إيهاب مقبل
أصبح الاستقلال الرقمي من القضايا المهمة في العصر الحديث، إذ لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل والحصول على المعلومات، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الاقتصاد والأمن القومي والسيادة السياسية والثقافة. ويُقصد بالاستقلال الرقمي قدرة الدولة على تطوير بنية تحتية وخدمات وتقنيات محلية تقلل من اعتمادها الكامل على الشركات الأجنبية، مع امتلاك قدرة أكبر على حماية البيانات وإدارة الفضاء الرقمي.
لا يعني الاستقلال الرقمي بالضرورة الانفصال عن الإنترنت العالمي، بل يعني امتلاك قدر من القدرة الذاتية في مجالات مثل مراكز البيانات، والأمن السيبراني، والخدمات الرقمية، والبرمجيات، والمنصات المحلية. لذلك تختلف تجارب الدول، فبعضها ركز على بناء بدائل تقنية قوية، وبعضها ركز على فرض قيود على المحتوى والوصول إلى الخدمات الأجنبية.
الصين: النموذج الأبرز في بناء منظومة رقمية محلية
تُعد الصين أكثر الدول نجاحًا في بناء منظومة رقمية وطنية واسعة. فمنذ بداية انتشار الإنترنت العالمي، اتجهت الصين إلى تنظيم الفضاء الرقمي داخل البلاد، وفرضت قيودًا على عدد من الخدمات الأجنبية مثل Google وFacebook وYouTube، وفي الوقت نفسه دعمت نمو شركات تقنية محلية قادرة على تقديم بدائل للمستخدمين الصينيين.
ففي مجال البحث الإلكتروني ظهرت Baidu كبديل محلي لمحركات البحث الأجنبية، حيث يتميز بدعمه العميق للغة الصينية والمحتوى المحلي، وقدرته على تقديم نتائج أكثر ارتباطًا بالبيئة والثقافة الصينية. وفي مجال التواصل والخدمات الرقمية أصبحت WeChat من أهم المنصات التي تجمع بين المراسلة والدفع الإلكتروني والخدمات المختلفة، بينما تعد Weibo من أبرز شبكات التواصل الصينية.
يرتبط النموذج الصيني بعدة أهداف، منها تعزيز الأمن الرقمي، وحماية البيانات، ودعم الشركات الوطنية، وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، إضافة إلى الحفاظ على قدر أكبر من السيطرة على المحتوى الرقمي داخل البلاد. وقد ساعد حجم السوق الصيني الكبير والاستثمارات الحكومية والخاصة على نجاح هذا النموذج.
كوريا الشمالية: نموذج الانغلاق الرقمي
تُعد كوريا الشمالية من أكثر الدول انعزالًا عن الإنترنت العالمي. فمعظم المواطنين لا يملكون وصولًا حرًا إلى الإنترنت الدولي، بل يستخدمون شبكة داخلية محدودة تُعرف باسم “كوانغميونغ” تحتوي على مواقع وخدمات محلية تخضع لإدارة الدولة.
لا تقوم التجربة الكورية الشمالية على بناء بدائل رقمية تنافسية مثل الصين، بل تعتمد أساسًا على التحكم في الوصول إلى المعلومات وتقليل الاتصال بالعالم الخارجي. لذلك تُعد مثالًا على العزلة الرقمية أكثر من كونها نموذجًا للاستقلال الرقمي القائم على الابتكار والتنافس التقني.
إيران: تطوير شبكة وطنية للمعلومات
تسعى إيران إلى تعزيز استقلالها الرقمي من خلال مشروع الشبكة الوطنية للمعلومات، وهو مشروع يهدف إلى زيادة استضافة الخدمات والبيانات داخل البلاد، وتقليل الاعتماد على بعض الخدمات الأجنبية، وتطوير خدمات رقمية محلية.
وقد فرضت إيران قيودًا على عدد من المنصات الأجنبية، كما دعمت إنشاء بدائل محلية في بعض المجالات. إلا أن التجربة الإيرانية لا تزال مختلفة عن الصين، فهي لم تنتج حتى الآن منظومة رقمية محلية واسعة تنافس كبرى المنصات العالمية، لكنها تسعى إلى زيادة قدرتها على إدارة بنيتها الرقمية وتقليل الاعتماد الخارجي.
روسيا: السعي إلى تعزيز السيادة الرقمية
تسعى روسيا خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز سيادتها الرقمية من خلال تطوير مفهوم “الإنترنت السيادي”، الذي يهدف إلى زيادة قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية وضمان استمرار الخدمات الأساسية حتى في حال حدوث اضطرابات أو عزلة خارجية.
تمتلك روسيا شركات تقنية محلية مهمة مثل Yandex، كما لديها خبرات تقنية متقدمة، لكنها تأخرت نسبيًا في بناء استقلال رقمي واسع بسبب ارتباط اقتصادها لفترة طويلة بالإنترنت العالمي واعتماد العديد من القطاعات على البرمجيات والخدمات الأجنبية.
لذلك تسعى روسيا حاليًا إلى تطوير بدائل محلية وزيادة الاعتماد على التقنيات الوطنية، لكنها لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بالنظام الرقمي العالمي.
تركمانستان: نموذج القيود الرقمية
تفرض تركمانستان قيودًا واسعة على الوصول إلى العديد من المواقع والخدمات الأجنبية، وتُعد من الدول ذات الرقابة الرقمية المرتفعة. إلا أن نموذجها يختلف عن الصين، فهي لا تعتمد على بناء شركات ومنصات تقنية محلية قوية تنافس الخدمات العالمية، بل يعتمد نهجها بدرجة أكبر على تقييد الوصول إلى الإنترنت الخارجي.
ولهذا يمكن وصف تجربتها بأنها نموذج للسيطرة على الإنترنت أكثر من كونها نموذجًا للاستقلال الرقمي الكامل.
الدول العربية والإسلامية: الاعتماد الكبير على التقنيات الأجنبية
ما زالت معظم الدول العربية والإسلامية تعتمد بدرجة كبيرة على التقنيات والمنصات الأجنبية في مجالات البحث، والتواصل الاجتماعي، وأنظمة التشغيل، والخدمات السحابية، والبنية التحتية الرقمية. ولم تحقق هذه الدول استقلالًا رقميًا كاملًا بسبب اعتمادها الكبير على الخارج في العديد من المجالات التقنية.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها تجزؤ الأسواق، وضعف الاستثمار في الصناعات التقنية المحلية، وقلة الشركات الرقمية القادرة على المنافسة عالميًا، إضافة إلى الاعتماد التاريخي على استيراد التكنولوجيا بدل تطويرها محليًا.
ومع ذلك، توجد محاولات في بعض الدول العربية لبناء قدرات رقمية وطنية، مثل تطوير مراكز البيانات، والخدمات الحكومية الإلكترونية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى بناء منظومات رقمية مستقلة ومتكاملة.
العراق: الاعتماد على المنصات العالمية وتحديات بناء الاستقلال الرقمي
يمثل العراق نموذجًا للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإنترنت والخدمات الرقمية العالمية. فالمستخدمون في العراق يعتمدون بشكل واسع على منصات مثل Google وFacebook وYouTube وغيرها من الخدمات الدولية.
ورغم وجود جهود في مجال التحول الرقمي وتطوير الخدمات الإلكترونية، فإن العراق لم يمتلك حتى الآن منظومة رقمية وطنية متكاملة تشمل شركات تقنية كبرى، ومنصات محلية واسعة الانتشار، وخدمات سحابية وطنية قادرة على تقليل الاعتماد على الخارج.
وتواجه عملية بناء استقلال رقمي عراقي عدة تحديات، منها الحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وزيادة الاستثمار في التعليم التقني، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز الأمن السيبراني.
اليمن: تحديات أساسية قبل تحقيق الاستقلال الرقمي
يواجه اليمن تحديات أكبر في المجال الرقمي بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي أثرت في تطوير البنية التحتية التقنية. وتعتمد البلاد بدرجة كبيرة على الخدمات والمنصات الأجنبية، ولم تتمكن حتى الآن من بناء منظومة رقمية محلية واسعة.
تتركز الأولويات الرقمية في اليمن على تحسين الوصول إلى الإنترنت، وتطوير البنية التحتية، وزيادة انتشار الخدمات الرقمية الأساسية. ولذلك فإن بناء استقلال رقمي واسع يحتاج إلى مراحل طويلة من التنمية والاستثمار قبل الوصول إلى مرحلة إنتاج تقنيات ومنصات محلية منافسة.
خاتمة: بين الاستقلال الرقمي والانفتاح على العالم
تختلف نماذج الدول في التعامل مع الاستقلال الرقمي، فالصين قدمت نموذجًا يعتمد على بناء منظومة تقنية محلية قوية مع استمرار التواصل مع الاقتصاد العالمي، بينما اتجهت كوريا الشمالية وتركمانستان إلى نماذج أكثر انعزالًا تعتمد على تقييد الوصول إلى الإنترنت. أما إيران وروسيا فتسعيان إلى زيادة استقلالهما الرقمي وتقليل الاعتماد على الخارج، لكنهما لا تزالان مرتبطتين بدرجات مختلفة بالإنترنت العالمي.
أما الدول العربية والإسلامية، ومنها العراق واليمن، فما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على التقنيات والمنصات الأجنبية، وتحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد في التعليم، والبنية التحتية، والأمن السيبراني، والشركات التقنية المحلية من أجل تعزيز سيادتها الرقمية.
فالاستقلال الرقمي الحقيقي لا يتحقق فقط بمنع الخدمات الأجنبية، بل ببناء قدرة تقنية واقتصادية تسمح للدولة بإنتاج التكنولوجيا وإدارتها والمنافسة في البيئة الرقمية العالمية.
انتهى