مبدأ الإستسلام راحة للبال

مبدأ الإستسلام راحة للبال
بقلم ( كامل سلمان )
أقصر الطرق وأيسرها لراحة البال هو الإستسلام . الإستسلام للعدو ، الإستسلام للظروف الصعبة ، الإستسلام للشهوات ، الإستسلام للإدمان لأن عدم الإستسلام يعني الأنهيار أو الجنون أو ربما الهلاك ، هذا الكلام بالضبط هو المبدأ الذي يعيش عليه بعض الناس في الحياة ، فالإستسلام يضفي عليهم راحة وأمان لأن الإنسان الضعيف الذي يجد في المواجهة كلفة كبيرة وتوتر عالي وصداع مدمر يبحث عن منفذ يريحه ولا يوجد منفذاً أسهل من الإستسلام ، فعندما يجد المبرر الذي يريحه سيشعر بالراحة والأمان وانخفاض مستوى التوتر ثم مواصلة العيش دون النظر إلى عواقب الإستسلام .. سبب ضعف الإنسان وعدم قدرته على تحمل المواجهات الصعبة في الحياة هو البناء التربوي والاجتماعي والفكري الضعيف لأن الإنسان الطبيعي قوي بطبعه له خطوط دفاعية في داخله تمنعه من الإستسلام بسهولة وربما يقاوم لحد الموت . لسنا بصدد الحديث عن أفراد معدودين في المجتمع لأننا في مجتمع يريد سماع هذا الكلام ، عندما ننظر لمجتمع بأكمله يرضى بالإستسلام ويسكت على سلب حقوقه وينتظر الفرج من الله وهو يمتلك مفاتيح الفرج فأن خياره هذا سيتركه يتعذب لأنه إختار الإستسلام عن طيب خاطر وهو قادر على فعل كل شيء ليعيد حقوقه المسلوبه . المشكلة حين يظن المجتمع بأنه أفضل المجتمعات وإنه كيان قوي وهو بالحقيقة مستسلم تمام الإستسلام ولا يوجد مايبرر إستسلامه فيظهر في مثل هذا المجتمع التناقض المؤلم حين يسترجل بعضهم على الأخر ، على من هو أضعف منهم فمثل هذا المجتمع ينسى ذلته ويتوهم بعزته ، مجتمع يسرقون أمواله ويمنعون عنه الخدمات والكهرباء وانعدام فرص العمل وهو مستسلم ومتنازل عن كافة حقوقه لكنه مواظب على العبادة وممارسة الطقوس والشعائر الدينية وله القدرة أن يحدثك ساعات عن الكرامة والعزة والإباء وشعاره الدائم هيهات منا الذلة ثم ينتفض لنفسه أمام أخيه الذي يشاركه في الآلام إذا مسه بكلمة نقد ، مثل هذا المجتمع يستحق ما يتذوق من مرارة العيش والألم . هناك شيء عند المجتمعات البائسة اليائسة المغلوبة على أمرها أشبه بقانون نافذ على الجميع وهو شعار ( حشر مع الناس عيد ) أي عندما يكون الناس راضون على بؤسهم كن مثلهم ستكون سعيداً ، هذا القانون لم يولد من فراغ فهو بناء تربوي ترسخ في عقول الناس لقرون طويلة وكأنما هذا القانون هو إرشاد للفرد بعدم السماح له أن يخالف الخطأ بل يرضى به ولا يصدٌع رأسه . الأسوأ في كل ذلك إذا صارحت الناس بهذه الحقائق سينتفضون ضدك لأنك مسست كرامتهم وسيجعلونك تندم على اليوم الذي ولدتك أمك لأنهم يحملون صفة جينية غريبة وهي ( تقبل الإهانة بشكل عملي مقابل ملاطفتهم بالكلام ومدحهم ) فهم ينظرون للكلام ولا ينظرون للإهانة التي تمارسها ضدهم ، تماماً كما تقول الحكمة ( إذا أشار الحكيم بأصبعه إلى القمر فأن السذج من الناس ينظرون للأصبع ) فهم ينظرون إلى الموقع الخطأ، يسمعون ولا يرون ، وكلمات المديح تطربهم وتقود مخيلتهم إلى الأعالي حتى وأن جعلتهم عراة بلا ثياب لأن الخيال أحاط بهم . ليس عيباً أن نتحدث بعيوب مجتمعاتنا وننتقدها بشدة لكن العيب أن نتستر على عيوب مجتمعاتنا ونظهرها بأنها مزايا ترفع من شأنهم ، فمثل هذه العيوب صارت ثقافة للمجتمع بعد أن ترسخت لمئات السنين وتخمرت وصارت جزءاً من شخصية المجتمع . علينا من خلال حرصنا على مجتمعنا الذي يعيش نصف ميت أن نضع العيوب على الطاولة ونناقشها بشكل علمي عملي ونبحث عن اسبابها وجذورها فقد تعفنت بعض هذه العيوب ولم يعد الإنسان العاقل يتجرع عفونتها .