جديد

العهد التنكي البائس: قراءة في الأرقام الوثائقية والجذور السوسيو-سياسية لأسطورة “الزمن الجميل”

رياض سعد

من أعمق المظاهر السيكولوجية إثارة للريبة في المشهد الثقافي والسياسي العراقي المعاصر، هي تلك الحملات الممنهجة والدعايات السمجة التي تحاول تزوير الوعي الجمعي، عبر تسويق “العهد الملكي” بوصفه جنة مفقودة وعصراً ذهبياً سلبته مؤامرات المغرضين.

إن هذا الاجترار البائس لا ينفصل عن دوافع طائفية ومناطقية وعنصرية مشبوهة، تحركها نخب مأزومة وأطراف ” هجينة وغريبة ” فقدت بوصلتها السياسية والوجودية بعد سقوط عروشها، لتجد في التباكي على أطلال العهد البائس ملاذاً تداري فيه إفلاسها الهزائمي.

ولعل المفارقة الصارخة – والمدعاة للسخرية والشفقة في آن واحد – تكمن في انخراط بعض المغفلين والجهلة من أبناء الفلاحين والمستضعفين في هذا التمجيد؛ وهم الأحفاد المباشرون لأولئك المسحوقين الذين ذاقوا الويل والعوز والتهميش تحت وطأة هذا النظام الإقطاعي والسياسة الطائفية والعنصرية … ؛  إنه تجلٍّ واضح لـ “متلازمة الضحية التي تعشق جلادها”، بفعل التجهيل المتعمد الذي مارسته السلطة آنذاك، وتتوارثه اليوم منصات التزييف.

# أولاً: عواصف الأرقام.. الخواء التنموي وبؤس الأرياف (وثائق 1957)

لم يكن الدينار العراقي يوماً يساوي أربعة دولارات في القوة الشرائية الحقيقية للمواطن، بل كان مجرد رقم وهمي في حسابات النخبة المترفة، لا ينعكس بتاتاً على التوزيع المنصف للدخل… ؛  وإذا ما أزحنا مساحيق التجميل عن وجه العاصمة بغداد التي كانت تحتكر الفتات، ونظرنا إلى واقع وسط وجنوب العراق، فإننا نقف أمام حقبة مظلمة من الجوع، الحرمان، والأوبئة الفتاكة.

وتكشف الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية عام 1957 (والمنشورة في جريدة الوقائع العراقية والمحفوظة في الأرشيف الوطني والبنك المركزي) حجم الخواء والمأساة قبل عام واحد من النفحة التحررية لثورة 14 تموز.

# الديموغرافيا والوضع المعيشي (البلد الخرابة)

 * عدد سكان العراق: 6,339,961 نسمة.

 * نسبة الأمية: بلغت 95% نتيجة التجهيل الممنهج، ولم يكن التعليم مجانياً ولا متاحاً للفقراء… ؛  أما ما يُشاع عن “التغذية المدرسية” فكانت منحة من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) لدول العالم الثالث، ولا فضل للحكومة فيها.

 * البطالة المفرطة: بلغت نسبة البطالة 42% من القوة العاملة.

 * أزمة السكن (عصر التنك والبردي):

   * 200,000 عائلة كانت تسكن الصرائف وبيوت التنك في حزام بغداد، بعد أن هربت من جحيم الظلم الإقطاعي في الجنوب.

   * 300,000 عائلة تسكن بيوتاً من طين.

   * 431,526 عائلة تتكدس بكامل أفرادها في غرفة واحدة.

   * 20% فقط من العوائل العراقية كانت تسكن في بيوت من الطابوق.

# الواقع الصحي (الموت الزؤام)

كان المريض أو الجريح في أرياف الجنوب يموت قبل أن يصل إلى مركز اللواء لعدم وجود أدنى مقومات الحياة أو شبكة طرق معبدة (إذ لم يكن هناك طريق معبد سريع  واحد يربط البصرة ببغداد حتى السبعينيات)… ؛  وكان الطبيب البديل هو “حلاق المنطقة” أو “الحبوبة/الداية”.

 * الإصابات المسجلة رسمياً (عام 1956/1957):

   * 500,000 مصاب بالسل الرئوي (منهم 55,000 في العاصمة بغداد وحدها، وهو الداء الذي حصد أرواح عوائل بأكملها).

   * 54,660 مصاب بالتراخوما.

   * 24,866 مصاب بالملاريا.

   * 41,201 مصاب بالدزنتري.

 * المنظومة الصحية: طبيب واحد لكل 2,800 مواطن، ومجموع المشافي الحكومية والأهلية في عموم العراق لم يتجاوز 122 مشفى.

# التبعية الاقتصادية

 * 95% من رأس المال المستخدم في قطاع الصناعة كان أجنبياً مستحوذاً.

 * الدخل القومي للفرد تراوح بين 30 إلى 40 باوند فقط، مع تركز هذه الثروة بيد حاشية البلاط والبرجوازية العفنة والهجينة والغريبة … ؛  ولم يكن مسموحاً لأي عراقي بممارسة الاستيراد والتصدير أو الصناعة ما لم يكن أحد “عتاولة” العهد الملكي البائس شريكاً له بالمناصفة .

# ثانياً: البنية الطائفية والعنصرية للنظام الملكي ومخازي رجالاته

إن هذا النظام المستورد الهجين  الذي جلبته بريطانيا وصنعت ملوكه وحكامه في دهاليز “وزارة المستعمرات البريطانية” – مكافأة لهم على غدرهم بالدولة العثمانية – لم يكن يمتلك أدنى شرعية وطنية.

لقد تم تنصيب فيصل الأول على عرش العراق بعد طرده من الشام، ليقود حكومة وكيلة تدار بالكامل من قبل “المستشارين البريطانيين” المتغلغلين في كل مفاصل الدولة، وتحول العراق بموجبها إلى محمية و”ضيعة” تابعة للتاج البريطاني لضمان تدفق النفط وحماية طرق التجارة.

ولم يتورع هذا النظام الهجين عن ممارسة أبشع صور التمييز الطائفي والمناطقي والعنصري ضد أبناء وسط وجنوب العراق (أبناء البلاد الأصليين):

 1. الاضطهاد الاجتماعي والإقطاعي: تم تسليط شيوخ العشائر “السراكيل” بعد أن وهبهم المحتل آلاف الدوانم التي لا يملكونها، ليتحول الفلاح الجنوبي إلى عبدٍ مسحوق لا يملك حق امتلاك بقرة أو نعجة، ويجبر على السير حافياً على شوك “العاقول” إذا لم يوفّر الحاصل المنهوب، بينما ترتدي نساؤه العباءة المصنوعة من “كونية الصوف” من شدة الفقر.

 2. الاقصاء الوظيفي الممنهج: جرى التعامل مع أهل الجنوب كمواطنين من الدرجة الثانية، وعُزلوا عن الوظائف السيادية، ولم يُسمح لهم بالتوظف في دوائر الدولة إلا بصفة “حراس” أو “فراشين”.

 3. العمالة والخيانة الخارجية: تجلت عمالة ساسة هذا العهد (أمثال الهجين نوري السعيد، مجهول الأصل وخادم الاستخبارات البريطانية المخلص) في سحب الجيش العراقي من أرض فلسطين عام 1948 بأوامر مباشرة من لندن، لتثبيت أركان الكيان الصهيوني، وتصفية خيرة الضباط والوطنيين العراقيين الذين يحملون نفساً عروبياً أو إسلامياً أصيلاً (باستثناء الملك غازي الذي تمت تصفيته بحادث سيارة مدبّر في شارع الكفاح ببغداد نظراً لتوجهاته المعارضة لأفكار ومخططات الهجين نوري ).

# ثالثاً: القمع المسلح والانتفاضات.. تاريخ مطلي بالدم والجريمة

تتبجح الأقلام المأجورة بديمقراطية العهد الملكي المزعومة، بينما يزخر أرشيف هذا العهد بسلسلة لا تنتهي من الانقلابات، والمجازر الجماعية، والإعدامات السياسية، وقمع التظاهرات السلمية بالرصاص الحي على جسر الشهداء وسواه.

من أبرز محطات القمع الدموي التي سطرها رجالات “العهد التنكي”:

 * مجزرة سميل (1933): التي قادها السفاح الكردي بكر صدقي ضد أبناء المكون الآثوري، وأسفرت عن إبادة أكثر من 30,000 آثوري عراقي وتدمير 63 قرية بالكامل، بذريعة وأد نزعات الاستقلال، وسط تخاذل وتواطؤ من الحكومة الملكية.

 * قمع ثورات الفرات الأوسط (1935): حُرّكت الطائرات والمدفعية الثقيلة لضرب القرى والمدن الآمنة في الرميثة، سوق الشيوخ، والمنتفك، لإخضاع العشائر العراقية الاصيلة الثائرة ضد الظلم الطائفي والإقطاعي، مما أسفر عن سقوط مئات الشهداء من المواطنين وسقوط طائرتين عسكريتين أثناء العمليات الإجرامية.

 * دكة البريد في الكاظمية (1935): مواجهة دموية فتحت فيها الحكومة النار على أهالي الكاظمية الذين احتجوا على انتهاك حرمة مقبرة تاريخية لإنشاء مبنى لدائرة البريد في “باب الدروازة”، مما أسفر عن سقوط 13 قتيلاً و80 جريحاً من المدنيين العزل.

 * قمع الكرد في الشمال: استمر قمع ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية لأكثر من عشر سنوات، ووصل الإجرام الملكي إلى قصف مركز مدينة السليمانية بالطائرات البريطانية، وإعدام الضباط الأكراد الأربعة (محمد قدسي ورفاقه)، وتدمير وهدم أكثر من 200 قرية في منطقة برزان وتشريد ساكنيها.

 * مجزرة سجن الكوت (1953): إطلاق النار المباشر على السجناء السياسيين المضربين داخل زنازينهم، مما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات منهم في واحدة من أبشع الجرائم السياسية.

 * حفلات الإعدام المتواصلة: إعدام الضباط  الأحرار (أمثال صلاح الدين الصباغ ورفاقه بعد أحداث 1941)، وقمع انتفاضات وثورات الشعب المتلاحقة (وثبة كانون 1948، انتفاضة 1952، وانتفاضة 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر) بالحديد والنار والاعتقالات الكيفية.

# رابعاً: ثورة 14 تموز.. الاستجابة الحتمية لإرادة الشعب المسحوق

لم تكن ثورة 14 تموز 1958 بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم مجرد انقلاب عسكري عابر، بل كانت انفجاراً بركانياً حتمياً واستجابة طبيعية وعميقة لمعاناة شعبٍ وصل إلى حافة الفناء تحت سياط الإقطاع والتبعية الأجنبية.

لقد جاءت الثورة لتنسف “مملكة بغداد” الضيقة وتؤسس لدولة المواطنة الحقيقية؛ فبمجرد قيام الجمهورية:

 1. العدالة الاجتماعية: أُقِر قانون الإصلاح الزراعي الذي حطم صنمية الإقطاعيين وأعاد الأرض للفلاحين المضطهدين كرامةً واستحقاقاً.

 2. العمران الحقيقي للفقراء: وُزّعت قطع الأراضي والدور السكنية (أحياء الثورة والشعلة وغيرها) لإنقاذ مئات الآلاف من سكان الصرائف والجهد الطيني، ووُفّرت فرص العمل لجميع شرائح الشعب حتى لُقّب الزعيم بـ “أبو الفقراء”… ؛ مع ملاحظاتنا حول هذا الامر والتي سوف نسلط الاضواء عليها في البحوث اللاحقة .

 3. السيادة الوطنية والاقتصادية: تم تحرير الدينار العراقي من الهيمنة الإسترلينية البريطانية، وصدر القانون رقم 80 لـتأميم الأراضي غير المستغلة من قبل شركات النفط الأجنبية، لينتعش الاقتصاد العراقي بشكل رهيب غير مسبوق.

إن هذه الإنجازات الوطنية الكبرى هي التي دفعت قوى الاستعمار العالمي (لا سيما الإمبريالية الأمريكية الناشئة والتاج البريطاني) بالتحالف مع أدوات الإقليمية (مصر الناصرية) والخونة من قوى الداخل (البعثيين والقوميين) للتآمر على الزعيم وقبر هذه التجربة الفتية في انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، ليعود العراق مجدداً إلى دوامة التصفيات الدموية والحكم العشائري والمناطقي المأزوم.

خلاصة القول: إن التباكي على العهد الملكي ليس حنيناً لعدالة مفقودة – إذ لم تكن موجودة أصلاً إلا في مخيلة المنتفعين من ابناء الفئة الهجينة والاقلية السنية وعوائل الإقطاع البرجوازية – بل هو نتاج إفلاس سياسي يعاني منه أيتام الأنظمة الشمولية اللاحقة، الذين يحاولون استخدام رفات الملوك كغطاء سياسي وطائفي يمررون عبره أحقادهم ضد الغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب الصابر… ؛  ليبقى التاريخ والوثيقة هما الشاهد الأكبر على بؤس ذلك “العهد التنكي” وعمالة ساسته.