
رياض سعد
ما من حكومة عراقية تجرأت على فتح ملف التجاوزات السكنية وهدم البيوت والمحلات و«الجنابر والبسطيات»، إلا وترك ذلك القرار، عاجلًا أو آجلًا، آثارًا سياسية واجتماعية عميقة؛ بعضها انتهى باحتجاجات ومظاهرات واضطرابات.
وبعضها جاء في أواخر عمر الحكومة، وكأن السلطة لا تتذكر وجود هذه الملفات إلا حين يضيق بها الوقت، أو حين تريد أن تترك وراءها قرارات ثقيلة قبل مغادرتها المشهد.
والمراقب للمشهد العراقي خلال العقود الماضية يستطيع أن يلحظ هذه المفارقة: الحكومات تتعاقب، والوزارات تتغير، والشعارات تتبدل، لكن أزمة السكن تبقى، وأزمة العشوائيات تتسع، والفقراء هم أنفسهم الذين يدفعون الثمن في كل مرة.
قد تبدأ بعض الحكومات حملات إزالة التجاوزات في بداية عهدها، كما حدث في تجارب حكومية سابقة، لكن المشكلة لم تكن يومًا في إزالة مخالفة هنا أو هدم بناء هناك؛ المشكلة أعمق بكثير من ذلك.
إنها مشكلة دولة لم تنجح، منذ عقود طويلة، في بناء سياسة إسكان عادلة، ولم تتمكن من تنظيم استعمالات الأراضي بما يتناسب مع النمو السكاني، ولم توفر للفقراء وأصحاب الدخل المحدود بدائل سكنية تحفظ لهم كرامتهم قبل أن تطالبهم بإخلاء ما بنوه بأيديهم.
# من أين جاءت أزمة السكن؟
ليس من الإنصاف أن ننظر إلى بيت التجاوز وحده وننسى التاريخ الذي دفع صاحبه إلى بنائه... ؛ فالعراق يحمل إرثًا طويلًا من الاختلال في توزيع الأراضي والثروة والفرص، يعود إلى مراحل تاريخية متعاقبة، وكان للسياسات الاستعمارية والبنى السياسية والاقتصادية التي نشأت في ظل الانتداب البريطاني أثر مهم في تشكيل الدولة ونظام الملكية وتوزيع الموارد… ؛ ثم تعاقبت بعد ذلك أنظمة وحكومات وسياسات هجينة لم تستطع أن تنهي الاختلالات البنيوية في ملكية الأرض والسكن والتنمية.
لكن المشكلة لم تتوقف عند الماضي.
بعد عام 2003، كان المنتظر أن تضع الدولة العراقية الجديدة سياسة إسكان وطنية تعالج تراكمات عقود طويلة من الفقر والحرمان والنزوح والنمو السكاني، وأن تعمل على تنظيم المناطق العشوائية، وتوفير الأراضي المخدومة، وتوسيع المدن بصورة مخططة، وإعادة النظر في ملكية الأراضي التي استُغلت أو وُزعت بطرق غير عادلة.
إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث بالحجم الذي يتناسب مع حجم المشكلة.
وفي الوقت الذي بقي فيه المواطن الفقير عاجزًا عن شراء قطعة أرض أو الحصول على وحدة سكنية، ظهرت شبكات من المتاجرة بالأراضي العامة والزراعية، وتحولت حاجة الناس إلى السكن إلى سوق مربحة يستفيد منها المتنفذون والسماسرة وبعض الجهات السياسية والمحلية.
كان المواطن يبيع ما يملك، ويستدين، ويقترض، ويجمع مدخرات سنوات عمره، ثم يشتري قطعة أرض لا يعرف مصيرها القانوني، ويبني عليها بيتًا متواضعًا، ويصل إليه الماء والكهرباء والصرف الصحي بجهده أو بمساهمته، ويعيش فيه سنوات طويلة، ثم يأتيه ذات صباح صوت الآليات الثقيلة.
# الشفل الاصفر لا يعرف قصة البيت ؟!
تصل الآليات.
تقترب الشفلات الصفراء من البيوت.
يرتفع صوت المحركات فوق أصوات السكان الفقراء والمساكين والمكاريد .
يخرج الرجال مذعورين، وتصرخ النساء، ويبكي الأطفال، ويقف رب الأسرة عاجزًا أمام الجدران التي بناها لبنةً لبنة، ربما على مدى سنوات من العمل والحرمان.
في لحظات قليلة، يتحول البيت الذي كان يعني لصاحبه الأمان إلى كومة من الركام.
لكن الآلية التي تهدم الجدار لا ترى ما وراء الجدار.
لا ترى سرير طفل.
لا ترى صورة شهيد معلقة على الحائط.
لا ترى مطبخًا أعدت فيه أمٌّ طعام أطفالها لسنوات.
لا ترى دفترًا مدرسيًا تحت الأنقاض.
ولا ترى الرجل الذي قضى نصف عمره يجمع المال ليبني غرفة إضافية لابنه.
إنها ترى «تجاوزًا».
أما الإنسان العراقي المظلوم والمغبون ، فيرى بيته وحياته وذاكرته ومستقبله .
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
لسنا أمام جدار يُهدم فحسب، بل أمام عائلة تُنتزع من مكانها… ؛ ولسنا أمام مخالفة قانونية مجردة، بل أمام سؤال أكبر: ماذا تفعل الدولة بالمواطن حين تطلب منه أن يغادر بيته من دون أن توفر له مكانًا يذهب إليه؟
# القانون وحده لا يكفي
لا أحد يجادل في حق الدولة في تنظيم المدن، وحماية الأراضي العامة، ومنع التجاوز على الممتلكات العامة والخاصة.
لكن الدولة التي تريد تطبيق القانون ينبغي أن تطبقه ضمن منظومة متكاملة من العدالة والبدائل والحماية الاجتماعية.
فلا يمكن أن يكون القانون قويًا في مواجهة الفقير، ضعيفًا أمام المتنفذ والفاسد والعميل والخائن والمرتبط بالجهات المخابراتية والاجندات الخارجية .
ولا يمكن أن تتحول «إزالة التجاوزات» إلى سياسة هدم فقط، بينما تبقى الجهات التي سمحت بالتجاوز، أو باعت الأرض، أو تقاضت الأموال من المواطنين، بعيدة عن المساءلة.
وهنا تبرز الأسئلة الأصعب:
من سمح لهذه المدن العشوائية أن تنمو؟
من باع الأراضي الزراعية للمواطنين؟
من منح الوعود للناس؟
من تقاضى الأموال؟
من أوصل الخدمات إلى بعض هذه المناطق؟
ومن تركها تتوسع سنوات طويلة ثم اكتشف فجأة أنها «تجاوزات»؟
إن تحميل المواطن وحده مسؤولية منظومة شاركت الدولة نفسها في صنعها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليس حلًا للمشكلة؛ بل إعادة إنتاج لها.
# الدولة التي تظهر متأخرة
المفارقة المؤلمة أن الدولة تكون غائبة حين يحتاجها المواطن، ثم تظهر بكامل قوتها حين تريد هدم ما بناه المواطن.
تغيب الدولة حين يبحث الفقير عن قطعة أرض.
وتغيب حين يبحث عن قرض سكني.
وتغيب حين يسأل عن مدينة جديدة مخدومة.
وتغيب حين يُباع له الوهم على أنه قطعة أرض صالحة للسكن.
ثم تظهر فجأة بعد سنوات، محملة بالآليات والقرارات والأوامر الإدارية.
وهكذا يصبح المواطن أمام دولة يعرفها جيدًا حين تريد أن تهدم، لكنه لا يجدها حين يريد أن يبني.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا.
الدولة ليست مجرد شفلّات صفراء تهدم، بل مؤسسة يفترض أن تمنع المشكلة قبل وقوعها.
# من حق الدولة أن تنظّم… ومن حق المواطن أن يعيش
المطلوب ليس الدفاع عن التجاوز بوصفه حقًا، ولا تحويل المخالفة إلى قانون، وإنما البحث عن العدالة في تطبيق القانون.
فإذا كان البناء مخالفًا، فلتُعالج المخالفة وفق القانون.
وإذا كانت الأرض قابلة للتنظيم، فلتُنظّم.
وإذا كان بالإمكان استيفاء بدل أو تقسيط قيمة الأرض، فليُفتح هذا الباب.
وإذا كانت المنطقة تحتاج إلى تخطيط عمراني، فلتُخطط.
وإذا كان الهدم ضرورة لا مفر منها، فليسبقه سكن بديل وتعويض عادل وحماية للأطفال والنساء وكبار السن.
أما أن تُهدم البيوت أولًا ثم يُترك أصحابها يبحثون عن مأوى، فهذه ليست سياسة إسكان؛ إنها **إدارة للأزمة بواسطة الهدم**.
# المشكلة أقدم من حكومة وأكبر من وزارة
ولذلك، فإن اختزال القضية في حكومة واحدة أو وزير واحد أو حملة واحدة لا يخدم الحقيقة.
أزمة السكن في العراق أقدم من الحكومات الحالية، وأكبر من وزارة واحدة، وأعمق من ملف التجاوزات.
إنها نتيجة تراكمات تاريخية وسياسات اقتصادية وعمرانية واجتماعية متعاقبة، تفاقمت بفعل الحكومات الهجينة والعميلة والانظمة السياسية الطائفية الحاقدة و الحروب والنزوح والفقر والفساد وضعف التخطيط والزيادة السكانية وسوء إدارة الأراضي.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد، لا إلى حملة موسمية.
نحتاج إلى قاعدة بيانات حقيقية لملكية الأراضي.
نحتاج إلى كشف واضح للأراضي العامة والزراعية التي جرى التصرف بها بصورة غير قانونية.
نحتاج إلى محاسبة من باع أو سمح أو سهّل التجاوز، لا المواطن وحده.
نحتاج إلى مدن سكنية حقيقية للفقراء وأصحاب الدخل المحدود.
نحتاج إلى تقنين ما يمكن تقنينه، وإزالة ما يستحيل تنظيمه، وتعويض من يستحق التعويض، وتأمين البديل لمن يُطلب منه الرحيل.
# الدولة لا تُقاس بقوة جرافاتها
في نهاية المطاف، ليست قوة الدولة في عدد الآليات التي تستطيع إرسالها إلى حي فقير، ولا في قدرتها على إسقاط جدار أمام كاميرات التصوير.
قوة الدولة الحقيقية أن تستطيع أن تمنع المواطن من الوصول إلى التجاوز أصلًا، بأن توفر له الأرض القانونية، والسكن المناسب، والخدمات، والتمويل، والتخطيط الحضري.
الدولة العادلة لا تنتظر الفقير حتى يبني بيتًا من الصفيح والطابوق، ثم تأتي بعد سنوات لتقول له: أنت متجاوز.
بل تسأل نفسها أولًا: لماذا اضطر هذا الإنسان إلى التجاوز؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق الشفلات الصفراء، والبلدوزر، وأمر الهدم.
فخلف كل بيت يُهدم إنسان.
وخلف كل إنسان عائلة.
وخلف كل عائلة أطفال ونساء وذاكرة وأحلام.
وحين تهدم الدولة بيتًا من دون أن تبني بديلًا، فهي لا تزيل جدارًا فحسب؛ إنها تترك في قلب المواطن شعورًا بأن الدولة التي كان يفترض أن تحميه أصبحت هي مصدر خوفه.
وهنا تكمن المأساة الأكبر: أن يتحول القانون من وسيلة لحماية الإنسان إلى أداة لاقتلاعه من المكان الذي احتمى فيه.
فالعراق لا يحتاج إلى دولة تعرف كيف تهدم بيوت الفقراء فقط؛
إنه يحتاج إلى دولة تعرف كيف تمنع الفقر من أن يتحول إلى بيتٍ متجاوز أصلًا.


