جديد

المقاربة النفس-اجتماعية للتعامل الإيجابي مع الأزمات وصناعة التغيير

رياض سعد

المقاربة النفس-اجتماعية للتعامل الإيجابي مع الأزمات وصناعة التغيير

مقدمة: حتمية الصراع الوجودي وطبيعة الأزمات

يواجه الإنسان في سياق حياته اليومية سلسلة من التحديات والعقبات التي تحول بينه وبين تحقيق أهدافه الذاتية والاجتماعية… ؛ وتتباين حدة هذه الأزمات تَبَعاً للظروف المحيطة والسمات الشخصية للأفراد؛ فبينما تدفع بعض الضغوط بالفرد نحو العجز المكتسب والاستسلام، يمتلك آخرون مرونة نفسية تمكنهم من التكيف والمواجهة.

إن الأزمة في أصلها لا تكمن في الحدث الخارجي المجرّد بقدر ما تكمن في نمط الإدراك المعرفي والاستجابة الانفعالية للفرد تجاه ذلك الحدث.

أولاً: البنية الباطنية ومبدأ التغيير من الداخل (الأصالة النفسية)

تؤكد النظريات النفسية الحديثة، بالتناغم مع الموروث الفلسفي والديني، أن التغيير الهيكلي في حياة الفرد والمجتمع يبدأ من تهذيب البنية المعرفية والتخلص من الأفكار الهدامة والمشاعر السلبية… ؛ ويتجسد هذا المفهوم في الثقافات الإنسانية من خلال نصوص محورية، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، وما أُثر عن النبي محمد في تقعيد مفهوم “الجهاد الأكبر” بوصفه جهاداً للنفس.

إن سبر أغوار الذات وفهم عللها يُعد الخطوة الأولى في العملية العلاجية والتقويمية (فمعرفة الداء نصف الدواء)، في حين أن الجهل بالقدرات الذاتية والافتراضات المسبقة المشوهة يؤدي بالفرد إلى التخبط المعرفي والسلوكي، كما يعبر الإمام علي : “هلك امرؤ لم يعرف قدره”.

ثانياً: سيكولوجية الإيحاء الذاتي وأثرها في توجيه السلوك

تلعب التغذية الداخلية والإيحاء النفسي دوراً حاسماً في تشكيل الواقع المادي للفرد… ؛  فالأحداث الخارجية تكتسب قوتها أو ضعفها بناءً على طبيعة الاستجابة النفسية لها؛ فالاستسلام الداخلي يضاعف من حجم الأزمة… , ويتضح هذا في سيكولوجية المواجهة، حيث يعتمد الانتصار على مستوى التدعيم الذاتي والثقة بالمنظومة الدفاعية للفرد، بينما يؤدي الاضطراب الداخلي وتزعزع الثقة إلى الهزيمة الحتمية قبل بدء المعركة .

وفي سياق متصل، يُظهر الإيحاء النفسي الإيجابي قدرة فائقة على تحصين الذات وحفظ حيويتها النفسية والفسيولوجية ضد عوامل الزمن والضغط البيئي… فالإنسان كائن مدفوع بقواه الروحية والباطنية، والعوامل الخارجية لا تمتلك سلطة مطلقة عليه مالم تجد صدىً مستجيباً في أعماقه، وهو ما يختصره المأثور: “من لم يكن له واعظ من نفسه لم ينفعه زجر الزاجرين”.

ثالثاً: ثنائية المواجهة والتكيف المعرفي ضد الإحباط

إن المعاناة والمنغصات جزء لا يتجزأ من السيرورة الطبيعية للحياة الإنسانية، والتكيف مع هذه الحقيقة الكونية لا يعني الخنوع أو القبول الأعمى بالأمر الواقع، بل يعني المرونة النفسية التي تستبدل الانفعالات السلبية بآليات دفاعية ناضجة (وهو الجوهر الحقيقي لمفهوم الصبر في الأبعاد النفسية والدينية).

أمام الأزمات، ينقسم السلوك البشري إلى مسارين:

المسار الانهزامي: ويتمثل في الصدمة، والجزع، واسترجاع المآسي (البكاء على الأطلال)، مما يؤدي إلى استنزاف الطاقة النفسية، والشيخوخة المبكرة، والاعتلال الجسدي؛ إذ إن “الهم نصف الهرم”.

المسار الديناميكي (التحدي): ويعتمد على التفكير العقلاني، واستثمار الأزمة لإنتاج خبرات معرفية جديدة، وتحويل الصدمة إلى محطة انطلاق؛ فكما قيل: “في التجارب علم مستأنف”.

رابعاً: آليات التحصين النفسي: المحاسبة، الترويح، والتخطيط المرن

لحماية المنظومة النفسية من الانهيار العصبي والاحتراق النفسي الناتج عن توالي الضغوط، يجب تفعيل أداتين رئيسيتين:

المراجعة الدورية وتقييم الذات (المحاسبة): وهي عملية “عزل معرفي مؤقت” يقف فيها الفرد خارج حركته اليومية لتقييم سلوكه وتصحيح مساره ؛ كما جاء في الاثر (ليس منا من لم يحاسب نفسه).

الترويح الإيجابي والاستجمام: إن استنفاد الطاقة العصبية يسبب إدراكاً مشوهاً للواقع؛ لذا فإن ترفيه النفس وإراحتها ضرورة حتمية لإعادة الشحن الداخلي ومواصلة الإنتاج، تماشياً مع الحكمة: “إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم”.

علاوة على ذلك، يتطلب النجاح استراتيجية “التفكير التباعدي” أو (العصف الذهني)، عبر وضع خطط بديلة (مسارات متعددة) وعدم الارتهان لنمط واحد في العيش أو الكسب، مما يتيح للبصيرة الإنسانية رؤية زوايا الخطأ والصواب بوضوح: “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”.

خامساً: البعد الاجتماعي ومواجهة “العجز الثقافي المكتسب”

على المستوى الجمعي، تعمد بعض القوى السياسية أو الظروف الاستعمارية التاريخية إلى ترسيخ تبريرات انهزامية وقوالب فكرية محبطة داخل العقل الجمعي (مثل مقولات الحتمية التاريخية للبؤس، أو انتظار الحلول الغيبية دون سعي، أو جلد الذات المجتمعية)… ؛ إن هذه الطروحات ما هي إلا تشويه معرفي وثقافي يهدف إلى تعطيل الإرادة الإنسانية وسلب المجتمع قدرته الفاعلة على التغيير والمقاومة.

إن التغيير الحقيقي يبدأ بكسر هذه الدوائر الفكرية المغلقة، والإيمان بأن السعي والكفاح هما وقود التطور المجتمعي، فالحياة هبات وفرص لا يقتنصها إلا الفاعل الإيجابي، بينما تظل الشخصية السلبية خارج حلبة الفعل الحضاري:

وَمَن يَتَهَيَّب صُعودَ الجِبالِ … يَعِش أَبَدَ الدَهرِ بَينَ الحُفَر

خاتمة:

إن الرؤية المتوازنة للأشياء تقتضي الفصل التام بين “التكيف النفسي المؤقت لبناء خطة الحل” وبين “الرضوخ المجتمعي للواقع الفاسد أو الظلم المعاش”… فالأول مرونة عقلية واعية، والثاني تخاذل سلوكي مرفوض… إن دوام الحال من المحال، ومواجهة الأزمات ببصيرة مستنيرة وإرادة واثقة ونظرة تفاؤلية هادفة هي السبيل الأوحد للنهوض بالذات والوطن نحو آفاق الاستقرار والرفاه.