رياض سعد
تُشكل العلاقات التاريخية والسياسية بين العراق والسعودية محط اهتمام واستياء لدى العديد من المراقبين والمؤرخين، نظرًا لما شهدته هذه العلاقات من تحولات وإرهاصات ألقت بظلالها على الأمن الوطني العراقي وعلى استقرار المنطقة بأسرها… ؛ وعند فحص التاريخ السياسي والفكري للتمدد السعودي تجاه العراق منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم، تتجلى ملامح أزمة ممتدة تتجاوز الخلافات الدبلوماسية العابرة إلى أبعاد أيديولوجية وجيوسياسية عميقة.
# 1. الامتداد التاريخي للأزمة (من الدولة الأولى إلى الثالثة)
تأسست الدولة السعودية الأولى عام 1157 هـ (1744م) على يد التحالف بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، وكان العراق حينها يخضع للإدارة العثمانية… , وشهدت تلك الفترة أولى الغزوات والاعتداءات على المدن العراقية والمقدسات، تحت شعارات أيديولوجية طائفية وتكفيرية حاقدة تستهدف النسيج المجتمعي العراقي وتستبيح أمنه… , ولم تختلف الدولة السعودية الثانية عن سابقتها في النظر إلى العراق كساحة للمواجهة والعدوان .
مع قيام الدولة السعودية الثالثة في القرن الماضي، تواصل هذا المسار العدائي؛ حيث تميزت العلاقات بالتوجس والمناوشات الحدودية، واحتدم الخلاف مع المملكة العراقية آنذاك، ثم استمر الموقف مع قيام الجمهورية العراقية عام 1958 برئاسة عبد الكريم قاسم… ؛ وهذا يوضح أن موقف الرياض لم يكن وليد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، بل هو امتداد لنهج سياسي وأيديولوجي تاريخي يرفض وجود دولة عراقية قوية ومتنوعة مذهبياً وسياسياً على حدودها الشمالية.
# 2. التطورات السياسية والعسكرية في العصر الحديث
استمر هذا النهج خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)؛ حيث دُفع العراق نحو حرب استنزفت طاقاته الاقتصادية والبشرية… ؛ وفي عام 2003، عقب التحولات السياسية وإسقاط النظام السابق، فتحت السعودية أراضيها وقواعدها للقوات الدولية لإسقاط الدولة العراقية، لتنطلق بعدها مرحلة جديدة من التدخل غير المباشر عبر دعم الفصائل والمجموعات المسلحة الطائفية والتكفيرية التي طالت آلاف المدنيين العراقيين عبر التفجيرات الانتحارية والعمليات الإرهابية.
# 3. استهداف العملية السياسية والحشد الشعبي
بعد عام 2003، عملت السياسة السعودية على عدم الاعتراف بالتجربة الديمقراطية والعملية السياسية الجديدة في العراق، وسعت إلى إضعاف النظام السياسي الجديد… ؛ وتجسد هذا التوتر في الآونة الأخيرة بالاتهامات المتكررة الموجهة إلى فصائل الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية بشن هجمات بطائرات مسيرة تستهدف العمق السعودي أو دول الخليج، على الرغم من النفي الرسمي العراقي وعدم تقديم أي أدلة ملموسة تثبت هذه المزاعم.
اذ تُستخدم هذه الاتهامات السياسية لتبرير استهداف المقرات الأمنية والعسكرية التابعة للحشد الشعبي، وهو المؤسسة الرسمية المقرة بقانون من البرلمان العراقي، مما يعد اعتداءً صارخاً على السيادة العراقية ودماء أبنائه.
# 4. المطالب والاستحقاقات الوطنية
أمام هذا التاريخ الممتد من التدخلات والاعتداءات، يُطرح التساؤل حول موقف الحكومات العراقية المتلاحقة، والتي اتسمت ردود أفعالها بالضعف أو الحذر المفرط دون المطالبة بالتعويضات العادلة عن الخسائر البشرية والاقتصادية التي لحقت بالبلاد، أو فتح ملفات المحاسبة القانونية للإرهابيين وداعميهم.
وبناءً على هذه المعطيات التاريخية والأمنية، فإن حماية الأمن القومي العراقي تتطلب اتخاذ مواقف سياسية وسيادية حازمة تتناسب مع حجم الأضرار التي تعرض لها العراق، وتتلخص في:
* إعادة تقييم العلاقات الدبلوماسية: مراجعة أشكال التواصل والحدود مع الرياض بما يضمن منع أي تدخلات أمنية أو سياسية.
* إنفاذ الأحكام القضائية: تطبيق القصاص القانوني العادل بحق جميع المتورطين السعوديين في القضايا الإرهابية داخل السجون العراقية دون خضوع لضغوطات سياسية أو صفقات جانبية.
* حماية المؤسسات الأمنية والسيادة: رفض كافة الاتهامات الموجهة للحشد الشعبي والقوات المسلحة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية السيادة العراقية براً وجواً ضد أي اعتداء خارجي.