صباح البغدادي
هل تبدأ حقا مسيرة الإصلاح من الاعتراف؟
أثار ظهور رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، خلال اجتماعه الأخير موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، تخللتها تعليقات حادة وسيل من السخرية والانتقادات، بعدما لفتت ملامح وجهه وابتسامته انتباه المتابعين وهو يتحدث عن خطورة الفساد المتجذّر في مؤسسات الدولة. تلك الابتسامة التي ظهرت في لحظة الحديث عن واحدة من أعقد الأزمات التي تواجه العراق، دفعت كثيرين إلى التساؤل عن دلالاتها، خاصة مع تأكيده أن التراجع عن مكافحة الفساد يُعد «معيبًا بحقنا»، وأن المعركة ضد هذه المنظومة ليست خيارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية للدولة. هذا التناقض بين نبرة التحذير وحدّة التصريحات من جهة، وابتسامة الزيدي من جهة أخرى، شكّل الشرارة الأولى لفتح باب التأويلات حول ما تخفيه لغة الجسد في لحظة سياسية حساسة.
لم يكن العراقيون بحاجة إلى تصريح رسمي كي يدركوا أن المحاصصة الطائفية — تلك التي تُسوّق منذ سنوات طويلة تحت مسمى “الاستحقاق الانتخابي” — هي أصل البلاء الذي ضرب الدولة وأرهق العباد. لكن الاعتراف الذي صدر مؤخرًا عن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، خلال اجتماعه في مبنى ديوان الرقابة المالية الاتحادية بحضور وزير المالية وهيئة النزاهة، جاء ليضع حدًا لخطاب التجميل السياسي، ويكشف بوضوح أن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي أو حالات معزولة، بل تحوّل إلى منظومة متجذّرة داخل مؤسسات الدولة.
في ذلك الاجتماع، قال الزيدي بلهجة غير مسبوقة: «عيب يسرقون الدولة واحنا نتفرج عليها»، مضيفًا أن التراجع عن محاربة الفساد سيكون «معيبًا بحق الحكومة»، بل سيعني — بحسب تعبيره — فقدان الأمل الأخير للشعب في إمكانية إصلاح الوضع برمّته.
هذا التصريح، رغم أهميته، جاء متأخرًا في نظر كثيرين، لكنه يفتح الباب أمام قراءة أعمق للواقع العراقي، قراءة تتجاوز التصريحات إلى تحليل بنية الفساد نفسها، وكيف تحوّلت إلى شبكة مصالح سياسية–اقتصادية–حزبية متشابكة، تعمل بقوة النفوذ والسلاح والمال، وتتحكم بمفاصل الدولة من أعلى الهرم إلى أدنى موظف فيها.
في خضمّ حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن الفساد المتجذّر في مؤسسات الدولة، لفت انتباه الحاضرين — وربما أكثر من تصريحاته نفسها — تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه وهو يتحدث عن أخطر ملف يهدد وجود الدولة العراقية. ابتسامة ليست عابرة، وليست مجرد حركة تلقائية، بل تحمل في علم لغة الجسد دلالات مركّبة، تتراوح بين الثقة المفرطة، ومحاولة ضبط الانفعال، أو حتى الإيحاء بأن المتحدث يعرف أكثر مما يقول، وأنه جزء من المشهد الذي يصفه، لا مجرد مراقب خارجي له.
فالابتسامة في لحظة الحديث عن الفساد ليست مجرد تعبير وجهي، بل هي رسالة سياسية غير منطوقة، تكشف — لمن يجيد قراءة الوجوه — أن الزيدي يتحدث عن منظومة يعرف تفاصيلها، ويعرف جذورها، ويعرف اللاعبين الكبار فيها، وربما يعرف كيف تعمل، وكيف تتغذّى، وكيف تتوسّع. وهذا ليس غريبًا على رجلٍ ابن الاقتصاد العراقي، نشأ في بيئة الأعمال، وراكم خبرة طويلة في عالم الشركات التجارية، وبنى إمبراطورية اقتصادية تمتد عبر عقود ضخمة مع وزارات حساسة، ليس أقلها وزارة التجارة و وزارة الدفاع.
ولعلّ ما يجعل الابتسامة أكثر إثارة للتساؤل هو أن شركاته التجارية — بحسب ما هو متداول — ما تزال تطالب الدولة بمبالغ مالية ضخمة تصل إلى ملياري دولار لم تُسدّد لغاية الآن. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا: رئيس وزراء يتحدث عن الفساد، يبتسم وهو يصفه، وفي الوقت نفسه يمتلك شركات لها عقود حكومية كبيرة، ولها ديون غير مسددة لدى الدولة.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام قراءة استقصائية أعمق: هل كان الزيدي يبتسم لأنه يعرف أن الفساد متجذّر؟ أم لأنه يدرك أن محاربته ستصطدم بشبكات مصالح هائلة؟ أم لأن الابتسامة كانت محاولة لتمرير رسالة مفادها أنه ليس خائفًا من فتح الملفات؟ أم أنها ابتسامة رجلٍ يعرف أن المعركة ليست فقط ضد الآخرين، بل ضد بنية اقتصادية–سياسية هو نفسه جزء من تاريخها؟
لغة الجسد هنا ليست تفصيلاً ثانويًا، بل هي مفتاح لفهم السياق. فالابتسامة في لحظة الحديث عن الفساد ليست مجرد حركة عضلية، بل هي علامة على صراع داخلي بين الدور السياسي الذي يؤديه الزيدي، والدور الاقتصادي الذي عاشه لسنوات طويلة، وبين موقعه الحالي كرئيس وزراء، وموقعه السابق كرجل أعمال يمتلك شبكة علاقات واسعة داخل الدولة.
إن قراءة الوجوه في السياسة ليست ترفًا، بل هي جزء من التحقيق الاستقصائي، لأنها تكشف ما لا تقوله الكلمات، وتفضح ما يحاول الخطاب الرسمي إخفاءه، وتمنحنا نافذة لفهم ما يجري خلف الكواليس، حيث تتقاطع المصالح، وتتداخل الأدوار، وتتشابك العلاقات بين السلطة والمال.
تُظهر الوثائق والتقارير الرقابية أن المحاصصة لم تكن مجرد توزيع مناصب بين القوى السياسية، بل تحوّلت إلى اقتصاديات حزبية كاملة، تمتلك شركات، ومكاتب اقتصادية، وواجهات تجارية، وتستحوذ على العقود الحكومية، وتفرض الاستثناءات، وتتحكم بالاستثمارات، وتعيد تدوير الأموال عبر شبكات غسيل منظمة.
وتشير مصادر رقابية إلى أن العديد من الشركات الأجنبية العاملة في العراق — المصرية، اللبنانية، الأردنية، الإماراتية، التركية، الإيرانية، السورية — دخلت السوق العراقية عبر بوابة “الكومشن”، أي العمولات السياسية، مقابل منح عقود بمليارات الدولارات، دون رقابة حقيقية أو جدوى اقتصادية.
كما تكشف التحقيقات أن شركات السياحة والسفر أصبحت أحد أهم منافذ تهريب الدولار وغسيل الأموال، تحت غطاء العمرة أو السفر إلى دول معينة، في حين ظلّ مزاد العملة بوابة مفتوحة لتسريب العملة الصعبة إلى خارج البلاد.
أما ميناء أم قصر، فيُعدّ نموذجًا صارخًا لغياب الدولة، حيث تسيطر عليه مليشيات أجنبية، وتتحكم بحركة التجارة، وتفرض إتاوات على الشركات، وتمنع الحكومة من ممارسة سيادتها.
في الوقت الذي ظلّت فيه الطبقة السياسية العراقية تُسوّق لسنوات طويلة فكرة “الاستحقاق الانتخابي” بوصفه غطاءً شرعيًا للمحاصصة الطائفية، تلك المحاصصة التي دمّرت بنية الدولة وأرهقت العباد، جاء اعتراف رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، ليكشف — ولو متأخرًا — حقيقة يعرفها العراقيون جيدًا: أن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي أو حالات معزولة، بل تحوّل إلى منظومة متجذّرة داخل مؤسسات الدولة، تعمل بقوة النفوذ السياسي والاقتصادي والحزبي.
وخلال اجتماعه في مبنى ديوان الرقابة المالية الاتحادية بحضور وزير المالية وهيئة النزاهة، أقرّ الزيدي علنًا بأن مهمة مواجهة الفساد ستكون “صعبة ومرتفعة التكلفة”، لكنه شدّد على أن التراجع عنها سيكون “معيبًا بحق الحكومة”، بل سيعني — بحسب تعبيره — “فقدان الأمل الأخير للشعب”. وأضاف بلهجة حادة: “عيب يسرقون الدولة واحنا نتفرج عليها”، في إشارة واضحة إلى حجم الانهيار الأخلاقي الذي وصلت إليه الطبقة السياسية.
وأشار الزيدي إلى أن أعين العراقيين باتت مركّزة على مؤسستين فقط: القضاء والحكومة، بوصفهما الجهتين الوحيدتين القادرتين على استعادة الثقة العامة، ومحاربة الفساد، وفتح صفحة جديدة يمكن أن تقود البلاد نحو دولة رشيدة، دولة يحلم بها الجميع، دولة لا تتحكم بها شبكات النفوذ الحزبي ولا اقتصاديات الظل.
- إلغاء اقتصاديات الدكاكين الحزبية التي تحوّلت إلى شبكات مالية موازية للدولة.
- إحالة شركات الأحزاب التي تعمل كواجهات اقتصادية إلى القضاء والنزاهة، وهي شركات تستحوذ على العقود والاستثمارات عبر نفوذ سياسي مباشر.
- إلغاء عقود الشركات الأجنبية المشبوهة (المصرية، اللبنانية، الأردنية، الإماراتية، التركية، الإيرانية، السورية) التي تعمل وفق نظام “الكومشن” مع الطبقة السياسية.
- إيقاف شركات السياحة والسفر التي تمارس غسيل الأموال عبر تهريب الدولار تحت غطاء العمرة أو السفر إلى دول معينة.
- القضاء على مزاد العملة بوصفه أحد أكبر بوابات الفساد المالي في البلاد.
- استرجاع الاستثمارات والعقارات التي استحوذت عليها الطبقة السياسية بأسماء شركات وهمية وباستثناءات حكومية غير قانونية.
- فرض السيطرة الحكومية على ميناء أم قصر وطرد المليشيات الأجنبية التي تهيمن عليه وتتحكم بحركة التجارة.
إن اعتراف رئيس الوزراء بأن الفساد أصبح “منظومة متجذّرة” هو خطوة مهمة، لكنه ليس كافيًا. فالمعركة الحقيقية تبدأ حين تتحوّل هذه الاعترافات إلى إجراءات عملية، وحين تُفتح ملفات الشركات، والعقود، والموانئ، والمكاتب الاقتصادية، دون محاباة لأي كتلة حزبية أو فصيل سياسي.
الشعب العراقي اليوم — كما قال الزيدي — ينظر إلى مؤسستين فقط: القضاء والحكومة. وهما وحدهما القادرتان على استعادة الثقة، وفتح صفحة جديدة، وبناء دولة رشيدة، دولة لا يحكمها السلاح ولا المحاصصة ولا اقتصاديات الظل.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تمتلك الحكومة الشجاعة الكاملة لخوض هذه المعركة حتى النهاية؟ هذا ما ستكشفه الأيام… وعلى الشعب أن يتحقق دائمًا من المعلومات عبر مصادر موثوقة.
وليس هذا فحسب، فاعترافات رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي لم تتوقف عند حدود توصيف الفساد بوصفه منظومة متجذّرة داخل مؤسسات الدولة، بل امتدت إلى ما هو أخطر وأكثر حساسية، حين كشف — خلال لقائه أبناء الجالية العراقية في واشنطن — عن تورّط وزير سابق وقيادي بارز في الاستيلاء على نحو تريليوني دينار عراقي، أي ما يعادل تقريبًا 1.5 مليار دولار، في واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي التي يُعلن عنها مسؤول حكومي بهذا المستوى. وخلال اللقاء، طالب الحضور بالكشف عن اسم الوزير المتورّط، لكن الزيدي رفض الإفصاح عنه، رغم أن أصواتًا تعالت في القاعة وهي تذكر أسماء وزراء ومسؤولين سابقين معروفين لدى الرأي العام، ممن ظلّوا — وما يزالون — بمنأى عن المساءلة، محميّين بشبكات النفوذ السياسي والحزبي، وبقوة المحاصصة التي جعلت بعض المناصب حصونًا منيعة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
هذا الامتناع عن ذكر الاسم، ” وزير الشؤون الاجتماعية السابق احمد الاسدي الهارب من وجه العدالة ” رغم خطورة الرقم المعلن، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود قدرة الحكومة على مواجهة الفساد حين يتعلّق الأمر بشخصيات سياسية نافذة، ويعيد إلى الواجهة السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة كسر الحلقة الحديدية التي تحمي كبار الفاسدين؟
فالاعتراف بوجود فساد بهذا الحجم، دون تسمية المتورّطين، يعكس حجم التعقيد الذي تواجهه الحكومة في معركتها، ويكشف أن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات إدارية أو مالية، بل أصبح شبكة مصالح متشابكة، تمتد من الوزارات إلى الأحزاب، ومن الشركات إلى المكاتب الاقتصادية، ومن المنافذ الحدودية إلى العقود الحكومية، بحيث يصعب تفكيكها دون إرادة سياسية صلبة، ودون دعم قضائي مستقل، ودون حماية شعبية واسعة.
إن هذه الواقعة هي دليل إضافي على أن الفساد في العراق لم يعد ظاهرة، بل بنية كاملة، وأن مواجهة هذه البنية تتطلب إجراءات جذرية تتجاوز التصريحات، وتذهب مباشرة إلى تفكيك شبكات النفوذ التي تحمي كبار المسؤولين، وتمنع وصول العدالة إليهم.