خالد الغريباوي
باحث واكاديمي
قبل أيام من الزيارة المرتقبة للسيد الزيدي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن تقف الساحة السياسية العراقية أمام مرحلة مفصلية تستوجب أعلى درجات الشفافية والمصارحة لأن أي تفاهمات أو اتفاقات تتعلق بثروات العراق أو سيادته لا تخص حكومة أو مسؤولاً بعينه بل تخص جميع العراقيين الذين من حقهم معرفة ما يجري باسمهم.
ومنذ البداية نؤكد موقفاً لا لبس فيه وهو أننا ندعم كل خطوة حقيقية لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد أموال الدولة لأن الفساد كان ولا يزال أحد أهم أسباب تراجع الدولة العراقية. لكن في المقابل فإن مكافحة الفساد لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإضعاف السلطة التشريعية أو تقليص دورها الرقابي أو خلق أجواء سياسية تمنع النواب من ممارسة واجبهم الدستوري في مراقبة السلطة التنفيذية. فالدولة القوية هي التي تحارب الفساد وتحترم في الوقت نفسه الفصل بين السلطات.
إن الاعتقالات والإجراءات التي شهدتها المرحلة الأخيرة تثير أسئلة مشروعة لدى الرأي العام، ليس اعتراضاً على تطبيق القانون، وإنما حول توقيتها وطبيعتها، وهل جاءت بمعايير واحدة أم أنها تزامنت مع استحقاقات سياسية واقتصادية كبيرة تسبق زيارة واشنطن. فهذه الأسئلة لا يجيب عنها إلا الوضوح والشفافية.
وفي الوقت نفسه تتداول الأوساط السياسية والإعلامية حديثاً عن وجود تفاهمات قد تتعلق بتزويد الولايات المتحدة بما يصل إلى خمسمائة ألف برميل من النفط العراقي يومياً. وإذا كان هذا الحديث صحيحاً فإن الشعب العراقي لا يريد بيانات عامة، بل يريد إجابات واضحة: لماذا هذه الكمية؟ وكيف جرى التفاوض عليها؟ وما المقابل الذي سيحصل عليه العراق؟ وهل سيُعرض أي اتفاق من هذا النوع على مجلس النواب؟ وهل ينسجم مع أحكام الدستور والقوانين النافذة؟ لأن النفط ليس ملكاً لحكومة ولا لحزب ولا لمسؤول، بل هو ملك لجميع العراقيين حسب الدستور.
وليس بعيداً عن ذاكرة العراقيين ما حدث خلال حكومة السيد عادل عبد المهدي عندما أُعلن عن تخصيص مئة ألف برميل يومياً للصين ضمن وثيقة تفاهم انذاك، وهو القرار الذي أثار جدلاً سياسياً وشعبياً واسعاً في ذلك الوقت، واليوم فإن أي حديث عن كميات أكبر يستوجب شفافية أكبر، لأن حجم القرار يفرض حجماً مماثلاً من المكاشفة أمام الشعب.
كما أن ملف الاتصالات والإنترنت وما يُثار بشأن مشروع “ستارلينك” يثير هو الآخر تساؤلات تحتاج إلى إجابات رسمية. فإذا كانت هناك اتفاقات أو تعاقدات، فما تفاصيلها؟ وما الضمانات القانونية التي تحافظ على السيادة الرقمية للعراق؟ ومن هي الجهات التي درست هذه الملفات؟ وما الفائدة التي ستعود على المواطن العراقي؟
ويعيدنا هذا كله إلى درس تاريخي لا ينبغي تجاهله، وهو معاهدة بورتسموث عام 1948، فالمشكلة آنذاك لم تكن في اسم الدولة التي وقعت معها الحكومة العراقية، بل في شعور قطاعات واسعة من العراقيين بأن اتفاقاً مصيرياً أُبرم من دون قبول وطني كافٍ ومن دون شفافية، فانتهى الأمر برفض شعبي واسع أسقط المعاهدة. إن استحضار هذه التجربة ليس ادعاءً بأن التاريخ يعيد نفسه، وإنما تذكير بأن الاتفاقات الكبرى التي تمس سيادة الدولة وثرواتها تحتاج إلى الشرعية الشعبية والدستورية قبل أي شيء آخر.
إن زيارة واشنطن ينبغي أن تكون زيارة للدفاع عن مصالح العراق وتعزيز مكانته الدولية وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وبناء علاقات متوازنة تحقق المنفعة المتبادلة، لا أن تتحول إلى مناسبة تثار حولها الشكوك بسبب غياب المعلومات أو تضارب التصريحات.
واليوم لا يطالب العراقيون بأكثر من حقهم الدستوري: أن يعرفوا ماذا سيُناقش في واشنطن، وما هي طبيعة الاتفاقات التي قد تُبرم، وما هي المكاسب التي سيحصل عليها العراق، وهل ستخضع تلك الاتفاقات لرقابة المؤسسات الدستورية، فالشفافية ليست منّة من أحد، بل هي واجب على كل من يتولى مسؤولية إدارة الدولة.
إن العراق أكبر من أي حكومة وأكبر من أي مسؤول، وثرواته ملك لأجياله القادمة، وأي قرار يتعلق بالنفط أو بالسيادة أو بالاقتصاد يجب أن يكون واضحاً ومعلناً وخاضعاً للدستور والرقابة البرلمانية. فالتاريخ علمنا أن الدول تُبنى بالمؤسسات، وأن الثقة تُبنى بالشفافية، وأن الشعوب لا تخشى الحقيقة بقدر ما تخشى غيابها.