كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟

اسعد عبدالله عبدعلي

 على مدار العقود الماضية، ظلت هذه المواجهة محكومة بمد وجزر من الضغوط، إلى أن انزلقت السنوات الأخيرة نحو مرحلة تاريخية مغايرة تماماً، تلاشت فيها ضبابية المواقف وحلت محلها معادلة “فرض قواعد الاشتباك”، فلم يعد الجدار الإيراني مستباحاً، ولم تعد الاعتداءات الأمريكية تمر خلف جدار الصمت, أو في أروقة الإدانة الدبلوماسية، بل باتت تُقابل بردود ميدانية حاسمة وموجعة، تعمدت بالحديد والنار تفتيت الهيبة العسكرية والأمنية التي تباهت بها واشنطن طويلاً أمام العالم.

هذا التحول الجذري في ميزان القوى لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاجاً طبيعياً لاستراتيجية “الدفاع النشط” والردع الشامل التي تبنتها الجمهورية الإسلامية كخيار لا تحيد عنه؛ حيث تحولت العقلية الدفاعية من مجرد تلقي الضربات إلى المبادرة بقطع اليد التي تمتد بالأذى. فكلما حاولت الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض حياكة مؤامرة جديدة لتطويق إيران، أو إحكام الخناق على أنفاس شعبها عبر ما يُعرف بالإرهاب الاقتصادي والعقوبات الجائرة، كانت الجبهة المقابلة تزداد تماسكاً وتنسيقاً.

لقد نجحت طهران في نسج خيوط جبهة مقاومة موحدة ومتكاملة، تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح قوة إقليمية ضاربة قادرة على قراءة لغة الميدان بامتياز، ونقل المعركة في لمح البصر من عمق الحصار إلى قلب القواعد والمصالح الأمريكية الحيوية المنتشرة في مفاصل المنطقة، لتتحول تلك الحصون التي ظنتها واشنطن دروعاً لحلفائها, إلى بنك أهداف مكشوف ينتظر إشارة الرد مع كل حماقة ترتكبها قوى الاستكبار.

·     جبهة سوريا: سحق الغطرسة في معاقل الاحتلال الأمريكي

 تُمثل الساحة السورية النموذج الأبرز لكسر الهيمنة الأمريكية في المنطقة، حيث يتحول الوجود العسكري الأمريكي في شرق سوريا، وتحديداً في منطقة التنف وحقول النفط، من أداة ضغط سياسي واستراتيجي إلى عبء عسكري واقتصادي كبير. وينطلق محور المقاومة، وفي مقدمته إيران، من رؤية تعتبر هذا الوجود احتلالاً غير شرعي وسرقة علنية للثروات الوطنية السورية، مما شرعن استهدافه بشكل مباشر.

وقد شهدت طبيعة المواجهة تحولاً جذرياً وممنهجاً منذ اغتيال القائد قاسم سليماني، وتصاعدت حدتها مع التوترات الإقليمية الأخيرة، حيث انتقل الرد من إطار الرسائل السياسية والتحذيرية إلى مرحلة الاستنزاف العسكري الفعلي والمباشر عبر استخدام سلاح الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الدقيقة. واستهدفت هذه الضربات النوعية والمتكررة قواعد حيوية مثل “التنف” و”حقل العمر النفطي”، محققةً إصابات مباشرة أدت إلى خسائر مادية وبشرية حقيقية في صفوف القوات الأمريكية.

هذا الواقع الميداني الجديد أثبت بشكل ملموس فشل وتراجع كفاءة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتطورة في التصدي لهذه الأسلحة غير التقليدية وحماية الجنود، مما أسقط أسطورة التفوق التقني المطلق ليعزز حقيقة استراتيجية واحدة، وهي أن البقاء الأمريكي على الأرض السورية بات يواجه بيئة طاردة، وأصبح مكلفاً للغاية من الناحيتين البشرية والعسكرية، وغير آمن على الإطلاق.

·     الساحة الخليجية (الكويت، البحرين، والإمارات):

 تعتبر طهران الانتشار العسكري الأمريكي المكثف في محيطها الجغرافي المباشر مهدداً وجودياً لأمنها القومي، لا سيما وأن دول الخليج تحتضن أضخم القواعد العسكرية لواشنطن في المنطقة، بدءاً من قاعدة عريفجان في الكويت التي تمثل شريان الدعم اللوجستي، مروراً بقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وصولاً إلى المقر المركزي للأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.

ومن هذا المنطلق، صاغت إيران استراتيجية ردع عسكرية هجومية، نجحت من خلالها في تحويل هذه القواعد من مصادر تهديد وضغط عليها إلى رهائن عسكرية تقع مباشرة تحت رحمة بنك أهدافها وأهداف حلفائها في محور المقاومة، لتصبح أي خطوة أمريكية معادية محكومة بكلفة تدميرية باهظة تطال هذه المنشآت.

ويسير هذا الردع جنباً إلى جنب مع عمل ممنهج لتقويض هيبة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وهو الرمز الأبرز للنفوذ البحري الأمريكي في المنطقة؛ إذ يتعمد الحرس الثوري الإيراني استعراض قوته البحرية وسيطرته العملياتية في مياه الخليج ومضيق هرمز عبر تسيير الزوارق السريعة، واعتراض واحتجاز السفن والناقلات المخالفة للأنظمة البحرية في تحدٍ علني للإرادة الأمريكية.

هذا الاحتكاك المستمر والمناورات الجريئة فرضت واقعاً ميدانياً معقداً يضع القوات البحرية الأمريكية في حالة استنفار دائم وقلق مستمر من اندلاع مواجهات بحرية خاطفة وغير تقليدية، مما أدى في نهاية المطاف إلى تآكل المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن، وظهورها بمظهر العاجز عن حماية نفوذها أو تأمين حركة الملاحة بشكل مطلق أمام القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية المتصاعدة.

·     مكاسب ايران من ضرب قواعد امريكا العسكرية

تحقق إيران من خلال استراتيجية استهداف وتهديد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة (مثل الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، والأردن) حزمة من المكاسب الجيوسياسية والعسكرية الفادحة، لعل أبرزها:

1-   تثبيت ميزان ردع استراتيجي يحمي العمق الإيراني؛ فوضع هذه المنشآت الحيوية في مرمى النيران يرفع كلفة أي حماقة أو هجوم أمريكي مباشر ضد طهران إلى مستوى لا يمكن لواشنطن تحمله سياسياً وبشرياً.

2-   يساهم هذا الواقع بشكل مباشر في تقويض المظلة الأمنية الأمريكية وتآكل هيبتها، حيث يبعث برسالة عملية قاطعة للدول الحليفة والمضيفة بأن القوة العظمى عاجزة عن حماية جنودها، فكيف بحماية حلفائها، مما يدفع تلك الدول تدريجياً نحو انتهاج سياسة التهدئة والبحث عن تسويات دبلوماسية مباشرة مع طهران, بدلاً من الاصطفاف في محاور معادية لها.

3-   تسعى إيران إلى تحويل بيئة المنطقة إلى بيئة طاردة للوجود الأجنبي عبر فرض حالة استنزاف واستنفار دائم تقيد حركة الأساطيل والطائرات الأمريكية وتجعل بقاءها عبئاً مكلفاً، بالتوازي مع تخفيف الضغط العسكري والاستخباري عن كاهل حلفائها في محور المقاومة في ساحات سوريا والعراق واليمن ولبنان، مما يكرس في نهاية المطاف مكانة إيران كقوة إقليمية أولى قادرة على كسر الهيمنة وتغيير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

·     ختاما:

في الختام يتضح جلياً أن المعادلة التي أرستها الجمهورية الإسلامية طوال العقود الماضية قد تجاوزت مرحلة الصمود السلبي إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، تآكلت فيه أسطورة الهيمنة الأمريكية المطلقة على أرض الواقع ومياهه.

إن تحول القواعد العسكرية من حصون ردع إلى بنك أهداف مكشوف ومستنزف في سوريا والخليج والأردن، لم يكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل هو إعادة صياغة كاملة لخرائط النفوذ وقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

لقد أثبتت لغة النيران والمسيرات الدقيقة أن المظلة الأمنية لواشنطن لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلاً عن تأمين حلفائها، مما وضع الإدارات الأمريكية أمام معضلة تاريخية غير مسبوقة توازن فيها بين كلفة البقاء الباهظة ومرارة الانسحاب الحتمي.

وفي المحصلة، فإن كبرياء الاستكبار الذي تفتت عند أسوار “الدفاع النشط” الإيراني، يؤسس لعهد جديد تملك فيه شعوب المنطقة وقواها الحية قرارها وسيادتها، لتظل الساحة الإقليمية شاهدة على أن زمن الإملاءات الأحادية قد ولى إلى غير رجعة، وأن فجر التوازن الجديد قد بزغ بالحديد والنار وصمود المحور.