إيهاب مقبل
لم تعد معايير الجمال في العراق تُصنع فقط داخل صالونات التجميل أو من خلال الإعلانات ومجلات الموضة. اليوم، أصبحت شاشة الهاتف واحدة من أكثر الأماكن تأثيرًا في تشكيل صورة المرأة عن جمالها ومظهرها. خلال ثوانٍ، تستطيع منصات التواصل أن تعرض للمرأة العراقية عشرات الوجوه المتشابهة: شفاه ممتلئة، أنوف دقيقة، بشرة خالية من العيوب، عيون واسعة، فك محدد، أجساد متناسقة، وإطلالات تبدو وكأنها جزء من حياة مثالية لا تعرف التعب أو النقص.
لكن المشكلة لا تكمن في أن المرأة العراقية تهتم بمظهرها أو تستخدم المكياج أو تختار إجراءً تجميليًا. فهذه خيارات شخصية، ومن حق كل امرأة أن تقرر ما يناسبها. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الخيارات من مساحة شخصية إلى معيار جمالي غير معلن، وعندما تصبح ملامح معينة هي الشكل الذي يُقدَّم باعتباره الأكثر جمالًا وقبولًا ونجاحًا.
عندها لا يعود السؤال: «ماذا أريد أن أكون؟»، بل يصبح: «كيف يجب أن أغيّر نفسي حتى أشبه الصورة التي أراها كل يوم؟»
المرأة العراقية أمام مرآة جديدة
لطالما كانت للمرأة العراقية ملامح متنوعة تعكس تنوع المجتمع العراقي نفسه؛ من اختلاف المدن والمناطق إلى اختلاف الأذواق والعادات والخلفيات الاجتماعية. ولم يكن هناك وجه واحد يمكن اختزاله بوصفه «الجمال العراقي».
لكن منصات التواصل الاجتماعي، ولاسيما التيك توك، بدأت تدفع باتجاه صورة أكثر تشابهًا للوجه المثالي.
يمكن للمتابع اليوم أن يلاحظ انتشار نمط جمالي متكرر في بعض المحتويات: شفاه محددة وممتلئة، حواجب مرسومة بعناية، أنف صغير أو مستقيم، بشرة شديدة النعومة، عيون بارزة، وجه نحيف أو محدد، وشعر ومكياج مصممان وفق اتجاهات متشابهة.
ومع تكرار هذه الصورة، يمكن أن تتراجع مساحة الاختلاف الطبيعي بين الوجوه في نظر المتلقي.
فالوجه الذي كان يُنظر إليه باعتباره مميزًا قد يصبح فجأة «بحاجة إلى تعديل»، والأنف الطبيعي قد يتحول إلى مصدر عدم رضا، والخطوط الطبيعية في الوجه إلى عيوب يجب إخفاؤها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يتحول الاختلاف الذي يميز الوجوه إلى شيء يحتاج إلى الإصلاح.
من شاشة الهاتف إلى عيادة التجميل
لم يعد المحتوى التجميلي منفصلًا عن السوق. فالصورة التي تظهر على الهاتف قد تقود مباشرة إلى منتج تجميلي، أو مركز تجميل، أو طبيب، أو إجراء تجميلي.
وقد تجد المرأة نفسها أمام سلسلة متكاملة من الرسائل: هذا الشكل أكثر جمالًا، وهذه البشرة أكثر إشراقًا، وهذه الشفاه أكثر جاذبية، وهذا الوجه أكثر شبابًا، وهذا الإجراء سيجعلك أقرب إلى الصورة التي تريدينها.
المشكلة هنا ليست في الطب التجميلي نفسه، ولا في حق المرأة في الاستفادة منه. فالإجراءات التجميلية قد تكون خيارًا شخصيًا مشروعًا عندما تُتخذ بوعي وبعد معرفة حقيقية بالفوائد والمخاطر.
لكن الخطر يظهر عندما يصبح الشعور بعدم الرضا هو نقطة البداية الدائمة.
فإذا كانت المرأة لا ترى في وجهها سوى ما ينقصه، وإذا كانت كل صورة على هاتفها تذكرها بأن هناك شيئًا يمكن تحسينه، فإن السوق لا تعود تبيع لها مستحضرًا أو إجراءً فقط؛ بل تبيعها وعدًا بأنها ستصبح أكثر قبولًا عندما تغيّر نفسها.
المؤثرة العراقية وصناعة الصورة المثالية
أصبح للمؤثرات العراقيات حضور واضح في تشكيل الذوق العام، خصوصًا بين الفتيات والمراهقات. وبعضهن يقدم محتوى مفيدًا ومتوازنًا في مجالات الموضة والجمال والعناية الشخصية، ولا يمكن وضع الجميع في خانة واحدة.
لكن المشكلة تظهر عندما تتكرر الصورة نفسها بصورة مكثفة: وجه مثالي، جسم مثالي، منزل مثالي، ملابس مثالية، سفر مستمر، مناسبات فاخرة، وحياة تبدو خالية من المشكلات.
قد لا تكون هذه الصورة كاذبة بالكامل، لكنها بالتأكيد ليست الحياة كاملة.
فالمتابعة لا ترى الساعات الطويلة للتحضير، ولا كل ما تم تعديله في الصورة، ولا الزوايا التي لم تُنشر، ولا المشكلات اليومية التي لا تصل إلى الكاميرا. ومع ذلك، قد تقارن فتاة حياتها الواقعية بصورة منتقاة من حياة شخص آخر.
وهنا يصبح المؤثر، من دون أن يقصد أحيانًا، جزءًا من صناعة معيار يصعب الوصول إليه.
من «المحتوى الهابط» إلى صناعة معيار الجمال
ومن المفارقات اللافتة في المشهد العراقي أن بعض الوجوه التي صنعت شهرتها عبر محتوى أثار جدلًا واسعًا، وأسماءً سبق أن ارتبطت بحملة وزارة الداخلية العراقية لمواجهة ما وصفته بـ«المحتوى الهابط» عام 2023، أصبحت اليوم من بين الأصوات الأكثر حضورًا في تعريف شكل المرأة الجميلة والترويج لنمط معين من المظهر والحياة.
فبدل أن يؤدي الجدل الذي رافق ذلك المحتوى إلى مراجعة حقيقية لطبيعة الخطاب المقدم للجمهور، تمكن بعض هؤلاء المؤثرات من إعادة تقديم أنفسهن بصورة أكثر احترافًا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جوهر المنظومة قد تغير. انتقل المحتوى من إثارة الجدل وجذب المشاهدات إلى صناعة الصورة الشخصية، واستعراض الجمال والترف، والترويج للموضة ومستحضرات التجميل والعيادات والإجراءات التجميلية، لتصبح الشهرة نفسها أداة تسويقية قادرة على تحويل المؤثرة إلى مرجع جمالي.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق: كيف يمكن لمن كانت محل انتقاد بسبب طبيعة المحتوى الذي تقدمه أن تنتقل لاحقًا من مجرد صانعة محتوى إلى شخصية تساهم في تحديد ما يجب أن يكون عليه وجه المرأة العراقية وجسدها ومظهرها؟
المشكلة لا تتوقف عند ما تنشره هذه الشخصيات، بل في السلطة التي منحتها لها المنصات. فعدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات يمنح المؤثرة قدرة هائلة على تحويل ذوقها الشخصي إلى نموذج عام، وتحويل ملامحها وإطلالتها وطريقة حياتها إلى صورة يُطلب من آلاف الفتيات الاقتراب منها.
والأخطر أن هذا التأثير قد يحدث من دون إعلان صريح عن ذلك. فحين تظهر المؤثرة بوجه معدل، وبإجراءات تجميلية، ومكياج احترافي، وإضاءة مدروسة، ثم تقدم هذه الصورة في سياق الحياة اليومية، قد تختفي الحدود بين ما هو طبيعي وما هو مصطنع، وما هو اختيار شخصي وما هو إعلان، وما هو جمال فردي وما يراد له أن يصبح معيارًا عامًا.
وهكذا لا تعود المؤثرة تبيع منتجًا فحسب؛ إنها تبيع تعريفًا للجمال. تبيع شكل الشفاه، وحجم الأنف، وتحديد الوجه، ونوع البشرة، وطريقة اللباس، وحتى صورة الحياة التي يفترض أن ترافق المرأة الجميلة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تطور المحتوى فعلًا، أم أن الذي تطور هو أسلوب تسويق الذات؟ وهل انتقلنا من «المحتوى الهابط» إلى محتوى أكثر قيمة، أم إلى نسخة أكثر احترافًا من صناعة الشهرة والاستهلاك؟
فالخطر لا يكمن في أن تصبح الفاشينيستا أكثر نجاحًا أو أن تحقق أرباحًا من محتواها، وإنما في أن تتحول شهرتها إلى سلطة غير معلنة على ذوق المجتمع، وأن يصبح نجاحها التجاري مرتبطًا بقدرتها على إقناع الفتيات بأن هناك شكلًا معينًا ينبغي أن يكنّ عليه.
وعندما تصبح هذه الرسالة يومية ومتكررة، فإن الفتاة العراقية لا تعود تشتري منتجًا لأنها تحتاج إليه، بل قد تبدأ بشراء وعد بأنها ستصبح أقرب إلى الصورة التي قيل لها إنها الأجمل.
بهذا المعنى، لم تعد القضية قضية فاشينيستات أو تيك توكرات فقط، بل قضية صناعة كاملة تستطيع أن تحول الشهرة إلى نفوذ، والنفوذ إلى معيار، ومعيار الجمال إلى سوق مفتوحة لا تنتهي.
الفلاتر: عندما يصبح الوجه الحقيقي أقل قبولًا
أحد أكثر التحولات تأثيرًا هو انتشار الفلاتر والتعديلات الرقمية. فالفِلتر لا يغير الإضاءة فقط. بعض الفلاتر يمكن أن تنعم البشرة، وتغير شكل الأنف، وتكبر العينين، وتحدد الوجه، وتعدل الشفاه، وتخفي التفاصيل التي تميز الوجه الطبيعي.
ومع الاستخدام المتكرر، قد يحدث أمر أكثر تعقيدًا: أن تعتاد المرأة على صورتها المعدلة إلى درجة يصبح معها وجهها الحقيقي غريبًا عنها.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: التقنية التي صُممت لتحسين الصورة قد تجعل الإنسان أقل رضا عن صورته الحقيقية.
وإذا كان الشخص البالغ قد يملك قدرًا من الوعي يساعده على التمييز بين الواقع والصورة الرقمية، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى المراهقات اللواتي ما زلن في مرحلة بناء صورتهن عن أنفسهن.
حين يتحول عدم الرضا إلى تجارة
صناعة الجمال لا تبيع المنتجات فقط؛ إنها تستطيع أن تبيع المشاعر أيضًا. فإذا شعرت المرأة أن بشرتها ليست صافية بما يكفي، فهناك منتج يعدها ببشرة أفضل. وإذا شعرت أن شفتيها نحيفتان، هناك إجراء يمكن أن يغير شكلهما. وإذا لم يعجبها شكل أنفها، تظهر أمامها خيارات أخرى. وإذا شعرت أن وجهها فقد شبابه، تظهر منتجات وإجراءات تعدها باستعادة مظهر أصغر سنًا.
وهكذا يمكن أن يتحول عدم الرضا عن المظهر إلى محرك اقتصادي.
كلما أصبح الإنسان أقل تصالحًا مع شكله الطبيعي، زادت احتمالات بحثه عن حلول تجميلية جديدة.
وهذا لا يعني أن كل منتج تجميلي أو إجراء طبي يستغل النساء، ولا يعني أن كل امرأة تقوم بإجراء تجميلي غير راضية عن نفسها. القضية أكثر دقة من ذلك.
السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام اختيار حر، أم أمام ضغط اجتماعي وتجاري يجعل الإنسان يشعر بأنه مضطر إلى التغيير حتى يكون مقبولًا؟
ماذا تقول الدراسات؟
هذه المخاوف لا تستند إلى الانطباعات وحدها. فقد تناولت دراسات تجريبية العلاقة بين التعرض لمثل الجمال في وسائل التواصل الاجتماعي وصورة الجسد.
وفي عام 2022 نُشرت مراجعة منهجية للدراسات التجريبية حول تأثير التعرض لمثل الجمال على وسائل التواصل الاجتماعي في صورة الجسد، وشملت 43 دراسة تجريبية و8637 مشاركًا. ووجدت المراجعة أن التعرض للصور المثالية يمكن أن يرتبط بزيادة عدم الرضا عن صورة الجسد، وأن المقارنة بالمظهر تؤدي دورًا مهمًا في هذه العلاقة.
أهمية هذه النتائج أنها تجعل السؤال أكبر من مجرد الحديث عن «موضة» أو «ترند».
السؤال هو: ماذا يحدث لصورة الإنسان عن نفسه عندما يقارن وجهه وجسده يوميًا بآلاف الصور المثالية؟
فالمرأة لا تنظر إلى الشاشة فقط؛ في بعض الأحيان تبدأ بالنظر إلى نفسها من خلال الشاشة.
المراهقات في قلب المشكلة
ربما تكون الفتيات المراهقات الفئة الأكثر حساسية لهذه الرسائل. وفي هذه المرحلة العمرية تتشكل صورة الإنسان عن ذاته، ويبدأ في البحث عن القبول والانتماء، ويصبح رأي الآخرين أكثر أهمية.
وعندما تتكرر أمام المراهقة صورة واحدة للمرأة الجميلة، فقد تبدأ في الاعتقاد بأن الجمال مرتبط بشكل معين للأنف أو الشفاه أو الجسم، وأن الحصول على القبول يحتاج إلى الاقتراب من هذا الشكل.
وقد تتحول المقارنة من حالة عابرة إلى عادة: لماذا بشرتي ليست مثلها؟ لماذا وجهي مختلف؟ لماذا لا أبدو بهذه الطريقة؟ لماذا لا أملك الملابس نفسها؟ ولماذا لا أعيش الحياة التي تظهر على الشاشة؟
وهكذا يمكن أن تنتقل المقارنة من الوجه إلى الجسد، ومن الجسد إلى الملابس، ومن الملابس إلى نمط الحياة، حتى تصبح القيمة الشخصية نفسها مرتبطة بصورة مثالية يصعب الوصول إليها.
الجمال العراقي ليس قالبًا واحدًا
من المهم في هذا النقاش ألا نقع في خطأ البحث عن «شكل المرأة العراقية المثالي» ونستبدل معيارًا بمعيار آخر.
العراق بلد شديد التنوع، والنساء العراقيات لسن صورة واحدة. الجمال لا يحتاج إلى أن يكون له شكل عراقي واحد حتى يكون حقيقيًا.
فالملامح المختلفة، والبشرة المختلفة، وأشكال الأجساد المختلفة، وأساليب اللباس المختلفة، كلها جزء من الواقع العراقي.
المشكلة ليست في أن تتغير الموضة أو تتنوع الأذواق، وإنما في أن تتحول الموضة إلى ضغط اجتماعي يجعل الاختلاف يبدو كأنه نقص.
لا ينبغي تحويل المرأة إلى متهمة
أي نقاش حول هذه القضية يحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف. فليس كل من تستخدم المكياج سطحية، وليس كل من تخضع لإجراء تجميلي ضعيفة الثقة بنفسها، وليس كل مؤثرة تروج لمنتج تجميلي تمارس تأثيرًا سلبيًا.
كما لا ينبغي مهاجمة المرأة بسبب حجابها أو عدمه، أو شكل جسدها، أو طريقة لباسها، أو خياراتها الشخصية.
النقد يجب أن يوجه إلى المحتوى والمنظومة التجارية وطريقة صناعة الصورة، لا إلى المرأة نفسها.
فالمرأة العراقية ليست مسؤولة وحدها عن المعايير التي تُعرض أمامها باستمرار.
وإذا كانت الشركات والمنصات والمؤثرون يملكون أدوات ضخمة لصناعة الرغبة، فمن غير العادل أن نحمّل المرأة وحدها مسؤولية مقاومة هذه المنظومة.
من يربح عندما تشعر المرأة بأنها غير كافية؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب النقاش. فعندما تشعر المرأة بأن وجهها يحتاج إلى تعديل، وجسدها يحتاج إلى تغيير، وبشرتها تحتاج إلى منتجات أكثر، وملابسها تحتاج إلى تحديث دائم، فإن هناك سوقًا واسعة مستعدة لتقديم الحلول.
وقد لا يكون من الضروري أن يقول لها أحد صراحة: «أنت لست جميلة».
يكفي أن تشاهد كل يوم مئات الصور التي تقدم شكلًا واحدًا للمرأة الجميلة، حتى تبدأ هي بنفسها في اكتشاف «عيوب» لم تكن تراها من قبل.
وهنا تصبح المقارنة منتجًا تجاريًا غير مباشر. فكلما اتسعت الفجوة بين مظهر المرأة الحقيقي والصورة التي تتوقع أن تكون عليها، اتسعت معها مساحة السوق التي تبيع منتجات وخدمات لسد هذه الفجوة.
الجمال ليس المشكلة
ليس المطلوب أن تتوقف المرأة العراقية عن الاهتمام بمظهرها، ولا أن ترفض مستحضرات التجميل، ولا أن تخشى الطب التجميلي، ولا أن تعود إلى نموذج واحد قديم للجمال.
المطلوب هو شيء مختلف تمامًا: أن يبقى الاختيار اختيارًا.
أن تستطيع المرأة أن تضع المكياج لأنها تحبه، لا لأنها تشعر أنها قبيحة من دونه.
أن تختار إجراءً تجميليًا لأنها تريده، لا لأنها تعتقد أن قيمتها ستنخفض بدونه.
وأن تستطيع النظر إلى وجهها الطبيعي دون أن تشعر بأنه مشروع يحتاج إلى إصلاح مستمر.
ما هو الحل؟
الحل لا يكمن في المنع والمطاردة، وإنما في التربية الإعلامية والرقمية.
يحتاج الأطفال والمراهقون إلى تعلم أن الصور المنشورة ليست بالضرورة صورًا عفوية، وأن الإضاءة والزوايا والمكياج والفلاتر والتعديلات الرقمية يمكن أن تغير المظهر بصورة كبيرة.
ويحتاجون أيضًا إلى فهم أن الإعلان قد يظهر في صورة تجربة شخصية أو توصية من مؤثر، وأن الحياة التي نراها على المنصات ليست الحياة كاملة.
كما تحتاج الأسرة والمدرسة والإعلام إلى تقديم نماذج أكثر تنوعًا للنجاح والجمال، بحيث لا تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بمظهره أو عدد متابعيه أو قدرته على شراء نمط حياة معين.
أما منصات التواصل، فعليها مسؤولية أكبر في التعامل مع المحتوى الموجه إلى الأطفال والمراهقين، وفي زيادة الشفافية حول الإعلانات والمحتوى التجاري، وفي الحد من الممارسات التي تستغل نقاط الضعف المتعلقة بصورة الجسد.
الخلاصة: حين يصبح عدم الرضا سلعة
إن إعادة تعريف الجمال في العراق ليست نتيجة سبب واحد، ولا يمكن تحميل المؤثرات وحدهن المسؤولية. إنها نتيجة تفاعل بين وسائل التواصل، والخوارزميات، والإعلانات، وصناعة التجميل، والثقافة الاستهلاكية، ورغبة الإنسان الطبيعية في القبول.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه العوامل مجتمعة إلى رسالة واحدة تقول للمرأة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: وجهك الطبيعي ليس كافيًا.
عندها يصبح الجمال مشروعًا تجاريًا مفتوحًا بلا نهاية.
تعديل هنا، منتج هناك، فلتر جديد، إجراء جديد، صورة جديدة، ثم مقارنة جديدة.
المشكلة ليست في أحمر الشفاه، ولا في العناية بالبشرة، ولا في التجميل، ولا في رغبة المرأة العراقية في أن تبدو جميلة.
المشكلة حين يتحول الجمال من خيار إلى ضغط، ومن ذوق إلى معيار، ومن اختلاف طبيعي إلى عيب، ومن عدم الرضا إلى تجارة.
فالمرأة العراقية ليست مشروع تجميل دائمًا، وملامحها ليست سلعة، ووجهها الطبيعي ليس خطأ يحتاج إلى التصحيح.
وحين تتعلم المرأة العراقية قراءة الصورة كما هي (صورة مصنوعة، منتقاة، وأحيانًا معدلة) يمكنها أن تستعيد شيئًا مهمًا فقدته وسط زحام الشاشات: الحق في أن تكون مختلفة، دون أن تشعر بأنها أقل جمالًا.
لأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى وجه واحد، ولا إلى فلتر واحد، ولا إلى معيار تفرضه الخوارزمية.
الجمال يبدأ حين لا تضطر المرأة إلى تغيير نفسها حتى تشعر بأنها تستحق أن تُرى.
انتهى