جديد

تكرار كلمة في آية: لعلهم (لعلهم يعرفونها اذا انقلبوا الى أهلهم لعلهم يرجعون)

د. فاضل حسن شريف

جاء في منتدى انما المؤمنون أخوة عن ظاهرة التكرار في القرآن الكريم للكاتب أحمد محمد لبن: القرآن جاء على قواعد البلاغة: لقد جرت عادة العرب على استخدام أسلوب التكرار، محاولة منهم للتنبيه على مزيد عناية ووافر اهتمام بأمور مهمة، وما أجمل ما قالت الخنساء وهى ترثى أخاها صخرا: وإن صخرا لوالينا وسيدنا * وإن صخرا إذا نشتو لنحار وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم فى رأسه نار. فالتكرار أسلوب بلاغى معروف، والقرآن الكريم كما هو معلوم لم يفاجئ العرب بغريب، ولكنه أتاهم بجنس ما برعوا فيه، ومع ذلك تحداهم فى أن يأتوا بمثله. ومن هنا فلا غرو أن نجد لهذا الأسلوب فى القرآن الكريم مساحةً ليست قليلة، ولذا فهى ظاهرة جديرة بالدراسة والبحث، خاصة أن القرآن الكريم قد أجاد فى توظيفها، كما أجاد فى عرضها،فهى لم تأت فيه عبثا أو خبط عشواء، ولكن وراءها من الحكم والأسرار ما يدهش العقول، ويأسر الألباب. أنواع التكرار فى القرآن الكريم، وفيه: تكرار الأداة. تكرار الكلمة. تكرار الفاصلة. تكرار القصة. تكرار اللفظ والمعنى. تكرار المعنى فقط.

عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (يوسف 62) صعوبة المطلب ومناله “وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ” ﴿يوسف 62﴾، أمر يوسف خدمه أن يدسوا بضاعة إخوته التي اشتروا بها الطعام، يدسوها في أمتعتهم من حيث لا يشعرون، “لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” ﴿يوسف 62﴾، هذا تعليل لإرجاع الثمن إلى إخوته، وان القصد منه ترغيبهم في العودة إليه ثانية، فإنهم إذا فتحوا رحالهم ووجدوا فيها بضاعتهم، بعثهم ذلك إلى الرجوع طمعا في جوده وكرمه، وغير بعيد ان من مقاصد يوسف أن يطمئن أبوه، ولا يثقل عليه إرسال أخيه له. و جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن رحالهم “وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” ﴿يوسف 62﴾ وأخيراً أمر يوسف رجاله بأن يضعوا الأموال التي اشتروا بها الحبوب في رحالهم جلباً لعواطفهم.

تكرار الكلمات في القرآن الكريم، مثل تكرار حرف أو لفظة معينة أو كلمة “لعلهم”، يعد أسلوباً بلاغياً عظيماً يهدف إلى تقرير المعنى، وتأكيد الهداية، وترسيخ العبرة في النفس، وإظهار العناية بأمر الترجّي أو التقوى ليكون السلوك الإنساني بها أمثل. دلالات وأهمية التكرار البلاغي: تقرير المعنى والتوكيد: الكلام إذا تكرر تقرر في النفوس وثبت، فالإعادة تدفع النسيان وتؤكد الغاية المرادة.شدّ الانتباه والتنبيه: يلفت انتباه القارئ والسامع إلى عظم الموقف أو أهمية الحكم الشرعي أو العظة المقدمة.بسط الموعظة: توسيع دائرة التهدئة أو الترغيب والترهيب لتبلغ القلب بأعمق تأثير ممكن. سر تكرار كلمة “لعل” أو “لعلهم” إفادة الترجي والاشفاق: تفيد في سياق الخطاب الإلهي تحقق الطمع في الخير من العباد، وكأن المعنى: افعلوا كذا وكذا رجاء أن تحصلوا على الفلاح أو التقوى. تجدد العناية: تكرارها في مواضع متعددة يشعر العبد بأن باب الرجاء والتوبة والاتعاظ مفتوح دائماً، مما يحفز النفس على مراجعة السلوك والتقوى باستمرار.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (يوسف 62) ﴾ الفتيان جمع الفتى وهو الغلام، وقال الراغب: البضاعة قطعة وافرة من المال يقتنى للتجارة يقال: أبضع بضاعة وابتضعها، قال تعالى: “هذه بضاعتنا ردت إلينا” (يوسف 65) وقال تعالى: “ببضاعة مزجاة” (يوسف 88) والأصل في هذه الكلمة البضع بفتح الباء وهو جملة من اللحم يبضع أي يقطع قال وفلان بضعة مني أي جار مجرى بعض جسدي لقربه مني قال والبضع بالكسر المنقطع من العشرة، ويقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة وقيل: بل هو فوق الخمس ودون العشرة. انتهى، والرحال جمع رحل وهو الوعاء والأثاث، والانقلاب الرجوع. ومعنى الآية: وقال يوسف عليه السلام لغلمانه: اجعلوا مالهم وبضاعتهم التي قدموها ثمنا لما اشتروه من الطعام في أوعيتهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا ورجعوا إلى أهلهم وفتحوا الأوعية لعلهم يرجعون إلينا ويأتوا بأخيهم فإن ذلك يقع في قلوبهم و يطمعهم إلى الرجوع والتمتع من الإكرام والإحسان.

وردت كلمة (لعل) في القرآن الكريم بكثرة، وتأتي في الغالب بمعاني التعليل، أو الترجي، أو التوقع (وكلها بالنسبة لمخاطبة البشر وتكليفهم، فالله منزه عن الجهل أو الشك). ومن أبرز أمثلة تكرارها ودلالاتها في الآيات الكريمة: أمثلة (لعل) بحسب المعاني السياقيةللتعلّيل (بمعنى كيْ أو لغرض كذا):قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة 183). قوله تعالى: “وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” وقوله في موضع آخر: “لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الحجرات 10).للتوقع والترجي في المحبوب:قوله تعالى: “لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا” (الطلاق 1). قوله تعالى: “عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا”، وكذا ورودها في سياق انتظار الفرج والمغفرة.للإشفاق أو التقريب (في أمر مخيف أو محتمل القرب): قوله تعالى: “وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا” (الأحزاب 63).