
محمد عطوف الاوسي
سلامٌ من الله على العراق وعلى اهلهِ الأصلاء
مقال الجمعة :
من أين تأخذ السلطة شرعيتها في الحكم؟
لا تحكم أي سلطة بالسلاح وحده. السلاح يصنع الخوف، والخوف لا يصنع وطناً. ما يصنع الوطن هو الشرعية، أي أن يقتنع الناس أن من حقك أن تأمر، ومن واجبهم أن يطيعوا طوعاً لا كرهاً.
وكل سلطة في التاريخ أجابت عن هذا السؤال بمصدر من 5 مصادر:
١. شرعية السماء: [الله اختارني]
هي الأقدم. ملوك بلاد الرافدين كانوا يقولون نحن نواب الإله مردوخ، والفرعون هو ابن الإله رع، وفي أوروبا كان لويس الرابع عشر يقول أنا الدولة والدولة أنا بأمر من الله.
في تراثنا الإسلامي انقسمت الفكرة: الشيعة قالوا الإمامة بالنص الإلهي، والسنة قالوا بالشورى والبيعة، والخوارج قالوا حتى العبد الحبشي إذا كان أصلح فهو الأحق.
عيبها: إذا ظلم الحاكم لا تستطيع نقده، لأنك ستبدو كأنك تعارض السماء.
٢. شرعية السيف والغلبة: مَن غَلبَ حَكمْ
نظرية ابن خلدون عن العصبية.
حمورابي وحّد العراق بالسيف، والإسكندر بنى إمبراطوريته بالسيف، وفي عصرنا كل الانقلابات من 1958 إلى 1979 في العراق وسوريا ومصر قامت على شعار [الشرعية الثورية].
عيبها: ما يؤخذ بالسيف يُسترد بالسيف. لذلك لم تستقر دولة الغلبة أكثر من عمر قائدها.
٣. شرعية التقليد والعشيرة: [هذا ما وجدنا عليه آباءنا]
بريطانيا اليوم تحكمها شرعية تقليدية، الملك يملك ولا يحكم، والناس تحبه لأنه رمز تاريخي. وعندنا نظام المشيخة والعائلة المالكة كما في الخليج والأردن والمغرب.
عيبها: الولاء للعائلة وليس للكفاءة. قد يكون ابن الملك غير صالح، لكنه يحكم لأنه ابن الملك.
٤. شرعية البطل المنقذ: [أنا المُخّلص]
سماها ماكس فيبر الكاريزما. وهي أخطر الشرعيات.
أمثلة: يوليوس قيصر عند الرومان، نابليون في فرنسا، غاندي في الهند، عبد الناصر في مصر 1952، جمال عبد الناصر وصدام حسين والقذافي، كلهم جاءوا كمنقذين في لحظة انهيار، فقال الناس هذا هو الرجل المنقذ.
عيبها القاتل: الدولة = الشخص. إذا مرض الشخص مرضت الدولة، وإذا مات ماتت.
العراق بعد 2003 دفع ثمن هذه الفكرة، عندما غاب (المنقذ) انقسمت المؤسسات لأنها كانت مبنية على الولاء له لا للقانون.
٥. شرعية العقد والقانون:
بدأت مع مسلة حمورابي أنا المَلك وضعت القانون ليمنع القوي من أكل الضعيف، ووصلت ذروتها مع فلاسفة العقد الاجتماعي روسو ولوك، ومع الخلافة الراشدة عندما قال أبو بكر -رض- (وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني].
وأفضل نماذجها اليوم: أمريكا عندما أسقط القضاء رئيسها نيكسون، وألمانيا بعد هتلر عندما كتبت دستوراً يجعل من المستحيل أن يعود دكتاتور.
عيبها: بطيئة ومزعجة، تحتاج انتخابات حرة وقضاء مستقل وصحافة حرة، وهذا ما تكرهه السلطات.
الخلاصة العراقية:
مشكلتنا في العراق أننا لم نحسم مصدر شرعيتنا بعد.
الدستور يقول شرعيتنا تعاقدية قانونية، لكن الممارسة تقول:
جزء من القوى يريدها دينية مقدسة، وجزء يريدها عشائرية، وجزء يريدها شرعية سلاح وغلبة، وكل زعيم يقدم نفسه كمنقذ كاريزمي.
ولهذا تفشل المفاوضات الخارجية كما حدث مع تركيا، ويفشل فرض القانون في الداخل.
لا يمكن أن تُطالب المواطن باحترام القانون وأنت نفسك تقول له أنا فوق القانون لأني منقذ أو مقدس أو ابن العائلة.
الدولة لا تستقر حتى نقولها بوضوح:
شرعيتنا واحدة فقط، هي الدستور والعقد بيننا. من يحترمه يَحكُم، ومن يَخْرِقَهُ يُعزَل، كائناً مَن كان.
لكم مودتي ولأمتنا العربية والإسلامية الاستقرار والاستقلال والعدل



