جديد

ماذا بعد زيارة الزيدي إلى طهران؟

محمود المفرجي الحسيني

حسنًا صنع رئيس الوزراء علي الزيدي بتلبية دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لزيارة طهران، إذ جاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الأهمية، بعد أيام من زيارته إلى واشنطن، وهي زيارة حاول البعض تصويرها على أنها قد تؤدي إلى فتور في العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو أنها تمثل انحيازًا إلى أحد المحاور الدولية.
غير أن الانتقال من واشنطن إلى طهران خلال فترة زمنية قصيرة يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن العراق يسعى إلى إعادة تعريف سياسته الخارجية على أساس التوازن، وأنه يرفض سياسة الاصطفافات التي دفعت دول أخرى ثمنها طوال سنوات الصراع الإقليمي والدولي.
لقد تغيرت الظروف التي تحيط بالعراق، ولم يعد مقبولًا أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، بل أصبح من الضروري أن يتحول إلى دولة تمتلك قرارها، وتبني علاقاتها الخارجية وفق معيار واحد، هو المصلحة الوطنية العراقية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد انتقالًا من الدبلوماسية إلى التنفيذ، عبر تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية، وتوسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والنقل والطاقة، مع التأكيد على أن تكون هذه الشراكات متوازنة، وتحفظ للعراق استقلالية قراره الاقتصادي والسياسي.
كما أن ملف أمن الحدود سيبقى أحد أهم الملفات المشتركة، فاستقرار الحدود العراقية الإيرانية لا يخدم البلدين فحسب، بل ينعكس على أمن المنطقة بأسرها.
وفي الوقت نفسه، سيكون من المهم أن تستثمر بغداد علاقتها مع طهران لتخفيف أي توترات قد تنشأ في المنطقة، وأن تؤكد للجميع أن العراق يفضل لغة الحوار على لغة التصعيد، لأن أي مواجهة إقليمية جديدة ستكون أولى ضحاياها الدول المجاورة، وفي مقدمتها العراق.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من هذه الزيارة هي أن بغداد لا تريد أن تكون جزءًا من أي محور، بل تريد أن تكون جسرًا بين المحاور، فالعراق يمتلك من الموقع الجغرافي، والعمق الحضاري، والعلاقات المتشعبة، ما يؤهله للعب دور الوسيط الذي يجمع ولا يفرق، ويقرب ولا يصادم.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح هذا النهج يتطلب أن تحافظ الحكومة على التوازن ذاته في علاقاتها مع الولايات المتحدة، والدول العربية، وتركيا، وإيران، وسائر الشركاء الدوليين، لأن قوة العراق لا تكمن في اقترابه من طرف وابتعاده عن آخر، وإنما في قدرته على بناء شبكة علاقات متوازنة مع الجميع.
ولا شك أن هذا النهج سيواجه تحديات، سواء من الأطراف التي ما زالت تنظر إلى العراق بعقلية المحاور، أو من القوى الداخلية التي تقرأ السياسة بمنطق الانحياز لا بمنطق الدول،. إلا أن نجاح أي حكومة يقاس بقدرتها على حماية القرار الوطني من الضغوط الخارجية، وعدم السماح لأي طرف بأن يجعل العراق ساحة لتصفية حساباته.
إن العراقيين لا ينتظرون من الزيارات الخارجية استثمارات جديدة، وتحسنًا في قطاع الطاقة، وفرص عمل، وتعاونًا اقتصاديًا، ومشاريع تنموية، واستقرارًا أمنيًا ينعكس على حياتهم اليومية. فهذه هي المعايير التي سيحكم المواطن من خلالها على نجاح السياسة الخارجية.
إن زيارة واشنطن ثم زيارة طهران تضعان الحكومة أمام اختبار حقيقي، وهو إثبات أن التوازن ليس شعارًا سياسيًا، بل سياسة دولة، فإذا استطاع الزيدي أن يحافظ على علاقات متينة مع جميع الأطراف، وأن يحول هذا الانفتاح إلى مكاسب للعراق، فإنه سيكون قد وضع لبنة مهمة في بناء سياسة خارجية أكثر نضجًا، تجعل العراق شريكًا محترمًا لا تابعًا، ودولةً تصنع التوازن بدل أن تكون ضحيته.