العراق الملكي فهو: الإقطاع.

لقد كان الريف العراقي يعيش تحت سلطة كبار الملاكين الذين امتلكوا مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينما بقي ملايين الفلاحين يعملون في ظروف أقرب إلى التبعية الاقتصادية والاجتماعية.

لم يكن الفلاح يمتلك الأرض التي يزرعها، ولا يملك غالباً القرار بشأن محصوله أو مستقبله… ؛  وكان نظام المشاركة الزراعية يمنح الإقطاعي الحصة الأكبر من الإنتاج، بينما يحصل الفلاح على الجزء الأقل رغم أنه يمثل القوة العاملة الأساسية.

هذه البنية لم تكن مجرد مشكلة اقتصادية، بل كانت نظاماً اجتماعياً أنتج شعوراً عميقاً بالحرمان والإقصاء.

فالفلاح الذي لا يستطيع تعليم أبنائه، ولا علاج مرضاه، ولا امتلاك قطعة أرض صغيرة، لم يكن يرى الدولة ككيان يحميه، بل كسلطة بعيدة تتحالف غالباً مع أصحاب النفوذ والاجانب .

ولهذا فإن كثيراً من الفئات الشعبية لم تنظر إلى سقوط الملكية عام 1958 بوصفه مجرد تغيير سياسي، بل رأته نهاية مرحلة طويلة من التهميش الاجتماعي.

 ***الجزء الثاني: القمع والانتفاضات… الوجه الآخر لعهد “الاستقرار” المزعوم

من أكثر الأفكار التي يكررها المدافعون عن العهد الملكي العراقي القول إن تلك المرحلة كانت زمناً للاستقرار السياسي، وإن العراقيين كانوا يعيشون في ظل دولة هادئة لا تعرف الفوضى أو الصراعات، وإن ما حدث بعد ذلك كان نتيجة تدخلات أيديولوجية وعسكرية أطاحت بدولة ناجحة.

لكن قراءة التاريخ تكشف صورة مختلفة تماماً؛ فالعراق الملكي لم يكن مجتمعاً مستقراً بقدر ما كان مجتمعاً مكبوتاً، وكانت الاحتجاجات والانقلابات والانتفاضات تعبيراً عن أزمات عميقة

داخل الدولة والمجتمع، وليس مجرد مؤامرات خارجية أو تحريض حزبي كما يحاول البعض اختزالها.

فالاستقرار الحقيقي لا يعني غياب أصوات المعارضة بسبب القبضة الأمنية، بل يعني قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

أما العراق الملكي فقد شهد خلال فترة قصيرة سلسلة من الأزمات السياسية والعسكرية التي تكشف هشاشة النظام، ومنها:

* انقلاب بكر صدقي عام 1936، وهو أول انقلاب عسكري في العالم العربي، وكان انعكاساً لصراع داخل مؤسسة الحكم والجيش.

* حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وما رافقها من صراع دولي حول موقع العراق في الحرب العالمية الثانية.

* وثبة كانون الثاني عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، والتي خرج فيها آلاف العراقيين احتجاجاً على استمرار النفوذ البريطاني.

* انتفاضة عام 1952 المطالبة بالإصلاح السياسي.

* احتجاجات عام 1956 المتأثرة بالأحداث العربية والإقليمية، خصوصاً العدوان الثلاثي على مصر.

هذه الأحداث لا يمكن تفسيرها كلها بأنها نتيجة “تحريض خارجي”، لأن جذورها كانت موجودة داخل المجتمع العراقي نفسه: الفقر، ضعف المشاركة السياسية، هيمنة النخب التقليدية، وتضخم الفجوة بين الحاكم والمحكوم.

** الدولة التي واجهت شعبها بالقوة

إن مراجعة تاريخ العهد الملكي تظهر أن السلطة لم تتردد في استخدام القوة العسكرية ضد المعارضين والاحتجاجات الشعبية، وهو أمر كان سائداً في كثير من دول المنطقة آنذاك، لكنه يكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

**مجزرة سميل عام 1933

تعد أحداث سميل واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ العراق الحديث.. فقد وقعت مواجهات دامية بين القوات العراقية وبعض أبناء الطائفة الآثورية في شمال العراق، وانتهت بمقتل أعداد كبيرة من المدنيين.

وقد ارتبطت الأحداث باسم الضابط بكر صدقي الذي قاد العمليات العسكرية، في ظل ظروف سياسية معقدة تضمنت توترات داخلية ومخاوف حكومية من مطالب آثورية بالحكم الذاتي وتدخلات إقليمية.

لكن النتيجة الإنسانية كانت كارثية، إذ أصبحت سميل رمزاً لفشل الدولة في إدارة التنوع القومي والديني بالقانون والحوار بدلاً من القوة العسكرية.

**قمع انتفاضات الفرات الأوسط عام 1935

شهدت مناطق الفرات الأوسط، ومنها الرميثة وسوق الشيوخ ومناطق أخرى، تحركات احتجاجية بسبب الأوضاع الاجتماعية والسياسية والضرائب ونفوذ الإقطاع.

وقد لجأت الحكومة إلى القوة العسكرية لقمع هذه التحركات، مستخدمة الجيش والطائرات في بعض العمليات، مما أدى إلى سقوط ضحايا بين المدنيين.

وهذه الأحداث تكشف أن الدولة التي كان يتم تقديمها لاحقاً بوصفها “دولة القانون والمؤسسات” كانت في كثير من الأحيان عاجزة عن حل الأزمات الاجتماعية إلا عبر أدوات القمع والتنكيل والقتل والابادة .

 ** الجيش بين بناء الدولة واستخدامه ضد المجتمع

من الظواهر المهمة في العهد الملكي أن الجيش العراقي، الذي تأسس عام 1921، تحول تدريجياً إلى لاعب سياسي أساسي.

فبدلاً من أن يبقى مؤسسة دفاعية بعيدة عن الصراع السياسي، أصبح الجيش طريقاً للتغيير السياسي، وكانت الانقلابات المتكررة دليلاً على ضعف النظام المدني.

ولم يكن انقلاب 14 تموز 1958 حدثاً منفصلاً عن هذا السياق، بل جاء بعد عقود من تدخل الجيش في السياسة.

لكن تحميل الجيش وحده مسؤولية سقوط الملكية يتجاهل أن المؤسسة العسكرية نفسها كانت انعكاساً لأزمات المجتمع والدولة.

فالضباط الذين قادوا حركة 14 تموز لم يتحركوا في فراغ، بل وجدوا بيئة اجتماعية وسياسية واسعة ناقمة على نظام اعتبره كثيرون عاجزاً عن تحقيق الإصلاح.

** ثورة 14 تموز… نتيجة تاريخية وليست حادثة معزولة

يُراد أحياناً اختزال ثورة 14 تموز 1958 بأنها مجرد انقلاب عسكري أطاح بنظام مستقر، لكن القراءة التاريخية الأكثر توازناً ترى أنها كانت نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات.

لقد جاءت الثورة في ظل:

* استمرار النفوذ البريطاني.

* هيمنة طبقة إقطاعية واسعة.

* ضعف التنمية الاجتماعية.

* أزمة السكن والتعليم والصحة.

* غياب المشاركة الشعبية الحقيقية.

* تصاعد المد القومي والتحرري في المنطقة.

وكانت مطالب الإصلاح قد سبقت الثورة بسنوات طويلة، سواء من خلال الأحزاب السياسية أو الحركات النقابية أو الاحتجاجات الشعبية.

ولهذا فإن صعود عبد الكريم قاسم لم يكن مجرد وصول ضابط إلى السلطة، بل كان استجابة لحالة اجتماعية وسياسية كانت تبحث عن تغيير جذري.

لقد ارتبط اسم قاسم لدى قطاعات واسعة من الفقراء والطبقات الشعبية بإجراءات مثل قانون الإصلاح الزراعي، وتوزيع الأراضي، ومشاريع الإسكان، وتوسيع التعليم، ومحاولة كسر نفوذ الإقطاع.

وفي المقابل، فإن تجربة قاسم لم تكن خالية من الأخطاء؛ فقد شهد عهده صراعات سياسية دامية، وأزمات داخلية، واستخداماً للسلطة ضد خصومه.. لكن تقييمه التاريخي يجب أن يتم ضمن سياق المرحلة لا عبر المقارنة المجردة مع أنظمة لاحقة.

** لماذا يعود الحنين إلى العهد الملكي؟

السؤال المهم ليس فقط: لماذا يدافع البعض عن الملكية؟ بل: لماذا تظهر هذه النوستالجيا السياسية رغم الوثائق والحقائق الاجتماعية؟

هناك عدة عوامل يمكن أن تفسر ذلك:

1- الذاكرة الانتقائية

فالإنسان غالباً لا يتذكر الماضي كما كان، بل كما يريد أن يتذكره.. بعض الذين عاشوا في بغداد، خصوصاً من الطبقات المتعلمة أو القريبة من مؤسسات الدولة، قد يتذكرون مظاهر النظام والهدوء النسبي، لكن تجربتهم لا تمثل تجربة ملايين الفلاحين والفقراء في المحافظات.

2- الحنين الطبقي

هناك فئات اجتماعية فقدت امتيازاتها بعد سقوط النظام الملكي، خصوصاً بعض كبار الملاكين والمتنفذين ومن ذوي الجذور غير العراقية والاصول الاجنبية والغريبة ، فارتبط لديها نقد الثورة بالحنين إلى النظام الهجين الذي منحها مكانة ونفوذاً.

3- الاستخدام السياسي المعاصر

أحياناً يتحول الدفاع عن الملكية إلى أداة سياسية لمهاجمة خصوم معاصرين، وليس إلى بحث تاريخي موضوعي.. فيصبح الماضي مجرد رمز في صراعات الحاضر.

4- الخلط بين أخطاء الجمهورية وفضائل الملكية

من الخطأ التاريخي القول إن فشل بعض الأنظمة الجمهورية اللاحقة يعني أن النظام الملكي كان مثالياً.

فالعراق بعد 1958 عاش سلسلة من الأزمات والانقلابات والحروب والديكتاتوريات، لكن هذه الكوارث لا تمحو حقيقة أن النظام الملكي نفسه كان يعاني مشكلات بنيوية عميقة.

***الجزء الثالث: صناعة الأسطورة الملكية… بين الذاكرة الطبقية والتوظيف السياسي

إن ظاهرة تمجيد العهد الملكي في العراق ليست مجرد اختلاف في تقييم مرحلة تاريخية، فالتاريخ بطبيعته مجال للنقاش وتعدد القراءات، وإنما تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما تتحول مرحلة سياسية كاملة إلى صورة مثالية منفصلة عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي .

فالعهد الملكي، كما هو حال كل مرحلة تاريخية، لم يكن أبيض بالكامل ولا أسود بالكامل، لكنه كان نظاماً قام على توازنات محددة: ملكية دستورية محدودة الصلاحيات، ونخب سياسية هجينة عميلة طائفية عنصرية تقليدية، وطبقة إقطاعية واسعة النفوذ، وعلاقة غير متكافئة مع بريطانيا، ومجتمع يعاني تفاوتاً طبقياً حاداً.

إن المشكلة في الخطاب الحالم بالملكية ليست في تقدير بعض جوانبها الإدارية أو الثقافية، بل في تجاهل ملايين العراقيين الذين عاشوا خارج دوائر السلطة والمدينة والامتياز.

فالدولة التي يتذكرها البعض من خلال قصور بغداد وشوارعها الرئيسية المحدودة ، كانت دولة مختلفة تماماً بالنسبة للفلاح في الجنوب، والعامل الفقير في المدن، وسكان الأرياف والمناطق النائية.

** من المستفيد من صورة “العصر الذهبي”؟

حين يُطرح سؤال: من الذي يحن إلى العهد الملكي؟

لا يمكن تقديم إجابة واحدة، لأن دوافع الحنين متعددة.

لكن القراءة الاجتماعية تكشف أن أكثر المستفيدين من النظام الملكي كانوا تلك الفئات المرتبطة ببنية السلطة آنذاك: الفئة الهجينة , كبار الملاكين، بعض رجال الإدارة التقليدية، والنخب الاقتصادية التي استفادت من نظام توزيع الثروة والامتيازات.

لقد كان العراق الملكي مجتمعاً طبقياً بامتياز؛ فهناك أقلية تمتلك الأراضي والنفوذ والعلاقات السياسية، وأغلبية واسعة تعيش على هامش الدولة.

ولذلك فإن تمجيد ذلك العهد من دون الحديث عن الفلاحين الذين كانوا محرومين من ملكية الأرض، أو عن العمال الذين كانوا يطالبون بحقوقهم، أو عن الفقراء الذين عاشوا في ظروف صحية وتعليمية صعبة، هو إعادة إنتاج لرؤية الطبقات العليا فقط.

فالتاريخ ليس تاريخ القصور وحدها، بل تاريخ الأكواخ أيضاً.

**دور المنصات الإعلامية وشبكات التأثير في إعادة إنتاج صورة العهد الملكي

ولعل من الظواهر التي تستحق دراسة مستقلة في هذا السياق الدور المتزايد لبعض الشخصيات والمنصات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي التي تعمل على إعادة صياغة الذاكرة السياسية العراقية، وتقديم العهد الملكي بوصفه النموذج المثالي الذي ينبغي استعادته.

فالمسألة لم تعد مجرد نقاش تاريخي حول تجربة سياسية انتهت قبل عقود، بل تحولت في بعض الأحيان إلى عملية **إعادة بناء للوعي الجمعي** عبر انتقاء أحداث معينة من الماضي، وتضخيم جوانب محددة، مقابل تجاهل أو تهميش الجوانب الأخرى المتعلقة بالفقر، والإقطاع، والنفوذ الأجنبي، وضعف المشاركة الشعبية.

ومن الطبيعي في عالم السياسة الحديثة أن تستخدم الدول والقوى المؤثرة أدوات القوة الناعمة، ومنها الإعلام، ومراكز الدراسات، والمنصات الرقمية، للتأثير في اتجاهات الرأي العام… ؛ وقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى لا تعتمد فقط على الجيوش والاتفاقيات، بل تستخدم أيضاً أدوات الخطاب وصناعة الصورة والتأثير الثقافي والسياسي.

ولهذا فإن دراسة علاقة بعض الخطابات الإعلامية المعاصرة بالمصالح الدولية وشبكات التأثير الخارجية تمثل موضوعاً مهماً يحتاج إلى بحث موثق يعتمد على الأدلة والوثائق، لا على الافتراضات والانطباعات.

فالسؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا يعود خطاب تمجيد الملكية الآن؟

بل أيضاً: من يمول هذا الخطاب؟ ومن يروّجه؟ وما المصالح السياسية التي يخدمها؟

إن تحليل هذه الظاهرة يتطلب تتبع مسارات التمويل، وعلاقات بعض المؤسسات والشخصيات بمراكز النفوذ الدولية، وطبيعة الرسائل السياسية التي تُطرح، ومدى انسجامها مع مشاريع إعادة تشكيل الدولة العراقية بعد عام 2003.

وسوف يكون هذا الملف بحاجة إلى مقالة مستقلة تتناول **صناعة التأثير السياسي والإعلامي في العراق المعاصر، ودور شبكات المصالح الدولية  لاسيما البريطانية في إعادة إنتاج سرديات تاريخية تخدم أهدافاً سياسية راهنة.

** الفلاح العراقي… الضحية الكبرى للنظام الاجتماعي الملكي

كانت القضية الزراعية واحدة من أكبر أزمات العراق قبل عام 1958.

فقد بقيت ملكية الأراضي الزراعية مركزة لدى عدد محدود من كبار الملاكين، بينما كان ملايين الفلاحين يعملون ضمن علاقات زراعية غير متوازنة.

ولم يكن غياب العدالة الزراعية مجرد مشكلة اقتصادية، بل كان ينتج أشكالاً من التبعية الاجتماعية والسياسية.

الفلاح الذي لا يملك أرضه كان غالباً لا يملك صوته السياسي أيضاً، لأن نفوذ كبار الملاكين كان يمتد إلى الانتخابات والإدارة المحلية ومؤسسات الدولة.

ولهذا جاء قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة 14 تموز كواحد من أكثر القرارات تأثيراً في البنية الاجتماعية العراقية، لأنه حاول تفكيك نظام امتلاك الأراضي الذي اعتُبر أحد أعمدة القوة التقليدية للنظام الملكي.

وقد اختلف المؤرخون في تقييم نتائج الإصلاح الزراعي، فهناك من يرى أنه ساهم في تحرير الفلاحين من هيمنة الإقطاع، وهناك من ينتقد طريقة تطبيقه وآثاره الاقتصادية، لكن لا خلاف على أنه استهدف مشكلة حقيقية كانت موجودة قبل الثورة.

**هل كان العراق دولة مؤسسات أم دولة نخب هجينة عميلة طائفية محدودة؟

يكرر بعض المدافعين عن الملكية أن العراق آنذاك كان يمتلك برلماناً ودستوراً، ولذلك كان نموذجاً ديمقراطياً متقدماً.

لكن وجود المؤسسات الشكلية لا يعني بالضرورة وجود ديمقراطية مكتملة.

فالديمقراطية لا تُقاس بوجود البرلمان فقط، بل بمدى قدرة المواطنين على التأثير في القرار السياسي.

وفي العراق الملكي كانت الحياة السياسية مقيدة بعوامل عدة:

* نفوذ البلاط الملكي.

* تأثير بريطانيا في الملفات الاستراتيجية.

* قوة كبار الملاكين والزعامات التقليدية.

* ضعف مشاركة الطبقات الشعبية.

* محدودية تمثيل الفئات الفقيرة.

كما شهدت تلك المرحلة حل مجالس نيابية، وتدخلات في الانتخابات، وتضييقاً على بعض القوى السياسية والنقابية.

ولهذا فإن وصف النظام بأنه “ديمقراطية كاملة” يمثل تبسيطاً لا ينسجم مع واقع المرحلة.

**انتخابات العهد الملكي: ديمقراطية شكلية تحت هيمنة السلطة والنخب التقليدية

ومن بين الأوهام التي تُروّج حول العهد الملكي العراقي تصوير الحياة النيابية آنذاك باعتبارها نموذجاً ديمقراطياً مكتملاً، وكأن البرلمان كان تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب العراقي بكل فئاته وطبقاته… ؛ غير أن قراءة الواقع السياسي والاجتماعي لتلك المرحلة تكشف أن التجربة البرلمانية كانت في كثير من جوانبها محدودة وشكلية، إذ بقيت محكومة بتوازنات السلطة والنفوذ التقليدي أكثر مما كانت خاضعة لإرادة الناخبين الحرة.

فقد كانت الانتخابات تُجرى في ظل مجتمع يعاني ارتفاعاً كبيراً في معدلات الأمية، وضعف الوعي السياسي، وهيمنة كبار الملاكين وشيوخ العشائر والنخب المرتبطة بالإدارة البريطانية والملكية الهاشمية الغريبة على الحياة العامة… ؛  وفي مثل هذه البيئة لم يكن المواطن الفقير، وخصوصاً الفلاح في الريف، يمتلك القدرة الفعلية على اختيار ممثليه بعيداً عن تأثير أصحاب النفوذ المحلي.

كما أن ظاهرة وصول شخصيات سياسية إلى البرلمان من دوائر انتخابية لا تربطها بها علاقة اجتماعية حقيقية لم تكن غائبة عن تلك المرحلة؛ إذ كان بعض المرشحين يعتمدون على علاقاتهم بالسلطة أو دعم النخب المتنفذة، فيترشحون في مناطق لا يعرفهم أهلها معرفة حقيقية، ولا يمثلون بالضرورة مصالح سكانها، بل يمثلون شبكة المصالح التي أوصلتهم إلى موقع القرار.

ولهذا فإن البرلمان الملكي، رغم وجود شخصيات وطنية محترمة داخله، لم يكن دائماً مرآة للمجتمع العراقي بكل طبقاته، بل كان في الاعم الاغلب انعكاساً لتركيبة السلطة القائمة: تحالف بين البلاط، وكبار الملاكين، والنخب الإدارية والسياسية الهجينة والطائفية والعميلة .

كما أن تدخل السلطة التنفيذية في العملية الانتخابية، وحل البرلمانات عند تعارضها مع توجهات الحكومة، واستخدام النفوذ الإداري، كلها عوامل جعلت مفهوم الديمقراطية في تلك المرحلة محدوداً ومختلفاً عن المعايير الحديثة للديمقراطية القائمة على التداول الحقيقي للسلطة والمشاركة الشعبية الواسعة.

إن وجود دستور وبرلمان وانتخابات لا يعني بالضرورة وجود ديمقراطية حقيقية؛ فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة من الحرية السياسية، والمساواة في التأثير، وحرية التنظيم، وقدرة المواطن العادي على إيصال صوته بعيداً عن هيمنة المال والنفوذ.

ولهذا فإن تقديم الانتخابات الملكية باعتبارها دليلاً على ديمقراطية راسخة يتجاهل حقيقة أن الدولة العراقية آنذاك كانت لا تزال أسيرة بنية اجتماعية تقليدية، حيث كان الفلاح والعامل والطبقات الفقيرة بعيدين بدرجة كبيرة عن مركز صناعة القرار.

فالمشكلة لم تكن في وجود البرلمان بحد ذاته، بل في السؤال الأهم: من كان يملك القدرة الحقيقية على اختيار أعضاء البرلمان؟ ومن كانت مصالحهم هي التي تجد طريقها إلى قاعة المجلس؟

** بريطانيا والنظام الملكي… علاقة المصالح لا علاقة الصداقة

من الأخطاء الشائعة في قراءة التاريخ النظر إلى علاقة بريطانيا بالعراق باعتبارها علاقة دعم وتحديث فقط.

بريطانيا بلا شك ساهمت في إنشاء بعض المؤسسات الحديثة، مثل بعض الهياكل الإدارية والتعليمية والعسكرية، لكن ذلك لم يكن عملاً خيرياً منفصلاً عن مصالحها الإمبراطورية.

فالقوى الاستعمارية عبر التاريخ كانت تبني المؤسسات بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان العراق بالنسبة لبريطانيا مهماً بسبب:

* موقعه الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا.

* النفط.

* الطرق العسكرية.

* دوره في حماية المصالح البريطانية في المنطقة.

ولهذا فإن العلاقة بين الطرفين يجب فهمها ضمن منطق المصالح الدولية، لا ضمن رواية “المحتل الذي جاء ليبني دولة فقط”.

**من الاستعمار المباشر إلى خطاب الحقوق: تحولات الخطاب الغربي بين الماضي والحاضر

ومن المفارقات التاريخية التي تستحق التأمل أن بعض القوى التي مارست النفوذ الاستعماري المباشر في بلدان العالم الثالث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أصبحت لاحقاً تقدم نفسها بوصفها راعية للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية.

فالدول لا تُعرَف فقط بالشعارات التي ترفعها، بل أيضاً بتاريخ سياساتها ومصالحها… ؛ فبريطانيا، التي كانت إحدى القوى الاستعمارية الكبرى، لم تكن علاقتها بالعراق وبقية مناطق العالم الثالث قائمة على مبادئ حقوق الإنسان كما تُفهم اليوم، بل كانت محكومة بمنطق الإمبراطورية والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية، خصوصاً السيطرة على طرق التجارة ومصادر الطاقة والمواقع الجيوسياسية.

ولهذا فإن التحول من مرحلة الاستعمار التقليدي إلى مرحلة الخطاب الحقوقي لا يمكن قراءته بمعزل عن تطور النظام الدولي.. فقد انتقلت القوى الكبرى في كثير من الأحيان من أدوات السيطرة المباشرة إلى أدوات أكثر نعومة، مثل النفوذ السياسي، والتأثير الثقافي، والدعم الإعلامي، والمنظمات غير الحكومية، وصناعة النماذج السياسية.

لكن هذا لا يعني إنكار أهمية مفاهيم حقوق الإنسان أو الديمقراطية، فهي قيم عالمية ساهمت في تطويرها حركات إنسانية عديدة داخل المجتمعات المختلفة، وإنما يعني ضرورة التعامل معها بوعي تاريخي، بعيداً عن استخدام هذه المبادئ كغطاء لمصالح سياسية انتقائية.

فالمشكلة ليست في الحديث عن حقوق الإنسان، بل في ازدواجية المعايير: حين تُرفع شعارات الحرية في مكان، بينما تُتجاهل الانتهاكات أو تُدعَم أنظمة استبدادية في مكان آخر عندما تتوافق مع مصالح القوى الكبرى.

ولهذا فإن قراءة التاريخ تفرض سؤالاً مشروعاً: هل تغيرت السياسات فعلاً، أم تغيرت الأدوات فقط؟

**بريطانيا لم تكن جمعية خيرية… بل قوة استعمارية تحكمها المصالح

إن استحضار الدور البريطاني في العراق خلال مرحلة تأسيس الدولة الملكية يجب ألا يتم من خلال الصورة التي حاولت بعض الخطابات اللاحقة تكريسها، وكأن بريطانيا كانت قوة محايدة جاءت بدافع نشر الحضارة أو الدفاع عن حقوق الإنسان العراقي أو تحرير العراق من الاتراك العثمانيين .

فبريطانيا في تلك المرحلة لم تكن جمعية خيرية، ولا منظمة إنسانية تعمل من أجل رفاه العراقيين، بل كانت إمبراطورية استعمارية كبرى تتحرك وفق منطق المصالح والنفوذ… ؛ وكان العراق بالنسبة لها موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية بسبب موقعه الجغرافي، وثرواته الطبيعية، وخصوصاً النفط، وارتباطه بخطوط المواصلات العسكرية والتجارية للإمبراطورية البريطانية.

لقد جاءت إدارة بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى ضمن نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، وهو نظام رُفع له شعار “تهيئة الشعوب للحكم الذاتي”، لكنه عملياً أبقى القوى المنتدبة صاحبة النفوذ الأعلى في الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

فلو كانت الأولوية البريطانية هي حقوق الإنسان العراقي فعلاً، لكان المعيار الأول هو بناء دولة تقوم على العدالة الاجتماعية، وتوسيع التعليم، وإنهاء الفقر، وضمان مشاركة جميع فئات المجتمع في السلطة… ؛ لكن الواقع التاريخي يكشف أن الأولوية كانت غالباً مرتبطة بالحفاظ على الاستقرار الذي يخدم المصالح البريطانية، حتى لو تطلب ذلك التحالف مع نخب تقليدية، أو دعم حكومات لا تتمتع بتأييد شعبي واسع.

ولذلك فإن قراءة الدور البريطاني يجب أن تتحرر من ثنائية التقديس أو الإنكار؛ فبريطانيا ساهمت في إنشاء بعض مؤسسات الدولة الحديثة، لكنها فعلت ذلك ضمن إطار استعماري كانت تحكمه مصالحها أولاً.

فالتاريخ لا يُقاس بما أنشأته القوى الكبرى فقط، بل أيضاً بما فرضته من ترتيبات سياسية واجتماعية، وبالطريقة التي تعاملت بها مع تطلعات الشعوب الواقعة تحت نفوذها.

وعليه، فإن تقديم بريطانيا في العهد الملكي العراقي باعتبارها “الراعي الحامي للديمقراطية وحقوق العراقيين” هو قراءة انتقائية تتجاهل طبيعة المرحلة الاستعمارية نفسها؛ فالقوى الاستعمارية لم تدخل البلدان بحثاً عن حقوق الشعوب، بل بحثاً عن مواقع النفوذ ومصالحها الاستراتيجية.

** من الوثائق التي تستحق العودة إليها

إن دراسة العهد الملكي تحتاج إلى العودة إلى مصادر متنوعة، منها:

1. تقارير وزارة التخطيط العراقية في خمسينيات القرن العشرين.. المتعلقة بالسكان والصحة والتعليم ومستوى المعيشة.

2. صحيفة الوقائع العراقية ، وهي السجل الرسمي للقوانين والقرارات الحكومية.

3. وثائق وزارة الخارجية البريطانية والأرشيف الوطني البريطاني المتعلقة بالانتداب والعلاقات العراقية البريطانية.

4. تقارير عصبة الأمم في فترة الانتداب.

5. كتب المؤرخين العراقيين الذين تناولوا تاريخ العراق الحديث، ومنهم:

* حنا بطاطو في دراسته عن الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق.

* عبد الرزاق الحسني في مؤلفاته عن تاريخ العراق السياسي.

* علي الوردي في تحليله للبنية الاجتماعية العراقية.

* دراسات متخصصة حول الحركة الوطنية العراقية والإقطاع والريف.

* شهادات العراقيين والذاكرة الشعبية .

هذه المصادر لا تقدم رواية واحدة، لكنها تمنع اختزال التاريخ في الشعارات.

** بين نقد الملكية ونقد الجمهورية… الحقيقة لا تحتاج إلى تقديس

من الضروري التأكيد أن نقد العهد الملكي لا يعني تبرير كل ما حدث بعد عام 1958.

فالعراق بعد الثورة دخل مراحل مضطربة:

* صراعات داخل الجيش.

* انقلابات متتالية.

* صعود أنظمة سلطوية.

* حروب وكوارث سياسية.

كما أن ثورة 14 تموز نفسها شهدت أحداثاً مؤلمة وأخطاء جسيمة، خصوصاً في طريقة التعامل مع الخصوم السياسيين وبعض الاحداث .

لكن العدالة التاريخية تقتضي ألا نحاكم مرحلة بمعايير مرحلة أخرى، ولا أن نجعل فشل الأنظمة اللاحقة دليلاً على نجاح النظام السابق.

فالسؤال ليس: هل كانت الجمهورية أفضل دائماً من الملكية؟

ولا: هل كانت الملكية أفضل من كل ما جاء بعدها؟

السؤال العلمي هو: كيف كان النظام الملكي يعمل؟ ولمن كانت الدولة؟ ومن دفع ثمن سياساته؟

**الخاتمة: التاريخ ليس قصراً يسكنه الملوك فقط

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول الماضي إلى أسطورة تمنع فهم الحاضر.

العهد الملكي العراقي لم يكن جنة مفقودة كما يصوره البعض، ولم يكن مجرد صفحة سوداء بلا أي إنجازات كما يصوره آخرون.

لقد كان مرحلة تأسيسية للدولة العراقية الحديثة، لكنه كان أيضاً مرحلة اتسمت بالتفاوت الطبقي، والنفوذ الخارجي، وضعف العدالة الاجتماعية، وتهميش قطاعات واسعة من الشعب.

إن الذين يتذكرون ذلك العهد باعتباره “زمن الاستقرار” قد يتذكرون جانباً من الصورة، لكن هناك صورة أخرى لملايين العراقيين الذين عاشوا الفقر والمرض والأمية والحرمان.

فالتاريخ لا يُكتب بأصوات المنتصرين وحدهم، ولا بأصوات أصحاب الامتيازات، بل بأصوات الذين عاشوا في الظل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان العهد الملكي جميلاً أم قبيحاً؟

بل:

جميل لمن؟

وبائس لمن؟

فبينما كانت القصور مضاءة في بغداد، كانت آلاف العائلات تعيش في الصرائف، وبينما كان السياسيون يتحدثون عن الدولة الحديثة، كان الفلاح العراقي يبحث عن لقمة العيش وحقه في الأرض والكرامة.

وهنا تكمن الحقيقة التي لا تستطيع أي دعاية سياسية محوها:

لم تسقط الملكية العراقية عام 1958 بسبب مؤامرة عابرة فقط، بل لأنها حملت معها أزمات مجتمع كامل ظل يطالب بالتغيير حتى انفجر التاريخ.

** واخيرا : لماذا “العهد التنكي البائس”؟!

وقبل أن يُساء فهم عنوان هذه المقالة، لا بد من توضيح أن استخدام مصطلح **”العهد التنكي البائس”** لم يكن بقصد السخرية من التاريخ، ولا رغبة في التنمر على مرحلة سياسية أو الانتقاص من الأشخاص لمجرد انتمائهم إليها، كما أنه ليس محاولة للهروب من الموضوعية أو القفز على الحقائق التاريخية.

فالتاريخ لا يُقرأ بالعواطف وحدها، ولا يُختزل في الألقاب، بل يُدرس عبر الوثائق والأرقام والنتائج الاجتماعية التي تركتها الأنظمة السياسية في حياة الناس.

إن هذا العنوان يحمل وظيفة نقدية ورمزية؛ فهو محاولة لإحداث **صدمة فكرية** أمام خطاب يميل إلى تقديس الماضي، وإلى النظر إلى بعض التجارب السياسية بعين واحدة لا ترى إلا جانباً واحداً من الصورة، فتغفل معاناة الملايين الذين عاشوا خارج دوائر الامتياز والسلطة.

إن وصف “التنكي” هنا لا يقصد به مادة الصفيح أو مظهراً عمرانياً فقط، بل هو رمز لحالة اجتماعية كاملة: حالة الفقر والتهميش والحرمان التي عاشتها قطاعات واسعة من الشعب العراقي، بينما كانت أقلية محدودة تتمتع بالنفوذ والثروة والامتيازات.

فالمشكلة ليست في وجود إنجازات أو مؤسسات خلال أي عهد سياسي؛ فكل مرحلة تاريخية تترك وراءها بعض المنجزات وبعض الإخفاقات… ؛ لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التاريخ إلى **مقدس سياسي**، وعندما يصبح نقد مرحلة معينة وكأنه اعتداء على رموزها، وعندما يُطلب من الأجيال الجديدة أن تنظر إلى الماضي بعين التبجيل لا بعين البحث والسؤال.

إن احترام التاريخ لا يعني عبادة التاريخ.

واحترام الشخصيات التاريخية لا يعني تحويلها إلى رموز فوق النقد.

فالدول لا تُقاس فقط بما بناه حكامها من قصور ومؤسسات، بل بما وفرته من كرامة وعدالة وفرص لمواطنيها.

ولهذا فإن هذه المقالة لا تستهدف أشخاصاً بعينهم، ولا تنطلق من كراهية تجاه فئة اجتماعية أو مكون عراقي، بل تستهدف **فكرة سياسية** تقوم على تجميل الماضي وإخفاء معاناة الناس العاديين.

فالعراقي الذي عاش في الصريفة، والذي حُرم من التعليم والعلاج، والذي عمل في أرض لا يملكها، والذي فقد أبناءه بسبب المرض والفقر والقمع ، له مكان في التاريخ بقدر ما للملوك والسياسيين.

إن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ القصور وحدها، بل تاريخ الأكواخ أيضاً.

ولذلك فإن الغاية من هذا العنوان ليست إغلاق باب النقاش، بل فتحه؛ ليست إصدار حكم نهائي على الماضي، بل دعوة إلى إعادة قراءته بعيداً عن الأساطير والحنين الانتقائي.

فالأمم لا تتقدم عندما تقدس ماضيها، بل عندما تمتلك الشجاعة الأخلاقية لمواجهته بكل ما فيه من ضوء وظلال.