بقايا دبابات ومدافع الجيش العراقي في الكويت
إيهاب مقبل
في الثاني من أغسطس آب من كل عام، تعود إلى الواجهة ذكرى الغزو العراقي للكويت عام 1990، بوصفها واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ العراق الحديث ومنطقة الخليج. لم يكن ذلك القرار مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان نقطة تحول كبرى غيّرت مسار العراق والمنطقة لعقود، وأدخلت العراق في سلسلة من الأزمات بدأت بالحرب الدولية لتحرير الكويت، ثم العقوبات الاقتصادية القاسية، وصولًا إلى سقوط النظام العراقي عام 2003 وما تبع ذلك من صراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الحادثة، يبقى السؤال مطروحًا: ماذا تعلم العراق من تجربة غزو الكويت؟ والأهم، ما الدروس التي لم تتحول بعد إلى ثقافة سياسية راسخة؟
لا يمكن تحميل شعب كامل مسؤولية قرار اتخذته قيادة سياسية كانت تحتكر السلطة والقرار، لكن يمكن مناقشة الدروس التي لم تترسخ بالكامل داخل الدولة والمجتمع، والتي ما زالت تلقي بظلالها على الواقع العراقي حتى اليوم.
الدولة ليست زعيمًا
كان غزو الكويت نتيجة قرار اتخذه نظام سياسي شديد المركزية، حيث تركزت القرارات المصيرية في دائرة ضيقة من السلطة، في ظل غياب المؤسسات القادرة على الاعتراض أو المراجعة أو المحاسبة. فقد كان القرار الاستراتيجي الأكبر في تاريخ العراق الحديث تقريبًا بيد قيادة محدودة، دون وجود توازنات مؤسساتية قادرة على منع مسار أدى في النهاية إلى كارثة وطنية.
ورغم أن العراق غيّر نظامه السياسي عام 2003، فإن مشكلة تغليب الولاءات الضيقة على مفهوم الدولة لم تختفِ بالكامل. فما زالت الشخصيات السياسية في كثير من الأحيان تتقدم على المؤسسات، وما زال الولاء للأشخاص أو الأحزاب أو التنظيمات أو الانتماءات الطائفية أو العشائرية يتغلب أحيانًا على الولاء للدولة والقانون، وهو ما يضعف قدرة المؤسسات على أداء دورها ويجعل القرارات المصيرية أكثر عرضة للتجاذبات الشخصية والفئوية.
وتجسد قصة حسين كامل حسن المجيد جانبًا من هذه الإشكالية. فقد كان ابن عم الرئيس العراقي صدام حسين وصهره، كما تولى قيادة الحرس الجمهوري، الذي كان يمثل القوة العسكرية الأساسية للنظام العراقي وشارك في اجتياح الكويت عام 1990، قبل أن يتولى لاحقًا مسؤوليات مهمة في ملف التصنيع العسكري العراقي. وعندما انشق عام 1995 ولجأ إلى الأردن، لم يكن مجرد مسؤول سابق، بل كان أحد أبرز أركان النظام وأكثرهم اطلاعًا على أسراره الداخلية.
وتتداول بعض الروايات أن حسين كامل، خلال فترة إقامته في الأردن، كان يوجه انتقادات حادة لصدام حسين أمام زواره في المنزل الذي كان يقيم فيه، والذي قيل في بعض الروايات إنه كان تابعًا لجهة أمنية أردنية ومجهزًا بأجهزة تنصت سرية. ووفق هذه الروايات، فقد انتقد حسين كامل سياسة صدام حسين تجاه الكويت، وقال إن “الحديث عن تحرير فلسطين لم يكن صادقًا، وإنه لو كان الهدف الحقيقي هو الوصول إلى فلسطين لكان الطريق عبر سوريا وليس عبر الكويت”، مضيفًا أن “الفرع (الكويت) أحرق الأصل (العراق)”.
وتضيف روايات أخرى أنه كرر الفكرة لاحقًا بصيغة مختلفة، معتبرًا أن الطريق إلى فلسطين كان يمكن أن يكون عبر الأردن وليس عبر الكويت. كما تتحدث هذه الروايات عن أنه وجّه انتقادات للملك حسين بعد الخلاف المتعلق بطلب عودة بنات صدام حسين إلى العراق، وأن ذلك ساهم في جعل وجوده في الأردن أكثر صعوبة، لتنتهي الأمور بعودته إلى العراق بعد حصوله على تطمينات بالعفو.
غير أن هذه التفاصيل، وخصوصًا ما يتعلق بوجود أجهزة تنصت داخل مقر إقامته أو وجود دور مباشر للأجهزة الأمنية الأردنية في دفعه إلى العودة، تبقى ضمن نطاق الروايات المتداولة التي تحتاج إلى توثيق من مصادر أردنية رسمية أو مذكرات مسؤولين أو وثائق تاريخية أُفرج عنها. لذلك لا يمكن التعامل معها كحقائق مثبتة بصورة نهائية.
لكن الدلالة الأوسع لقصة حسين كامل لا ترتبط فقط بتفاصيل عودته، بل تكشف طبيعة النظام الذي يجعل القرب من الحاكم والعلاقات الشخصية طريقًا للوصول إلى أعلى المناصب، ثم يجعل الخروج من دائرة السلطة تحولًا دراماتيكيًا في مصير الأفراد. فحين تصبح الدولة مرتبطة بشخص واحد أو دائرة ضيقة، تصبح القرارات المصيرية عرضة للأخطاء والحسابات الشخصية بدلًا من أن تخضع لمؤسسات الدولة.
الصراع لا يصنع القوة
كان الاعتقاد السائد لدى القيادة العراقية آنذاك أن القوة العسكرية يمكن أن تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا في المنطقة، وأن السيطرة على الكويت النفطية قد تمنح العراق نفوذًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر. لكن النتيجة جاءت بعكس ذلك تمامًا.
فقد أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية العراقية، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية استمرت سنوات، وأضعفت الدولة والمجتمع، وأدخلت العراق في عزلة دولية طويلة.
كما كشفت التجربة أن القوة العسكرية وحدها لا تبني نفوذًا دائمًا، وأن الدول القوية هي التي تمتلك اقتصادًا منتجًا، ومؤسسات مستقرة، وتعليمًا متطورًا، وعلاقات متوازنة مع محيطها.
ورغم هذه التجربة، بقيت بعض التيارات السياسية تراهن أحيانًا على خطاب القوة والصدام بدلًا من بناء دولة مستقرة. فالدرس الذي لم يترسخ بالكامل هو أن قوة الدول لا تقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة أو بارتفاع نبرة الخطاب السياسي، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق التنمية والاستقرار.
احترام سيادة الدول ليس خيارًا
أثبت غزو الكويت أن انتهاك سيادة الدول لا يؤدي إلى مكاسب دائمة، بل قد يفتح الباب أمام أزمات أكبر من أي هدف سياسي أو عسكري متوقع. فقد تحولت عملية كان يُعتقد أنها ستعزز قوة العراق إلى سبب رئيسي في إضعافه، وأدت إلى حرب مدمرة وعقوبات طويلة الأمد غيّرت مسار العراق والمنطقة.
ولفهم حساسية مسألة السيادة الكويتية، من المهم الإشارة إلى أن الكويت ليست كيانًا ظهر فجأة في العصر الحديث، بل تمتلك تاريخًا طويلًا ضمن البيئة الخليجية. فقد كانت المنطقة منذ القدم جزءًا من المجال البحري والتجاري للخليج، وارتبطت بطرق التجارة بين بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية والهند.
وعرفت المنطقة مواقع ذات أهمية تاريخية مثل كاظمة، التي كانت محطة على طرق التجارة والتنقل بين سواحل الخليج. ومع ظهور الإسلام، استمرت المنطقة في أداء دورها البحري والتجاري، وظلت السواحل الشمالية للخليج مرتبطة بالموانئ والأسواق الإقليمية.
وفي القرن الثامن عشر برزت الكويت ككيان سياسي محلي مستقل الإدارة، مع استقرار أسرة الصباح في الحكم، حيث يُعد الشيخ صباح بن جابر الصباح (صباح الأول) أول حكام الكويت المعروفين تاريخيًا، وقد تولى الحكم تقريبًا نحو عام 1752، وأدار شؤون البلاد في مرحلة تأسيسها السياسي. واعتمد تطور الكويت على موقعها البحري، فتحولت إلى مركز مهم لبناء السفن والتجارة البحرية والغوص على اللؤلؤ، وأقامت علاقات اقتصادية واسعة مع موانئ الخليج والهند وشرق أفريقيا.
وخلال القرن التاسع عشر، حافظت الكويت على إدارة داخلية خاصة بها رغم التحولات السياسية في المنطقة، ثم دخلت مرحلة جديدة مع اكتشاف النفط، قبل أن تحصل على استقلالها الكامل عام 1961 وتصبح دولة ذات سيادة معترف بها دوليًا.
وقد ارتبطت الكويت والعراق بعلاقات جغرافية وتجارية وثيقة بحكم القرب بينهما، خصوصًا مع مدينة البصرة التي كانت مركزًا مهمًا في شمال الخليج خلال فترات تاريخية مختلفة. إلا أن القرب الجغرافي والعلاقات الاقتصادية لا يعنيان بالضرورة وحدة سياسية أو تبعية إدارية، فالعلاقات التجارية أو الثقافية بين المناطق لا تثبت وحدها قيام سيادة سياسية.
وقد استخدمت بعض الخطابات السياسية العراقية لاحقًا هذه الروابط التاريخية والجغرافية لتقديم ادعاءات حول تبعية الكويت للعراق، خصوصًا مع تصاعد أهمية النفط والموقع الاستراتيجي للكويت. غير أن هذه الادعاءات بقيت جزءًا من الجدل السياسي الحديث، ولم تتحول إلى أساس معترف به في القانون الدولي.
كما أن الحديث عن التاريخ والهوية في العراق يرتبط ارتباطًا عميقًا بالآثار والحضارات القديمة، فالعراق بلد يمتلك إرثًا حضاريًا استثنائيًا يمتد إلى السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، ولذلك فإن الأدلة الأثرية والوثائق التاريخية تمثل عنصرًا مهمًا في أي نقاش يتعلق بالتاريخ والسيادة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ادعاء بوجود إدارة سياسية عراقية رسمية للكويت أو خور عبد الله أو كاظمة عبر التاريخ يحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية واضحة، وليس فقط إلى روابط جغرافية أو تجارية. وحتى اليوم، لا توجد آثار أو دلائل أثرية عراقية معروفة تثبت أن الكويت أو خور عبد الله أو كاظمة كانت تحت إدارة عراقية رسمية في أي فترة تاريخية.
ولو كانت هناك آثار أو وثائق عراقية تثبت وجود إدارة سياسية مباشرة للكويت أو مناطق مثل خور عبد الله وكاظمة، لكان من المتوقع أن يبرزها النظام العراقي السابق خلال أزمة عام 1990 باعتبارها جزءًا من حججه السياسية والتاريخية لتبرير موقفه. إلا أن مثل هذه الأدلة الأثرية أو الوثائقية لم تكن ضمن الأدلة التي قُدمت لإثبات تلك الادعاءات، وهو ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى اعتبار قضية تبعية الكويت للعراق جزءًا من النزاعات السياسية الحديثة أكثر من كونها قائمة على أساس أثري أو قانوني حاسم.
كما أن القضايا الحدودية والبحرية، مثل خور عبد الله، تُعالج عبر الاتفاقيات والقنوات الدبلوماسية والقانون الدولي، وليس عبر استخدام التهديدات أو القوة العسكرية. فالدول الحديثة لا تُبنى على روايات تاريخية انتقائية، بل على الاعتراف المتبادل بالسيادة والحدود.
واليوم، تمثل العلاقات العراقية الكويتية مثالًا على إمكانية تجاوز الأزمات التاريخية عندما تتقدم المصالح المشتركة والحوار، مع بقاء احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها أساسًا لأي استقرار إقليمي طويل الأمد.
الانقسام الداخلي أخطر من الخصوم الخارجيين
إذا كان غزو الكويت قد كشف خطورة القرارات الخارجية الخاطئة، فإن السنوات التي تلت عام 2003 كشفت أن الانقسامات الداخلية يمكن أن تكون مدمرة أيضًا.
فقد عانى العراق من صراعات سياسية وطائفية، وانتشار الفساد، وضعف المؤسسات، وتنافس القوى الداخلية والخارجية على النفوذ. وأظهرت هذه التجربة أن انهيار الدولة لا يحدث فقط بسبب الأخطار الخارجية، بل أيضًا عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إدارة الخلافات.
ومن أهم الدروس التي لم تكتمل بعد هو أن بناء الدولة يبدأ من الداخل، وأن المواطنة يجب أن تكون أقوى من الانتماءات الفرعية، وأن مؤسسات الدولة يجب أن تكون فوق الأحزاب والأشخاص.
الذاكرة وحدها لا تكفي
إن إحياء ذكرى غزو الكويت بعد أكثر من ثلاثة عقود لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للألم أو تبادل للاتهامات، بل فرصة لمراجعة التجربة واستخلاص الدروس.
فالأمم لا تتعلم من تاريخها بمجرد تذكره، وإنما بتحويله إلى إصلاحات سياسية وثقافية ومؤسساتية تمنع تكرار الأخطاء. والاعتراف بالأخطاء التاريخية لا ينتقص من كرامة الشعوب، بل يعكس قدرتها على التطور والنضج.
خاتمة
بعد مرور ستة وثلاثين عامًا على غزو الكويت، لم يعد السؤال الأهم هو من أخطأ في عام 1990، فقد سجل التاريخ نتائج ذلك القرار بوضوح. السؤال الأهم هو: هل استطاع العراق بناء نظام سياسي يمنع تكرار القرارات الكارثية؟ وهل أصبحت مصلحة الدولة فوق مصالح الأفراد والأحزاب والتنظيمات والتيارات؟
إن الدرس الأكبر من تجربة الكويت ليس فقط أن الحروب مكلفة، بل أن الدول التي تضع مصيرها في يد أشخاص بدل المؤسسات تدفع أثمانًا قد تمتد لأجيال.
ومستقبل العراق لن يُبنى بالعودة إلى صراعات الماضي، بل ببناء دولة قانون ومؤسسات، تقدم التنمية والاستقرار على المغامرات والصدام، وتدرك أن احترام سيادة الآخرين هو جزء أساسي من حماية سيادة الوطن نفسه.
انتهى