جديد

ظاهرة الشلليّة الثقافيّة والإعلاميّة في العراق

 دراسة تحليليّة: أبعادها النفسية، الاجتماعية، السياسية، وتداعياتها على الأقلام الحرّة

رياض سعد

مقدمة

تشهد الساحة الثقافية والإعلامية في العراق المعاصر أزمة بنيوية حادة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري الطبيعي لتتحول إلى ما يمكن وصفه بـ “الشلل الثقافي والإعلامي”.

إن هذا الوعاء المشوه لم يعد مجرد تجمعات عابرة، بل غدا منظومة إقصائية تقودها “شلل مرتزقة” وتكتلات مصلحية، تقتات على إفرازات الواقع السياسي المأزوم والمحاصصة الحزبية والارتباطات والاجندات الخارجية المشبوهة … لقد أدى هذا الداء المزمن إلى عزل الطاقات الوطنية، واستبعاد الكتاب المستقلين، وتقديم أصوات هجينة وأقلام مأجورة ومنكوسة تتسيد المشهد لتكريس الباطل ومحاربة كل قلم حر يرفض الخنوع.

أولاً: الأبعاد الدلالية للظاهرة (نفسياً، اجتماعياً، سياسياً، وثقافياً)

البُعد النفسي (الوجداني القمعي والتّشفي):

تنطلق الشللية من “وجدان قمعي” متأصل في الشخصية التي عانت من الاستبداد، حيث يتجلى هذا الوجدان في شهوة التشفي من الآخر المختلف، ومحاولة إلغائه مادياً ومعنوياً… إن لجوء هذه التجمعات إلى النميمة الثقافية والتسفيه والتنمر والافتراء، يعكس شعوراً عميقاً بالدونية والنقص أمام العبقرية الحقيقية والموهبة الفذة والشخصية المستقلة والقلم الحر ، مما يدفع “أدعياء الوعي” إلى التكتل لحماية ذواتهم الهشة.

البُعد الاجتماعي (العصبيّة والجهويّة):

تحولت الشللية في المجتمع الثقافي العراقي إلى نسخة مكررة من “العصبيات البدائية” أو القبلية الضيقة… فالانتساب إلى الشلة لا يخضع لمعايير المنجز المعرفي، بل يرتكز على الولاءات الفرعية (مناطقية، مذهبية، أو نفعية بحتة… الخ )، مما أنتج مجتمعاً ثقافياً مفككاً يتناحر أفراده إلكترونياً وورقياً بدلاً من الالتحام لبناء منظومة وطنية مهابة تحدّ من الجهل والتخلف.

البُعد السياسي (أهل الثقة والمحاصصة):

إن الشللية الحالية هي الانعكاس المباشر لسياسات المحاصصة وبقايا الفكر الشمولي؛ حيث تم استبدال “أهل الخبرة” بـ “أهل الثقة” والولاء الحزبي… والخطير في الشأن العراقي هو تغلغل أطراف مشبوهة، من واجهات وأدوات ترتبط جهات منها بأجندات وسفارات خارجية، فضلاً عن تداخل مصالح بعض أيتام الحكومات البائدة مع المنظومة الحالية لإعادة إنتاج الباطل وتشويه عقول الشباب عبر منصات ممولة وموجهة.

البُعد الثقافي والإعلامي (البلطجة والاحتكار):

أفرغت هذه الظاهرة الحوار من قدسيته، وحولت المؤسسات والصحف والجوائز إلى “إقطاعيات خاصة” ومغانم تدار بعين واحدة ورؤية أحادية… يمارس أقطاب الشلل “بلطجة ثقافية” تحتكر النفوذ والمال العام المخصص للثقافة، وتتحكم في فرص النشر والظهور الإعلامي، فارضةً وصاية مطلقة تصنع نجوماً من ورق وتخفي القامات الرفيعة.

ثانياً: الأسباب (جذور الوباء)

انعكاس الصراع السياسي: انتقال أمراض الطبقة السياسية وصراعات الكتل والأحزاب إلى الجسد الثقافي، واستخدام المثقف كأداة تابعة بدلاً من أن يكون قائداً موجهاً.

غياب المعايير الموضوعية: غياب القوانين والآليات الشفافة في إدارة المؤسسات واللجان الثقافية الرسمية، والاعتماد على صفقات الترضية والتقارب الشخصي والمجاملات المتبادلة.

النفعية والتهافت المادي: تحول الإبداع من رسالة إنسانية وتنويرية إلى “كتيبة مصالح” تلهث وراء التمويل، المناصب، الإيفادات، والجوائز التقديرية المسيسة.

تراجع الوعي الجمعي واستسهال النفاق: صعود قيم التلون والمداهنة كشرط للانتساب والظهور، في مقابل تهميش القيم الأخلاقية الرصينة.

ثالثاً: النتائج والتداعيات (صعود الدعي واختفاء العبقري)

استبعاد الأقلام الحرة

أُجبر الكتاب المستقلون والموضوعيون على الانزواء والصمت صوناً لكرامتهم، أو الهجرة إلى الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها متنفسهم الأخير… ؛  في المقابل، فتحت الشللية الباب لـ “السفهاء والنكرات والمرتزقة ” الذين يحاولون التطاول على العمالقة للظفر برصيدٍ من الشهرة،فبات المشهد الإعلامي العراقي محكوماً بمنطق “طنين الذباب” والمعارك الوهمية والتسفيه المتبادل.

تفتيت الوعي الاجتماعي وتكريس التخلف:

إن تقديم أصوات هشّة ومفرغة من المضمون الراقي  أدى إلى إشاعة البلادة الفكرية والوهن الأخلاقي في الشارع العراقي، مما يسهل تمرير الأفكار المتطرفة والانحلالية على حد سواء، ويعزز من سلطة الباطل والفساد.

فشل المشروع الثقافي الوطني:

تراجع الدور الريادي للثقافة العراقية عربياً وإقليمياً، وتحول المشهد إلى كيانات كرتونية تعيش في “كهوف معزولة” تذوب مع أول مواجهة حقيقية مع أسئلة الواقع والنهضة.

رابعاً: العلاجات والحلول المقترحة

لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وكسر طوق هذه الطغمة الشلليّة، لا بد من تبني استراتيجية هدم وإعادة بناء ترتكز على النقاط التالية:

تفكيك المركزية الثقافية المقيتة:

إن كسر احتكار الشلل يمر حتماً عبر تفكيك الهيمنة المركزية للمؤسسات القائمة في العاصمة والوزارات المغلقة، وتحويل الدعم والقرار الثقافي إلى الجهات والأقاليم والأقلام النزيهة المبعدة في المحافظات، لتوسيع قاعدة المشاركة والإنتاج عبر إدارة شفافة.

إرساء قيم التعددية والتنوع:

يجب أن يعي المثقف المستقل أهمية دوره في قيادة المجتمع نحو وعي مغاير، من خلال فرض التنوع المعرفي كبديل عن الرؤى الأحادية، وإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والموهبة الحقيقية بعيداً عن صكوك الغفران الحزبية والأيديولوجية.

الترفع عن معارك النكرات (سلاح التجاهل):

على الأقلام الحرة ألا تقع في فخ الرد على أبواق الشلل وصنائعها؛ فالرد على هؤلاء يمنحهم مشروعية وحضوراً لا يستحقونه… إن كظم الغيظ والإعراض عن السفهاء هو إماتة لباطلهم وسحب لأضواء الشهرة الزائفة التي يطمعون بها.

بناء جبهة للأقلام المستقلة:

تأسيس حراك ثقافي عابر للشلل والمصالح الضيقة، يستثمر الفضاء الرقمي لربط الطاقات الوطنية الحقيقية، وصناعة رأي عام ثقافي وإعلامي نزيه يشكل صمام أمان يحمي الهوية العراقية ويدرأ مخاطر الفتن والابتزاز بشتى صوره.