الدين واختبار العدالة

منذ عقود طويلة، تُقدَّم المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي على أنها حارسة للقيم والأخلاق والعدالة الاجتماعية، ومصدر للإرشاد الروحي الذي يسعى إلى تقويم سلوك الأفراد والمجتمعات. لكن الواقع السياسي والاجتماعي في عدد من البلدان كشف عن مفارقة مؤلمة تتمثل في اتساع المسافة بين الخطاب الأخلاقي المعلن وبين الممارسات التي تُنسب إلى بعض الشخصيات أو الجماعات المرتبطة بالمؤسسة الدينية. وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عندما تظهر اتهامات بالفساد أو استغلال النفوذ أو التستر على المخالفات، بينما يستمر الحديث عن التقوى والإصلاح والنزاهة.

ومن أكثر الأسئلة التي يطرحها المواطن البسيط طبيعة العلاقة بين المرجعيات الدينية وأتباعها الذين يمتلكون نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا. فإذا كانت المرجعية تملك القدرة على توجيه الجمهور والتأثير في الرأي العام، فلماذا يبدو حضورها محدودًا عندما يتعلق الأمر بمحاسبة المقربين أو الشخصيات التي تستفيد من الغطاء الديني أو الرمزي؟ ولماذا يرتفع صوت الإدانة في بعض القضايا، بينما يخيّم الصمت أو الغموض على قضايا أخرى تمس المال العام ومصالح الناس بصورة مباشرة؟

هذه الأسئلة لا تنطلق بالضرورة من موقف معادٍ للدين، بل من رغبة في معرفة مدى انسجام المؤسسات الدينية مع المبادئ التي ترفعها. فالدين في جوهره يدعو إلى العدل والصدق ومحاسبة الظالم، ولا يمنح حصانة لأحد بسبب مكانته أو انتمائه أو قربه من أصحاب النفوذ. لذلك فإن أي تهاون في مواجهة الفساد ينعكس سلبًا على صورة المؤسسة الدينية نفسها، حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا في تلك الممارسات.
ومن الملاحظ أن بعض الخطابات الدينية تركّز على القضايا الأخلاقية الفردية، بينما يتراجع الاهتمام بقضايا الفساد المالي والإداري التي تؤثر في حياة ملايين المواطنين. وهذا الخلل في ترتيب الأولويات يخلق انطباعًا لدى كثير من الناس بأن هناك انتقائية في التعامل مع المشكلات العامة، وأن بعض الملفات الحساسة تُترك دون معالجة حقيقية لأنها تمس شخصيات تملك نفوذًا سياسيًا أو اجتماعيًا.

كما أن غياب الشفافية يمثل واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات الدينية في العصر الحديث. فالجمهور لم يعد يكتفي بالشعارات أو البيانات المختصرة، بل أصبح يطالب بمواقف واضحة وخطوات ملموسة تؤكد أن العدالة تطبق على الجميع بلا استثناء. وعندما لا يجد الناس إجابات مقنعة عن الأسئلة المتعلقة بالفساد أو سوء الإدارة، تتسع دائرة الشك وتكبر الفجوة بين المؤسسة الدينية وبين القواعد الشعبية التي كانت تنظر إليها بوصفها ملاذًا أخلاقيًا.

وفي خضم النقاشات السياسية والإعلامية، تظهر أحيانًا تصريحات من مسؤولين أو مبعوثين دوليين تتناول ملفات فساد أو سوء إدارة في دول المنطقة. ومثل هذه التصريحات، سواء كانت دقيقة بالكامل أو محكومة بحسابات سياسية، تزيد من الضغوط على القوى السياسية والدينية المطالبة بتوضيح مواقفها. فالرأي العام لا يهتم فقط بمن أطلق الاتهام، بل يهتم أيضًا بطريقة التعامل معه، وما إذا كانت هناك تحقيقات جادة وإجراءات شفافة أم مجرد نفي لا يبدد الشكوك.

والمشكلة الأساسية لا تكمن في وجود اتهامات فحسب، بل في غياب آليات واضحة للمساءلة. فالمؤسسات التي تتمتع بمكانة معنوية كبيرة مطالبة أكثر من غيرها بإظهار التزامها بالمحاسبة. وكلما ازدادت مكانتها، ازدادت مسؤوليتها الأخلاقية أمام المجتمع. لذلك فإن الصمت أو التردد أو الاكتفاء بالكلام العام قد يُفهم على أنه عجز عن مواجهة المشكلات أو رغبة في تجنب الصدام مع أصحاب النفوذ.

ومن الناحية الفكرية، لا يجوز الخلط بين الدين بوصفه منظومة من المبادئ والقيم، وبين الأشخاص الذين يتحدثون باسمه أو يدّعون تمثيله. فالدين لا يُقاس بأخطاء أتباعه، لكنه أيضًا لا يُعفى من النقد عندما تُستخدم رموزه لتبرير الفساد أو التغطية عليه. ومن حق المجتمع أن يسأل ويناقش ويطالب بالشفافية دون أن يُتهم بمعاداة الدين أو استهداف المعتقدات.

إن أي مؤسسة دينية ترغب في الحفاظ على مصداقيتها تحتاج إلى نهج واضح يقوم على إعلان مواقف صريحة من الفساد، ودعم التحقيقات المستقلة، ورفض توفير الحماية لأي شخص تثبت مسؤوليته عن التجاوزات. فالمصداقية لا تُبنى بالخطب والشعارات وحدها، بل بالمواقف العملية التي تثبت أن العدالة فوق المصالح، وأن القيم أعلى من الولاءات.

وفي النهاية يبقى السؤال الجوهري حاضرًا: هل تستطيع المؤسسات الدينية أن تكون جزءًا من مشروع إصلاح حقيقي، أم أنها ستبقى أسيرة الحسابات السياسية والتوازنات الاجتماعية؟ إن الجواب لا تصنعه البيانات الرسمية، بل تصنعه الوقائع على الأرض ومدى الاستعداد لمحاسبة الفاسد أيًا كان موقعه أو انتماؤه. وعندما تتطابق الأقوال مع الأفعال يمكن للمؤسسة الدينية أن تستعيد ثقة الناس، أما إذا استمر التناقض بين الخطاب والممارسة، فإن الشكوك ستظل قائمة وسيبقى الجدل حول دورها ومصداقيتها محتدمًا.

علي جاسم ياسين