من الترجمة والتلقي إلى الاجتهاد والابداع : لماذا أخفق العراق في إنتاج فكره السياسي؟

رياض سعد

ليست أزمة العراق أنه يفتقر إلى المثقفين، ولا أنه يعاني شحّاً في الكتب أو الجامعات أو الأحزاب، بل إن أزمته الأعمق تكمن في أن عقله السياسي ظل، طوال قرنٍ كامل تقريباً، يعيش على ما ينتجه الآخرون، أكثر مما ينتج لنفسه.

لقد تحوّل العراق، الذي كان في يوم من الأيام أحد أعظم منتجي الأفكار والقوانين والفلسفات في التاريخ، إلى مستهلكٍ كبير للنظريات، ومستوردٍ دائم للأيديولوجيات، ومترجمٍ مجتهد لما يكتبه غيره، لكنه نادراً ما يكتب نصه الفكري الخاص.

وليس المقصود بذلك الدعوة إلى الانغلاق أو رفض الإفادة من الفكر الإنساني، فالحضارات لا تتقدم بالعزلة، وإنما بالحوار والتراكم والتفاعل… ؛  غير أن الفرق كبير بين أن تستعير أدوات التفكير، وبين أن تستعير نتائج التفكير نفسها… ؛  فالأمم الحية تستورد المناهج، لكنها تنتج النظريات؛ أما الأمم التابعة فتستورد النظريات، ثم تحاول أن تُخضع الواقع لها، حتى لو كان الواقع يرفضها.

لقد دخلت إلى العراق خلال القرن العشرين معظم الأيديولوجيات الكبرى التي صنعت السياسة الحديثة… ,  فجاءت القومية الحديثة متأثرة بالرومانسية الأوروبية ونظريات الدولة القومية، ودخلت الماركسية عبر الأدبيات الروسية والأوروبية، ووصلت الليبرالية والعلمانية بوصفهما نتاجاً لتجربة الغرب مع الكنيسة والإقطاع، كما تشكلت الإسلاموية الحركية المعاصرة في بيئات فكرية خارج العراق قبل أن تنتقل إليه، وحتى مفهوم “الوطنية” بصيغته الحزبية الحديثة لم يتبلور محلياً، بل جاء ضمن انتقال النموذج السياسي الأوروبي إلى المنطقة.

وفي الحقل الثقافي لم يكن المشهد مختلفاً؛ فالبنيوية، والتفكيكية، والحداثة، وما بعد الحداثة، والنقد الثقافي، ونظريات الخطاب، جميعها دخلت الجامعات والوسط الثقافي بوصفها منتجات فكرية جاهزة، تُدرَّس وتُستهلك أكثر مما تُناقش أو يُعاد إنتاجها… ؛  فأصبح المثقف العراقي في كثير من الأحيان شارحاً لدريدا، أو مفسراً لفوكو، أو ناقلاً لبارت، أو مكرراً لماركس وهيغل، أكثر منه منتجاً لرؤية عراقية جديدة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.

فليست المشكلة أن تكون الكتب المؤسسة للفكر السياسي أو الفلسفي أجنبية؛ فهذا أمر طبيعي في عالم المعرفة… ؛  لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك الكتب إلى نصوص مقدسة لا يجوز مساءلتها، وعندما يصبح دور المثقف مجرد إعادة شرحها، لا إعادة بنائها… ؛  عندئذٍ يفقد العقل قدرته على الاجتهاد، ويتحول إلى جهاز للترجمة لا إلى مصنع للأفكار.

ولهذا السبب ظلّت غالبية الأحزاب العراقية تعيش اغتراباً مزمناً عن المجتمع الذي تدّعي تمثيله… ؛  فقد كانت تخاطب العراق بلغاتٍ وُلدت في جغرافيات أخرى، وتناقش مشكلات صاغتها تجارب تاريخية مختلفة، بينما كان المجتمع العراقي يعيش أسئلة مغايرة تماماً.

فالماركسي كان يفسر الواقع العراقي من خلال الصراع الطبقي الأوروبي، متجاهلاً أثر القبيلة والطائفة والبنية الريفية والدين… ,  والقومي كان ينظر إلى الدولة باعتبارها وحدة قومية صلبة، بينما كان العراق أكثر تعقيداً من أي تعريف قومي أحادي… ,  والليبرالي افترض وجود الفرد المستقل الذي أنتجته الحداثة الغربية، في مجتمع ما تزال فيه الجماعات الأولية والأسرة والعشيرة والدين عناصر حاكمة في تشكيل السلوك السياسي… ؛  أما الإسلاموي فقد تعامل مع الدين باعتباره برنامجاً سياسياً جاهزاً، من دون أن يقدّم تصوراً واقعياً لإدارة مجتمع متعدد القوميات والمذاهب والهويات.

وهكذا لم يكن الفشل وليد سوء التطبيق وحده، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة خللٍ في نقطة البداية نفسها.

فالأفكار ليست قطع غيار يمكن نقلها من مجتمع إلى آخر، وليست نباتاتٍ صناعية تنمو في أي تربة… ,  إنها كائنات اجتماعية تولد داخل ظروف تاريخية محددة، وتتغذى من بيئتها، وقد تموت إذا اقتُلعت من سياقها وزُرعت في أرض لا تعرفها.

ولهذا كثيراً ما بدا المشهد العراقي وكأن أحزابه تتصارع حول كتبٍ مترجمة أكثر مما تتصارع حول مشكلات العراقيين.

لقد كانت معارك النخب تدور بين ماركس وهيغل، أو بين روسو ولوك، أو بين سيد قطب والمودودي… الخ ، بينما كان المواطن العراقي يبحث عن دولة عادلة، وقانون نافذ، وتعليم جيد، وفرصة عمل، وأمن مستقر… ؛  وهكذا اتسعت الهوة بين النخبة والمجتمع، حتى أصبحت الأحزاب تتحدث لغةً لا يسمعها الناس، بينما يتحدث الناس لغةً لا تفهمها الأحزاب.

ومن هنا يمكن تفسير جانب مهم من تعثر التجربة السياسية العراقية الحديثة… ,  فالأحزاب لم تفشل لأنها افتقرت إلى الإخلاص فقط، ولا لأنها واجهت خصوماً أقوياء، بل لأنها كثيراً ما حاولت إسقاط خرائط فكرية أجنبية على تضاريس عراقية مختلفة.

لقد كانت تملك الإجابات قبل أن تدرس الأسئلة.

ومع ذلك، فإن التاريخ العراقي قدّم نموذجاً مختلفاً يثبت أن الاقتباس لا يعني التبعية، وأن الإفادة من الفكر العالمي لا تستلزم الذوبان فيه.

ويبرز هنا اسم عالم الاجتماع العراقي **علي الوردي** بوصفه أحد أهم الأمثلة على الاجتهاد المحلي – غير الخالص ايضا – … ؛  فالوردي لم يرفض علم الاجتماع الغربي، ولم يدعُ إلى قطيعة معرفية مع العالم، لكنه فعل ما يفعله العلماء الكبار؛ أخذ المنهج، وترك النتائج، ثم عاد إلى المجتمع العراقي ليقرأه بنفسه… ؛  ومن خلال هذه القراءة صاغ مفاهيم أصبحت جزءاً من الثقافة العراقية، مثل ازدواجية الشخصية، وصراع البداوة والحضارة، والتناشز الاجتماعي… ؛  لم يكن يكرر الآخرين، بل كان يحاورهم، ثم يختلف معهم حين يقتضي الواقع ذلك.

وهذا هو الفارق بين الباحث والمقلد... ؛ فالمقلد يستعير الفكرة، أما المجتهد فيستعير الأداة التي تمكنه من إنتاج فكرة جديدة.

إن العراق اليوم لا يحتاج إلى حزب جديد يحمل اسماً مستورداً، ولا إلى ترجمة جديدة لكتاب سياسي غربي، ولا إلى نسخة محلية من تجربة أجنبية أخرى… ؛  ما يحتاجه قبل كل شيء هو استعادة ثقته بعقله، وبناء مدرسة فكرية عراقية تنطلق من دراسة تاريخه، وجغرافيته، وتنوعه القومي والمذهبي، وتركيبته الاجتماعية، وخبرته الحضارية الممتدة آلاف السنين.

فالأمم الكبيرة لا تُقاس بعدد ما تستهلكه من الأفكار، بل بعدد ما تضيفه إلى الفكر الإنساني.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل النخب العراقية اليوم ليس: **أي أيديولوجيا نستورد؟**، بل: **متى نمتلك الشجاعة لنكتب نظريتنا نحن؟**

فما لم يتحول العقل العراقي من عقلٍ يترجم إلى عقلٍ يجتهد، ومن مستهلكٍ للأفكار إلى منتجٍ لها، ستظل السياسة العراقية تدور في الحلقة نفسها؛ تستبدل شعاراتٍ بأخرى، وأسماءً بأسماء، بينما يبقى جوهر الأزمة على حاله: غياب الفكرة العراقية التي تنبع من الأرض، وتفهم الإنسان، وتستجيب لتعقيدات هذا البلد، بدلاً من أن تفرض عليه وصفاتٍ وُلدت في أمكنة أخرى وأزمنة أخرى.