بقايا معدات الجيش العراقي في الكويت 1991
إيهاب مقبل
منذ الساعات الأولى لغزو الكويت في الثاني من أغسطس آب 1990، أدركت القيادة العراقية أن احتلال دولة عربية سيواجه رفضًا واسعًا عربيًا ودوليًا. ولذلك، لم يقتصر الخطاب الرسمي العراقي على تبرير الغزو بأسباب اقتصادية أو حدودية، بل سعى إلى ربط القضية الفلسطينية بالأزمة، مقدمًا احتلال الكويت باعتباره جزءًا من مواجهة أشمل مع تل أبيب وواشنطن، ومطالبًا بربط الانسحاب من الكويت بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد لقي هذا الخطاب تعاطفًا لدى قطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي، التي كانت ترى في القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة، كما وجد صدى لدى بعض القوى السياسية التي رأت في العراق آنذاك قوة عربية قادرة على مواجهة الدولة اليهودية.
لكن، رغم هذا التعاطف الشعبي في بعض الأوساط، لم ينجح الخطاب العراقي في إقناع معظم الحكومات العربية ولا المجتمع الدولي، بل بقيت غالبية الدول تعتبر غزو الكويت عملًا منفصلًا لا يمكن ربطه بالقضية الفلسطينية.
القضية الفلسطينية كانت قائمة قبل الغزو
كان من أبرز أسباب رفض هذا الخطاب أن القضية الفلسطينية لم تبدأ مع غزو الكويت، وأن احتلال دولة عربية بعيدة عن دول الطوق لم يكن يُنظر إليه كشرط أو وسيلة لتحرير فلسطين.
فرأت الحكومات العربية أن الربط بين القضيتين يخلط بين ملفين مختلفين تمامًا، وأن معالجة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن تتم عبر احتلال دولة عربية أخرى، لأن ذلك يضرب الأساس الأخلاقي والسياسي لأي موقف عربي موحد.
الكويت لم تكن عدوًا للفلسطينيين
كما أن الكويت نفسها كانت من أكثر الدول العربية دعمًا للقضية الفلسطينية، سواء على المستوى السياسي أو المالي أو الإنساني.
فقد احتضنت عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وأسهمت في دعم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وشاركت في تمويل العديد من المشاريع التعليمية والاجتماعية والإغاثية.
كما حظي الفلسطينيون في الكويت، قبل الغزو، بمكانة متميزة في المجتمع الكويتي، حيث عملوا في قطاعات التعليم والإدارة والهندسة والطب، ووصل عدد منهم إلى مناصب رفيعة في أجهزة الدولة، وأسهموا في بناء مؤسسات الكويت الحديثة منذ خمسينيات القرن الماضي.
وفي المقابل، لم تكن أوضاع الفلسطينيين المقيمين في العراق مماثلة من حيث الحقوق القانونية. فرغم أن أعدادًا كبيرة منهم أقامت في العراق منذ نكبة عام 1948، فإنهم ظلوا من الناحية القانونية لا يحملون الجنسية العراقية، وشهدت أوضاعهم مراحل متقلبة في عهد صدام حسين، حيث فُرضت عليهم قيود قانونية وإدارية في عدد من المجالات، من بينها حظر تملك العقارات والسيارات والهواتف وبعض الخدمات، مع استمرار معاملتهم بوصفهم مقيمين غير عراقيين.
وتشير بعض الروايات إلى أن جزءًا من هذه السياسات ارتبط بالظروف السياسية والأمنية التي أعقبت غزو الكويت، بما في ذلك اتهامات بعدم تأييد معظم الفلسطينيين في العراق قرار غزو الكويت أو عدم مشاركتهم فيه.
ولهذا، بدا الحديث عن احتلال الكويت باعتباره خطوة نحو تحرير فلسطين غير مقنع لكثير من الحكومات العربية، بل وحتى لعدد من السياسيين والمثقفين الذين كانوا يؤيدون القضية الفلسطينية، إذ إن الكويت كانت تُعد، قبل الغزو، من أكثر الدول العربية احتضانًا ودعمًا للفلسطينيين على المستويين الرسمي والشعبي.
بين دعم القضية الفلسطينية واستخدامها سياسيًا
يرى بعض الباحثين أن أحد أسباب فشل خطاب “تحرير فلسطين” في تبرير غزو الكويت هو أن القضية الفلسطينية، رغم مكانتها الكبيرة في وجدان الشعوب العربية، لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتبرير صراعات أو سياسات أخرى.
فهناك فرق بين دعم قضية عادلة ومبدئية، وبين استخدامها في الخطاب السياسي لتغطية قرارات لا ترتبط مباشرة بأهدافها. ولهذا ظهرت انتقادات لما اعتبره البعض “اتجارًا بالقضية الفلسطينية” أو توظيفًا سياسيًا لها، عندما جرى ربط احتلال الكويت بمواجهة تل أبيب، رغم أن الكويت لم تكن طرفًا في الصراع العربي الإسرائيلي، وكانت من الدول العربية الداعمة للفلسطينيين.
وفي هذا السياق، يقارن بعض المؤرخين بين خطاب الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر تجاه القضية الفلسطينية وبين خطاب صدام حسين بعد عام 1990. فقد تبنى البكر، خلال فترة حكمه، خطابًا قويًا داعمًا لفلسطين، لكنه لم يستخدم القضية الفلسطينية لتبرير احتلال دولة عربية أو تغيير حدودها بالقوة.
أما في عهد صدام حسين، فقد أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من خطاب سياسي أوسع ارتبط بأزمة الخليج، وهو ما دفع منتقديه إلى القول إن القضية تحولت من هدف سياسي بحد ذاته إلى أداة في الصراع الإقليمي.
قبول هذا المنطق كان سيهدد جميع الدول العربية
لو قبلت الدول العربية مبدأ أن تحرير فلسطين يبرر احتلال دولة عربية، لأصبح بالإمكان لأي دولة أن تستخدم القضية الفلسطينية أو أي قضية عربية أخرى ذريعة لتغيير الحدود بالقوة.
وكانت غالبية الحكومات العربية تدرك أن هذا المنطق، إذا قُبل، فلن يهدد الكويت وحدها، بل سيهدد النظام العربي بأكمله، ويجعل سيادة الدول العربية عرضة للتغيير وفق موازين القوة العسكرية.
ولهذا، اعتبرت جامعة الدول العربية أن الدفاع عن سيادة الكويت هو في الوقت نفسه دفاع عن مبدأ يحمي جميع الدول العربية.
حتى من داخل النظام العراقي ظهرت أصوات تشكك بالرواية
ومن أكثر الروايات إثارة للاهتمام ما نُسب إلى حسين كامل حسن المجيد، ابن عم الرئيس العراقي صدام حسين وصهره، وقائد الحرس الجمهوري الذي كان يمثل القوة العسكرية الرئيسة للنظام العراقي خلال غزو الكويت، قبل أن يتولى مسؤولية التصنيع العسكري وينشق إلى الأردن عام 1995.
فبحسب روايات متداولة، قال حسين كامل أمام عدد من زواره إن الحديث عن أن غزو الكويت كان طريقًا لتحرير فلسطين لم يكن مقنعًا، مضيفًا: “لو كان الهدف فعلًا تحرير فلسطين لكان الطريق عبر سوريا، وليس عبر الكويت”، ثم قال بسخرية: “الفرع (الكويت) أحرق الأصل (العراق)”.
وتنسب إليه روايات أخرى قوله إن الطريق إلى فلسطين، إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي، كان يمكن أن يكون عبر الأردن وليس عبر الكويت.
وإذا صحت هذه الروايات، فإن أهميتها لا تكمن فقط في أنها صدرت عن أحد أبرز أركان النظام العراقي وأكثرهم اطلاعًا على آلية اتخاذ القرار، بل لأنها تعكس تشكيكًا من داخل النظام نفسه في المبرر الذي قُدم للرأي العام العربي.
غير أن هذه الأقوال، وما ارتبط بها من تفاصيل حول ظروف إقامته في الأردن أو ملابسات تسجيلها، لا تزال بحاجة إلى توثيق من مصادر أردنية رسمية أو مذكرات مسؤولين أو وثائق تاريخية يمكن التحقق منها، ولذلك لا يمكن الجزم بها بوصفها حقائق تاريخية مثبتة.
صواريخ سكود على الدولة الصهيونية.. بين التعاطف الشعبي والحسابات العسكرية
وخلال حرب الخليج، أطلق العراق عشرات صواريخ سكود باتجاه الدولة الصهيونية، وهو عمل لقي تعاطفًا واسعًا لدى قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي، بما في ذلك كثير من الكويتيين، انطلاقًا من اعتبار “إسرائيل” دولة احتلال، ومن التأييد العربي الواسع لأي مواجهة معها.
لكن كثيرًا من الباحثين في الشؤون العسكرية والاستراتيجية يرون أن إطلاق هذه الصواريخ لم يكن يهدف فقط إلى إظهار موقف معادٍ لتل أبيب، بل كان يحمل هدفًا سياسيًا وعسكريًا يتمثل في محاولة جر الدولة الصهيونية إلى الرد، بما قد يؤدي إلى إحداث انقسام داخل التحالف الدولي الذي تشكل لتحرير الكويت.
فقد كان التحالف يضم دولًا عربية مهمة مثل مصر وسوريا والسعودية، وكان دخول تل أبيب المباشر في الحرب ضد بغداد يمكن أن يخلق ضغوطًا سياسية كبيرة على بعض هذه الدول، ويمنح العراق فرصة لتصوير المعركة على أنها مواجهة عربية إسرائيلية بدلًا من كونها مواجهة لتحرير الكويت.
إلا أن واشنطن مارست ضغوطًا كبيرة على تل أبيب لعدم الرد عسكريًا، حفاظًا على تماسك التحالف الدولي، فاستجابت الحكومة الإسرائيلية لذلك، ولم يتحقق الهدف السياسي الذي كان يُعتقد أن القيادة العراقية تسعى إليه. وبقي التحالف متماسكًا حتى تحرير الكويت في فبراير شباط 1991.
لماذا لم يقتنع المجتمع الدولي؟
حتى خارج العالم العربي، لم يجد هذا الخطاب قبولًا، لأن القانون الدولي ينظر إلى كل نزاع على حدة، ولا يجيز معالجة احتلال بارتكاب احتلال آخر.
فالقضية الفلسطينية، رغم عدالتها في نظر كثير من الدول، لم تكن مبررًا قانونيًا يسمح للعراق بضم دولة عضو في الأمم المتحدة بالقوة العسكرية.
ولهذا أصدر مجلس الأمن سلسلة من القرارات التي طالبت بانسحاب العراق الفوري وغير المشروط من الكويت، دون ربط ذلك بأي ملف آخر.
ماذا كانت النتيجة؟
بدلًا من أن يخدم غزو الكويت القضية الفلسطينية، يرى عدد كبير من الباحثين أنه ألحق بها أضرارًا سياسية كبيرة.
فقد أدى إلى انقسام عربي غير مسبوق، وأضعف التنسيق العربي المشترك، كما تضررت العلاقات بين الكويت ومنظمة التحرير الفلسطينية، وانعكس ذلك على أوضاع مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في الكويت بعد التحرير.
كما انشغل المجتمع الدولي بأزمة الخليج، وتحولت الأولوية إلى تحرير الكويت وإدارة تداعيات الحرب، بدلًا من الدفع نحو تسوية القضية الفلسطينية.
ومن المفارقات التاريخية أن الغزو الذي رُفع تحت شعار “تحرير فلسطين” انتهى إلى إضعاف العراق وتدميره، وإلحاق ضرر بالعلاقات العربية، وإدخال المنطقة في مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والعسكري، بينما بقيت القضية الفلسطينية دون تقدم يُذكر.
خاتمة
لم ينجح خطاب “تحرير فلسطين” في تبرير غزو الكويت، لأن معظم الحكومات العربية والمجتمع الدولي رأوا أن تحرير أرض محتلة لا يمكن أن يتم عبر احتلال أرض عربية أخرى.
كما أن هذا الخطاب اصطدم بحقيقة أن الكويت كانت من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، وبمبدأ قانوني وسياسي يقوم على احترام سيادة الدول وعدم تغيير الحدود بالقوة.
لقد أثبتت أحداث عام 1990 أن القضايا العادلة لا تُخدم بتوسيع دائرة الحروب أو انتهاك سيادة الدول، وأن استخدام القضية الفلسطينية لتبرير غزو الكويت لم يحقق لفلسطين مكسبًا سياسيًا، بل ساهم في تعميق الانقسام العربي، وإضعاف العراق، وإضافة أزمة جديدة إلى أزمات المنطقة، وهو ما يفسر لماذا لم ينجح هذا الخطاب في إقناع أغلبية الدول العربية أو المجتمع الدولي.
فيديو: دخول القوات العربية إلى الكويت خلال عملية التحرير عام 1991.
يعكس هذا المشهد جانبًا مهمًا من موقف عدد من الدول العربية التي رأت أن الدفاع عن سيادة الكويت لا يتعارض مع دعم القضية الفلسطينية، وأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون عبر احتلال دولة عربية أخرى. فقد شاركت قوات عربية من عدة دول في التحالف الذي أنهى الاحتلال العراقي للكويت عام 1991.
انتهى