مفهوم ينفض في القرآن الكريم (انفضوا اليها وتركوك قائما)

د. فاضل حسن شريف

وردت كلمة ينفض ومشتقاتها في القرآن الكريم: وَالْفِضَّةِ لَانفَضُّوا، فِضَّةٍ، انفَضُّوا، يَنفَضُّوا. جاء في معاني القرآن الكريم: فضض الفض: كسر الشيء والتفريق بين بعضه وبعضه، كفض ختم الكتاب، وعنه استعير: انفض القوم. قال الله تعالى: “وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها” (الجمعة 11)، “لا نفضوا من حولك” (آل عمران 159)، والفضة اختصت بأدون المتعامل بها من الجواهر، ودرع فضفاضة، وفضفاض: واسعة.

عن تفسير الميسر: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ انْفَضُّوا إِلَيهَا: تفرقوا عنك إلى التجارة. إذا رأى بعض المسلمين تجارة أو شيئًا مِن لهو الدنيا وزينتها تفرَّقوا إليها، وتركوك أيها النبي قائمًا على المنبر تخطب، قل لهم-أيها النبي-: ما عند الله من الثواب والنعيم أنفع لكم من اللهو ومن التجارة، والله وحده خير مَن رزق وأعطى، فاطلبوا منه، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ” قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (الجمعة 11) “وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها” أي التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو “وتركوك” في الخطبة “قائما قل ما عند الله” من الثواب “خير” للذين آمنوا “من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين” يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق الله تعالى.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ وبهذه المناسبة نشير إلى ان للمصلحة المادية أثرا بالغا في حياة الناس لأن الاقتصاد قوام الحياة، ما في ذلك ريب، لذا قال سبحانه: “فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ” (الجمعة 10) فليس صحيحا ان الاقتصاد هو الباعث الوحيد على كل موقف يقفه الإنسان، وكل حركة يتحركها.. كلا، فإن هناك جوانب أخرى تبعث على الحركة والعمل، وليس بينها وبين الاقتصاد والمصلحة المادية أية صلة، فقد انفض كثير من حول الرسول إلى التجارة وتركوه قائما كما نصت الآية، ولكن بقي حوله آخرون ولم يتركوه وحيدا كما قالت الرواية. “قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْو ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾. عند اللَّه سبحانه رزق الدنيا ورزق الآخرة.. وليس بينهما مانعة جمع، فلا العمل للآخرة ينقص من رزق الدنيا، ولا العمل للدنيا ينقص من ثواب الآخرة، بل كل عمل يسد حاجة من حاجات الحياة فهومن عمل الآخرة أيضا. ولا أبتعد عن الحقيقة إذا قلت: ان كل عمل أحلَّه اللَّه في هذه الحياة فهو مطية للآخرة، وما أكثر ما أحل اللَّه لعباده.. قال الإمام علي عليه السلام: ما أحل لكم اللَّه أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ وَإِذَا “الْوَاوُ” حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ. رَأَوْا فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ الْمُقَدَّرِ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. تِجَارَةً مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. أَوْ حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. لَهْوًا مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. انْفَضُّوا جَوَابُ الشَّرْطِ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. إِلَيْهَا (إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. وَتَرَكُوكَ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَرَكُوا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ”كَافُ الْمُخَاطَبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. قَائِمًا حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. قُلْ فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “أَنْتَ”. مَا اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ. عِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. اللَّهِ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. خَيْرٌ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. مِنَ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. اللَّهْوِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. وَمِنَ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. التِّجَارَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. وَاللَّهُ “الْوَاوُ” حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. خَيْرُ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. الرَّازِقِينَ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ في آخر الآية – مورد البحث – ورد ذم عنيف للأشخاص الذين تركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجمعة وأسرعوا للشراء من القافلة القادمة، إذ يقول تعالى: “وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها وتركوك قائما” ﴿الجمعة 11﴾. ولكن قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين. فمن المؤكد، أن الثواب والجزاء الإلهي والبركات التي يحظى بها الإنسان عند حضوره صلاة الجمعة والاستماع إلى المواعظ والحكم التي يلقيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ينتج عن ذلك من تربية روحية ومعنوية، لا يمكن مقارنتها بأي شيء آخر. فإذا كنتم تظنون انقطاع الرزق فإنكم على خطأ كبير لأن الله خير الرازقين. التعبير ب‍ (اللهو) إشارة إلى الطبل وسائر آلات اللهو التي كانت تستعمل عند دخول قافلة جديدة إلى المدينة. فقد كانت تستعمل كإعلان وإخبار عن دخول القافلة، إضافة إلى كونها وسيلة للترفيه والدعاية واللهو، كما نشاهد ما يشابه ذلك في الغرب هذه الأيام. التعبير ب‍ “انفضوا”بمعنى الانتشار والانصراف عن صلاة الجمعة والذهاب إلى القافلة. فقد ورد في سبب النزول أن المسلمين تركوا الرسول في خطبة الجمعة وتجمعوا مع باقي الناس حول قافلة “دحية” الذي لم يكن قد أسلم بعد ولم يبق في المسجد إلا ثلاثة عشر شخصا أو أقل، كما جاء في رواية أخرى. والضمير في (إليها) يرجع إلى التجارة التي أسرعوا إليها، ولم يكن (اللهو) هو الهدف المقصود بل كان مجرد مقدمة للإعلان عن وصول القافلة إلى المدينة، وكذلك للترفيه والدعاية للبضاعة. التعبير ب‍ (قائما) يكشف عن أن الرسول كان واقفا يلقي خطبة الجمعة، كما جاء في حديث عن جابر أنه قال: (لم أر رسول الله قط يخطب وهو جالس، وكل من قال يخطب وهو جالس فكذبوه). وجاء في رواية أخرى أنه سئل عبد الله بن مسعود يوما: هل كان الرسول يخطب واقفا؟ قال: ألم تسمعوا قوله تعالى: وتركوك قائما. وجاء في (الدر المنثور) أن معاوية كان أول شخص ألقى خطبة الجمعة وهو (قاعد).